الانتخابات الأمريكية

بايدن رئيسا…الحذر واجب

ما هو الأثر الذي سيتركه انتخاب بايدن على الشرق الأوسط؟ كيف سيختلف بايدن عن ترامب شرق أوسطيا؟ لقد كان هناك وقت كانت فيه أمريكا تغزو دول في المنطقة عسكريا، وتتحرش بدول أخرى سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا؛ بينما ركز الرئيس ترامب على ممارسة أقصى ضغط على إيران، فيما راعت إدارته، في غالب الأحيان، مصالح أصدقائها في المنطقة، وتدخلت انتقائيا في الصراعات الدائرة في سوريا واليمن وليبيا، فما هي السياسة الشرق أوسطية التي ستطبقها الإدارة الديمقراطية الجديدة؟  للرئيس المنتخب بايدن اهتمام بالسياسة الخارجية، وهو يفهم تفاصيلها جيدا؛ فقد ترأس لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس لعدة سنوات، وله آراء قوية ومبتكرة في قضايا العالم…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

ما هو الأثر الذي سيتركه انتخاب بايدن على الشرق الأوسط؟ كيف سيختلف بايدن عن ترامب شرق أوسطيا؟ لقد كان هناك وقت كانت فيه أمريكا تغزو دول في المنطقة عسكريا، وتتحرش بدول أخرى سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا؛ بينما ركز الرئيس ترامب على ممارسة أقصى ضغط على إيران، فيما راعت إدارته، في غالب الأحيان، مصالح أصدقائها في المنطقة، وتدخلت انتقائيا في الصراعات الدائرة في سوريا واليمن وليبيا، فما هي السياسة الشرق أوسطية التي ستطبقها الإدارة الديمقراطية الجديدة؟ 

للرئيس المنتخب بايدن اهتمام بالسياسة الخارجية، وهو يفهم تفاصيلها جيدا؛ فقد ترأس لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس لعدة سنوات، وله آراء قوية ومبتكرة في قضايا العالم والمنطقة. لكن الخبرات لا تؤدي بصاحبها بالضرورة لاتخاذ القرار السليم. فقد عارض السناتور بايدن مشاركة الولايات المتحدة في حرب تحرير الكويت عام 1991، لكنه صوت للحرب على العراق في عام 2003، بل ولعب دورا رئيسيا من موقعه كرئيس للجنة العلاقات الخارجية، في حمل مجلس الشيوخ ذو الأغلبية الديمقراطية لدعم قرار الرئيس الجمهوري جورج بوش لغزو العراق. عاد السيناتور بايدن في عام 2006 ليعارض زيادة القوات الأمريكية في العراق، رغم أن ذلك كان ضروريا لمواجهة التمرد المسلح؛ ليقترح بدلا من ذلك تقسيم العراق إلى ثلاث أقاليم تتمتع بحكم ذاتي عميق، يقترب من الاستقلال. أما في مجال علاقات القوى الكبرى، فقد أيد بايدن توسيع حلف الناتو شرقا، وهي الخطوة التي أنهت تفاهمات ما بعد الحرب الباردة، ودفعت روسيا للتصرف بطريقة عدائية، حتى أنه يمكن اعتبار هذا القرار أكثر ما أفسد العلاقات الأمريكية الروسية. 

سيكون الرئيس بايدن مختلفا جدا عن الرئيس ترامب في الطريقة التي يخرج بها قراراته. يعشق الرئيس ترامب الدخول في صراعات، ويحب القرارات المفاجئة والتصرفات غير الروتينية والصخب المصاحب لها، لكنه في نفس الوقت أقل رؤساء الولايات المتحدة استخداما للقوة المسلحة، رغم أنه من أكثر الرؤساء الأمريكيين إنفاقا على التسلح. 

الرئيس بايدن، خاصة في هذا السن، يبدو أكثر هدوء وتعقلا بكثير، فأدائه أثناء الحملة الانتخابية فيه الكثير من الحذر، وتجنب الاندفاع والعبارات الرنانة. ربما كان هذا نتيجة للحكمة التي تأتي مع تقدم العمر، ومن المفيد هنا أن نتذكر موقفه المعارض لتقويض نظام الرئيس مبارك، ومطالبته بإصلاح النظام بدلا من تغييره، حفاظا على الاستقرار، وتجنبا للمغامرات غير المحسوبة.  

سيختلف الرئيس بايدن عن سلفه ترامب في كل شيء تقريبا، وسيتفق معه على شيء واحد، هو تقليص الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، فهذا هو الشيء الوحيد الذي يتفق عليه فرقاء السياسة الأمريكية. ليس هناك مجال لمزيد من الحروب الأمريكية في المنطقة، أو التزامات أمريكية مؤكدة تجاه أمن الحلفاء، ولهذا صلة مباشرة بالتحركات التي اتخذتها دول عربية تجاه إسرائيل. 

الفارق المهم بين الرئيس بايدن والرئيس المنتهية ولايته هو أن بايدن وحزبه الديمقراطي يؤمنون بأن مصالح الولايات المتحدة ومصيرها مرتبط بمصير العالم، وهو ما يختلف عن العقيدة السياسية الانعزالية للرئيس ترامب. كل هذا جيد، المشكلة هي أنه ليس للشرق الأوسط مكانا في رؤية الرئيس بايدن هذه؛ فمنطقتننا ليست من ضمن الشركاء المهمين لتعزيز النظام الدولي لحماية المناخ والحياة على كوكب الأرض، ولا هي من ضمن الشركاء الضروريين لتأسيس نظام تجاري ومالي دولي عادل وفعال، وليست جزءا من سلاسل التوريد في الأسواق الدولية. وباستثناء النفط الذي تتراجع أهميته بسرعة فإن الشرق الأوسط لا يسهم جديا في الاقتصاد والتكنولوجيا في عالم اليوم. 

ربما لا يحب أهل الشرق الأوسط  سماع الأخبار التي تبشر بفقدان منطقتهم لأهميتها، بعد عقود طويلة من الاعتقاد بأن شرقهم الأوسط هو سرة العالم، التي يتصارع حولها الطامعون الكبار من دول المعمورة. كان هذا صحيحا إلى حد كبير في زمن الاستعمار، ، وبعد ذلك في زمن الحرب الباردة. لكن كل هذا تغير الآن، وعلى أهل المنطقة التعامل مع الحقائق الجديدة. فالشرق الأوسط يدخل مرحلة تهميش، وبعد أن كان في قلب السياسة والصراعات الدولية لعقود، فإنه آخذ في إخلاء موقعه على مسرح السياسة الدولية بسرعة. 

وبشكل خاص فإن مصالح أمريكا في الشرق الأوسط فقدت كثيرا من أهميتها، فهناك وفرة في إنتاج النفط في العالم، وأصبحت الولايات المتحدة مكتفية ذاتيا من النفط، في الوقت الذي يتراجع فيه استهلاك النفط، فيما يزيد الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة؛ فبينما كانت الطاقة المستخرجة من مصادر متجددة تمثل 5.2% من الطاقة المنتجة في العالم عام 2007، فإنها وصلت إلى 13.4% في عام 2019. في نفس الوقت فإن الولايات المتحدة لم تعد مشغولة بأمن إسرائيل، ليس بسبب تخليها عنها، وإنما لأن إسرائيل أصبحت قوية بما يكفي لمواجهة ما بقي من مصادر تهديد في المنطقة، ولولا المشاغبات الإيرانية، التقليدية والنووية، لكانت التحديات الجدية لأمن إسرائيل قد اختفت بشكل كامل.

المشكلة هي أنه مع تراجع أهمية الشرق الأوسط على قائمة المصالح الأمريكية، فإن الباب ينفتح لمغامرات، غير مكلفة للأمريكيين، لكن قد يكون لها تكلفة مرتفعة في المنطقة. ربما أصبح الرئيس بايدن حكيما بما يكفي لاتخاذ القرار السليم، لكن ماذا عن الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي، الذي لولاه ما وصل بايدن للرئاسة؟ ألن يكون الرئيس مضطرا لترك مساحات لليسار التقدمي يطبق فيها برامجه؟ أليس من الأفضل أن يحدث هذا في أقاليم غير مهمة للمصالح الأمريكية؟ ماذا عن سياسات الترويج للديمقراطية المحببة للجناح اليساري في الحزب الديمقراطي؟ لقد ضاع العراق عام 2003، وضاع عدد كبير من دول المنطقة في عام 2011، عندما كان هؤلاء يتلهون بلعبة ترويج الديمقراطية الخطرة، فهل يعودون لهذه اللعبة مرة أخرى في سبيل إراحة ضميرهم الديمقراطي، حتى لو جلب ذلك الشقاء لملايين الناس في الشرق الأوسط. الديمقراطية هدف عزيز سنصل حتما له عندما تتأهل مجتمعاتنا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وليس نتيجة للنزعة الرغبوية المنفصلة عن الواقع هنا أو هناك، وعلينا إيصال هذه الرسالة للرئيس بايدن.

نقلا عن جريدة الأهرام، الخميس ١٢ نوفمبر ٢٠٢٠. 

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة