وحدة الدراسات الأسيوية

الحوار الأمني الرباعي وتحولات منطقة المحيط الهندي-الهادئ

شهدت العاصمة اليابانية طوكيو، يوم 6 أكتوبر 2020، اجتماعًا لكل من وزراء خارجية الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا كممثلين عن دول الحوار الأمني الرباعي Quad. يكتسب هذا الاجتماع أهميته كونه يأتي وسط مخاوف عالمية جراء انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19). ويعد هو الاجتماع الأول من نوعه الذي عُقد بشكل منفصل لوزراء الخارجية، وسيستمر هذا النهج بعدما اتفق الوزراء على عقد اجتماعات وزارية بشكل دوري. لم يَصدر بيان مشترك عن الاجتماع، بل صدرت قراءات أو ملاحظات أربع توضح وجهة نظر كل دولة في الاجتماع من ناحية القضايا محل الاتفاق أو الاختلاف. فقد أكدت الولايات المتحدة وأستراليا الحاجة لمواجهة المعلومات المضللة، وطالبت…

فردوس عبدالباقي
باحثة بوحدة الدراسات الأسيوية

شهدت العاصمة اليابانية طوكيو، يوم 6 أكتوبر 2020، اجتماعًا لكل من وزراء خارجية الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا كممثلين عن دول الحوار الأمني الرباعي Quad. يكتسب هذا الاجتماع أهميته كونه يأتي وسط مخاوف عالمية جراء انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19). ويعد هو الاجتماع الأول من نوعه الذي عُقد بشكل منفصل لوزراء الخارجية، وسيستمر هذا النهج بعدما اتفق الوزراء على عقد اجتماعات وزارية بشكل دوري.

لم يَصدر بيان مشترك عن الاجتماع، بل صدرت قراءات أو ملاحظات أربع توضح وجهة نظر كل دولة في الاجتماع من ناحية القضايا محل الاتفاق أو الاختلاف. فقد أكدت الولايات المتحدة وأستراليا الحاجة لمواجهة المعلومات المضللة، وطالبت الأخيرة بامتثال القوى الإقليمية لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ووضع قواعد للسلوك في المنطقة تهدف لتعزيز التعاون في الأمن البحري. ووجهت اليابان والهند الاهتمام للقضايا الإقليمية، مثل كوريا الشمالية وبحر الصين الجنوبي والشرقي، واستعراض التطورات الاستراتيجية بمنطقة المحيطين الهندي-الهادئ.

بجانب ذلك، تطرقت الهند وأستراليا إلى أهمية التعاون للتوصل إلى لقاحات لفيروس كورونا، وأشارت اليابان بشكل غير مباشر للأمر نفسه من خلال الحديث عن التعاون في مجالات الصحة والنظافة، لكن لم تذكر الولايات المتحدة أيًّا من هذه الأمور. كما لم تشر الهند إلى ما يخص الأمن السيبراني. وأشار وزير الخارجية الأمريكي لأهمية إضفاء الطابع المؤسسي على الحوار الرباعي كي يمكن “بناء إطار أمني حقيقي” لمنطقة المحيطين الهندي-الهادئ، واعتبر أن هذا الإطار يمتلك القدرة على مواجهة “التحدي الذي يفرضه الحزب الشيوعي الصيني”. لكن بدا أن نظراءه أكثر تحفظًا عبر التأكيد على أهمية الالتزام بقواعد القانون الدولي والإدارة السلمية للنزاعات.

الأهمية الاستراتيجية للحوار الأمني الرباعي 

بدأ النقاش حول ما يُشبه التحالف الأمني بلقاء وزراء خارجية الدول الأربع (الولايات المتحدة، واليابان، والهند، وأستراليا) في مايو 2007 على هامش منتدى الآسيان في مانيلا لاستكشاف إمكانية إجراء حوار استراتيجي رباعي الأطراف، وإجراء مشاورات حول القضايا الإقليمية. كان ذلك باقتراح من رئيس الوزراء الياباني السابق “شينزو آبي”، لكن لم يستمر الحديث عن هذا الحوار في ظل تغيرات السياسة العالمية وتراجع الهند وأستراليا فيما بعد، واعتراض الصين لأنها اعتبرته تحالفًا لاحتواء نهوضها وعبّرت عن رفضها لتشكيل أية مجموعات من هذه الشاكلة، ودعت إلى “عدم تعطيل السلام والاستقرار والتنمية في المنطقة”. لكن لم تنتهِ الفكرة، إذ عاد انعقاد الحوار الرباعي بعد عشر سنوات في نوفمبر 2017، وسط بيئة جيوسياسية متغيرة تطرح موضوعات مثل: مكافحة الإرهاب، وسيادة القانون، وحرية الملاحة، ومنع الانتشار والاتصال.

ترجع أهمية الحوار الرباعي إلى الرغبة في مواجهة المساعي الصينية في الفضاء، فقد بدأت الصين برنامجًا لبناء أقمار صناعية للطاقة الشمسية، وهي تقنية يمكن أن تغير ميزان القوى العالمي، ذلك بالإضافة إلى قوتها الاقتصادية والديموجرافية والعسكرية، التي يمكن أن تستخدمها لتعزيز مصالحها، وستكون بشكل كبير على حساب مصالح الآخرين. وهناك مطالبها الإقليمية للأرض والنزاعات الدائرة في بحر الصين الجنوبي، ورغبتها في تحويله إلى “بحيرة بكين” عبر نشر غواصات نووية مزودة بصواريخ طويلة المدى، واستعراض حاملة طائراتها، بما يعني أنها لن تتنازل عن قضايا السيادة الإقليمية، وأثارت بذلك قلق جيرانها. 

بمعنى آخر، يستهدف الحوار الرباعي زيادة مسئولية الصين في نظام دولي تعاوني، وإنتاج نهج متماسك لإدارة موازين القوى الجديدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لذا بات التعاون بينهم أكثر منطقية حين أرادوا التصدي للتهديدات المشتركة التي ظهرت خلال نشاط الصين على الحدود الشمالية للهند إلى محاولاتها لتغيير الوضع الإقليمي القائم فعليًّا في بحر الصين الشرقي والجنوبي.

أبعاد التقارب بين أطراف دول الحوار 

هناك عددٌ من الأبعاد التي تُضفي نوعًا من التقارب بين أعضاء الحوار الأمني الرباعي، تتضح في: 

  • تعاون أمني وعسكري: يرتبط أطراف الحوار الرباعي بعلاقات أمنية ثنائية أو ثلاثية، بجانب أن أستراليا واليابان تتمتعان بحماية المظلة الأمريكية الأمنية. وتعبر المناورات العسكرية المشتركة عن أحد أهم مؤشرات التعاون، فقد شهد بحر الصين الجنوبي مناورات عسكرية ثلاثية بين الولايات المتحدة واليابان وأستراليا في 20 أكتوبر 2020. ومنذ 1992، تقيم الولايات المتحدة والهند مناورات قبالة سواحل جزيرة مالابار الهندية، وانضمت لهما اليابان في 2015، وقد ثارت ترجيحات مؤخرًا بأن الهند ستدعو أستراليا للانضمام لهذه المناورات بعد تراجعها مع ضغط بكين وتخوفات الهند من تعقيد علاقتها بالصين، فقد كانت أول مشاركة لها في هذه المناورات في 2007. وهناك المناورات البحرية الهندية الأسترالية المشتركة AUSINDEX التي شهدت قفزة نوعية في 2019 بظهور التدريبات على الحرب المضادة للغواصات، والتي شكلت إحدى أهم ركائز مناورات مالابار. وفي ظل ما يشهده الموقف الهندي من بعض المراجعات مؤخرًا بسبب النزاعات الحدودية الدائرة بينها وبين الصين، مما دفعها لتطوير علاقتها الأمنية بالعديد من الدول منها أستراليا باتفاق في يونيو 2020 يهدف لاستخدام القواعد العسكرية في كلا البلدين، ووضع ترتيبات للإسناد اللوجيستي المتبادل. 
  • تطوير مؤسسي: أثار وزير الخارجية الأمريكي مسألة الطابع المؤسسي للحوار الرباعي، وقد يفتح هذا الأمر الباب للحديث عما إذا كان يمكن تطويره ليكون بمثابة “ناتو آسيوي” أو تطوير شراكة أمنية على أقل تقدير، تقودها الولايات المتحدة لمواجهة السلوك الصيني والفوز بموطئ قدم في منطقة المحيطين الهندي-الهادئ. قد يصبح هذا نقطة تحول كبيرة في تشكيل القوى بالمنطقة في ظل تراجع العلاقات الصينية مع الدول الأربع، بما يفرض تحديًا كبيرًا على الصين في السنوات المقبلة. 
  • محورية الدور الهندي: أبدت الهند تحفظات على الدخول في النزاع الأمريكي-الصيني، وهذا يعني ضرورة الحصول على بعض المرونة معها خاصة أنها تمتلك حدودًا طويلة مع الصين قد تجعلها نقطة المواجهة مع الصين على المدى الطويل، وهو ما يدفع الولايات المتحدة للرغبة في إدخال الهند في سياسة إعادة التوازن التي تركز على غرب المحيط الهادئ. وقد توفر زيارة وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” ووزير الدفاع “مارك إسبر” إلى نيودلهي بعض المحفزات عبر التوقيع على الاتفاقيات التأسيسية الأربع التي تقيمها الولايات المتحدة مع شركائها الدفاعيين. وتشمل هذه الاتفاقيات تأمين الاتصالات العسكرية، وتبادل البيانات الجغرافية، وتوفير الوصول المتبادل للمرافق العسكرية. وقد أشار الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أثناء اجتماعه مع رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” خلال زيارته الأخيرة لنيودلهي إلى “الحوار الرباعي”، ودعا لتنشيطها وتوسيع نطاق التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني، والأمن البحري، لضمان حرية وفتح منطقة المحيط الهندي-الهادئ. وتُعد إشارة “ترامب” إلى الحوار الرباعي ذات أهمية، لأن الهند هي الوحيدة التي لا ترتبط بمعاهدة رسمية مع الولايات المتحدة مثل اليابان وأستراليا. 
  • تنسيق مشترك: تجمع دول الحوار الرباعي العديد من مجالات التعاون، إذ تشترك الهند والولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، والدفاع، والطاقة، والتجارة، والزراعة، بالإضافة للمناورات العسكرية، واتفاقات التسليح، والتعاون في الفضاء بعد إنشاء قوة الفضاء الأمريكية ووكالة الفضاء الدفاعية الهندية. هناك أيضًا مبادرة تكنولوجيا الدفاع والتجارة (DTTI)، وكذلك الرؤية الاستراتيجية المشتركة لمنطقة آسيا والمحيطين الهادئ-الهندي. وتقيم اليابان والهند حوارًا استراتيجيًا (2+2) يضم وزير الدفاع والخارجية من كلا البلدين، والحديث عن اتفاق نووي مدني بين البلدين. وتروج اليابان لبيع طائراتها البرمائية من طراز US-2 إلى الهند، وتم إجراء مناورات بحرية بينهما في المحيط الهندي بتنسيق أمريكي.

تحديات تواجه الحوار الأمني الرباعي

رغم وجود العديد من أوجه التقارب وفرص التعاون بين دول الحوار، هناك مجموعة من التحديات التي تواجه استمرارية هذا الإطار، منها: 

  • هيكل الحوار: يُعد عدم وضوح البعد العسكري في الحوار الأمني الرباعي أو وجود هيكل مؤسسي رسمي يمكن من خلاله معرفة جدول أعمال المجموعة، أحد العوائق التي يمكن أن تجعل الخطوات المستقبلية للحوار بلا جدوى. الأمر الذي قد يفسر عدم إصدار بيان مشترك للاجتماع.
  • اختلافات بينية: يعد تزايد الاختلافات بين الرأي السياسي والعسكري الأمريكي بشأن الأولويات في الإقليم أحد التحديات التي تواجه الحوار الرباعي. ذلك بالإضافة إلى التنافس بين الهند واليابان حول الملكية الفكرية. كما تعد الصين أحد أكبر الشركاء التجاريين مع أعضاء الحوار الرباعي، مما يعني احتمالية زيادة الاختلافات مع الصين التي ستؤثر سلبًا على كل الشركاء خاصة مع الحرب التجارية بين بكين وواشنطن. فعلى سبيل المثال، تقع أستراليا بين رحى عدم القدرة على تحمل الضغط الأمريكي، ولن تستطيع مقاومة الصين التي قد تسبب إجراءاتها الانتقامية في أضرار فادحة للاقتصاد الأسترالي، إذ تستطيع الصين فرض حظر على منتجات الألبان والنبيذ والمعادن والخامات والفحم والغاز الطبيعي الأسترالية، أو عدم إرسال الطلاب والسياح الصينيين لأستراليا.
  • أزمة (كوفيد-19): في ظل عدد من التطورات الأخيرة التي يأتي على رأسها تفشي فيروس كورونا المستجد الذي أدى إلى إلغاء تدريبات عسكرية، فلا توجد إشارة قريبة يمكن الاستناد لها للقول بأن الحوار الرباعي سيزداد قوة في الوقت الحالي، خاصة مع نقص القدرة على الاجتماع بين الأطراف وإضفاء الطابع الرسمي والمؤسسي.
  • ضم الآسيان: ثارت توجهات لضم دول الآسيان في الحوار الرباعي، وذلك من منطلق أنها تعد حائطًا بين الولايات المتحدة والصين، فقد أكد تقرير الآسيان لعام 2019 عن منطقة المحيطين الهندي-الهادئ على حرية الملاحة والتعاون الاقتصادي، والتسوية السلمية للنزاعات واحترام السيادة، مما أدى لسعي الرابطة لإيجاد آليات قائمة بذاتها لإدارة المشهد الإقليمي سياسيًا وعسكريًا. وهناك فوائد متبادلة في حالة النجاح بضم الآسيان في الحوار الرباعي، حيث سيزداد الاهتمام بالمجال البحري والبنية التحتية الحيوية والربط الاقتصادي، ومجالات أخرى مثل أمن المعلومات والطاقة وتغير المناخ وإدارة الكوارث، وقد تستفيد دول الآسيان من هذا الأمر عبر مساعدتها في صد المحاولات الصينية التوسعية في الإقليم، ويمكن للهند تأمين علاقتها الاقتصادية مع جنوب شرق آسيا. كما ستكون هناك فرصة أمام اليابان للتعامل مع مخاوفها الجيوسياسية في بحر الصين الجنوبي عبر التعاون الأمني ​​والاقتصادي مع جيرانها من دول الآسيان. ويمكن للولايات المتحدة الاستحواذ على نقطة مقابلة للصين من خلال ما ستقوم به من تعاون أمني ومالي في المنطقة، وسيكون لأستراليا المجال لتنويع تجارتها مع جنوب شرق آسيا وتحقيق طموحاتها الأمنية البحرية. لكن من ناحية أخرى، تعد محاولة إضفاء طابع مؤسسي أو رسمي على الحوار الرباعي مصدر قلق للآسيان ومركزيتها الإقليمية، حتى إن أكدت الدول الأربع على دور تلك الرابطة. 
فردوس عبدالباقي
باحثة بوحدة الدراسات الأسيوية