وحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

“هدم الأسوار”: استراتيجية “داعش” للخروج من حالة الكمون

على الرغم من مرور عام على مقتل “أبي بكر البغدادي”، زعيم تنظيم “داعش” السابق، على يد الولايات المتحدة في أواخر أكتوبر 2019؛ فإن التنظيم ما زال قادرًا على القيام بعمليات مؤثرة، حيث سعى إلى استهداف السجون خلال عام 2020 في إطار ما يُعرف باستراتيجية “هدم الأسوار”. فقد شَنّ هجومًا، في 20 أكتوبر 2020، على سجن “كانجباي” المركزي في منطقة “بيني” شرقي الكونغو، ما أسفر عن إطلاق سراح حوالي 900 سجين. كما هاجم التنظيم سجن “ننجرهار” المركزي شرقي أفغانستان في مطلع أغسطس 2020، ما أسفر عن إطلاق سراح نحو 300 داعشي. ومن ثم تُثير تلك التحركات الحثيثة من قبل التنظيم لإطلاق…

تقى النجار
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

على الرغم من مرور عام على مقتل “أبي بكر البغدادي”، زعيم تنظيم “داعش” السابق، على يد الولايات المتحدة في أواخر أكتوبر 2019؛ فإن التنظيم ما زال قادرًا على القيام بعمليات مؤثرة، حيث سعى إلى استهداف السجون خلال عام 2020 في إطار ما يُعرف باستراتيجية “هدم الأسوار”. فقد شَنّ هجومًا، في 20 أكتوبر 2020، على سجن “كانجباي” المركزي في منطقة “بيني” شرقي الكونغو، ما أسفر عن إطلاق سراح حوالي 900 سجين. كما هاجم التنظيم سجن “ننجرهار” المركزي شرقي أفغانستان في مطلع أغسطس 2020، ما أسفر عن إطلاق سراح نحو 300 داعشي. ومن ثم تُثير تلك التحركات الحثيثة من قبل التنظيم لإطلاق سراح عناصره تساؤلات مُهمة عن طبيعتها، ودوافعها، ودلالاتها.

نهج مستمر

تُعد قضية تحرير الأسرى أولوية من أولويات تنظيم “داعش”، حيث لا يخلو خطاب من خطابات قياداته ومتحدثيه الإعلاميين من الإشارة إلى محورية تلك القضية. إذ استمر التنظيم في التعويل على استراتيجية “هدم الأسوار” منذ “أبي مصعب الزرقاوي” (الذي أسس جماعة “التوحيـد والجهاد” التي كانت النواة الأولى لتأسيس تنظيم “داعش”)، إلى “إبراهيم الهاشمي القرشي” (القائد الحالي لتنظيم “داعش”).

وقد بدأ التنظيم في تطبيق تلك الاستراتيجية في عام 2004 مع قيام “أبي أنس الشامي” بمحاولة استهداف سجن “أبو غريب” في العراق، غير أنها أتت ثمارها في عام 2013 مع نجاحه في اقتحام عدد من السجون العراقية وإطلاق سراح نحو 600 داعشي ممن انتقلوا إلى سوريا وعززوا من نشاط “داعش” على الساحتين العراقية والسورية.

ومع تصاعد الضغط العسكري عليه، وفقدانه معاقله الرئيسية، ناهيك عن القبض على عدد كبير من عناصره في سوريا والعراق؛ تصاعد الخطاب الداعشي المحفز على تحرير الأسرى، وبرز ذلك في خطاب “أبي بكر البغدادي” الأخير في سبتمبر 2019، والذي جاء تحت عنوان “وقل اعملوا”، حيث طالب أنصاره بالهجوم على السجون لإطلاق سراح أتباعه وإنقاذ مقاتليه وعائلاتهم المحتجزين، متوعدًا بـ”الثأر” لهم. كما دعا إلى استهداف رجال الأمن والمحققين والقضاة في السجون التي يقبع بها عناصر التنظيم.

وعلى الرغم من تغيير القيادة المركزية للتنظيم بعد مقتل “البغدادي”، وتعيين “إبراهيم الهاشمي القرشي”، استمر التنظيم في التأكيد على محورية تلك القضية بالنسبة له، حيث أكد المتحدث الرسمي الجديد باسم التنظيم “أبو حمزة القرشي” في كل خطاباته على ضروه تحرير أسرى التنظيم. فقد طالب الأخير في خطابه الثاني الذي جاء تحت عنوان “دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها” في يناير 2020، العناصر الداعشية القابعة في السجون بالثبات، كما دعا أنصاره لتحريرهم. كما أكد أيضًا في خطابه الثالث الذي جاء تحت عنوان “وسيعلم الكفار لمن عُقبى الدار” في مايو 2020، على أن التنظيم يبذل أقصى الجهود للإفراج عن معتقليه في كل مكان. وفي خطابه الرابع والأخير الذي جاء تحت عنوان “فاقصص القصص لعلهم يتفكرون” في أكتوبر 2020، دعا عناصره إلى تحرير أسرى التنظيم بالقوة من خلال اقتحام السجون المحتجزين فيها.

دوافع أساسية

هناك جُملة من الدوافع التي تفُسر تلك التحركات، ويمكن إجمالها على النحو التالي:

  • استعادة النفوذ: يهدف التنظيم من تلك التحركات إلى استعاده نفوذه مرة أخرى، وذلك من خلال التعويل على عناصره القابعة في السجون بعد تحريرها، ما يُعيد للأذهان توظيفه لتلك الاستراتيجية في العراق بين عامي 2012 و2013، ونجاحه في تحرير أعداد كبيرة من عناصره من السجون العراقية، وهؤلاء هم من شَكّلوا بعد ذلك قوام عملياته الرئيسية في سوريا والعراق.
  • إعادة التموضع: يعمل التنظيم على إعادة التموضع بعد فقدانه السيطرة على معاقله الرئيسية، ولذلك كان الانتقال الاستراتيجي للتنظيم إلى منطقتي آسيا وإفريقيا لما يتوافر في كل منهما من عوامل محفزة للإرهاب والتطرف؛ حيث الصراعات الطائفية، والانقسامات العرقية، والتباينات الدينية. وعليه، يسعى إلى تحرير عناصره من السجون والاستثمار فيها من أجل بسط سيطرته داخل الساحات الجديدة التي انتقل إليها.
  • بروباجندة دعائية: يتطلع التنظيم إلى زيادة رصيده الدعائي، وذلك عبر تنفيذ وعوده المتعلقة بتحرير عناصره وأتباعه، الأمر الذي من شأنه إرسال رسالة تتعلق بقدرته على حماية أفراده وامتثاله لعهوده من جهة، وقدرته على تهديد أمن الدول والمجتمعات من جهة أخرى، ما يعزز من صورته الجهادية مرة أخرى.
  • إحراج المنافسين: يسعى التنظيم إلى إحراج كل من جماعة “طالبان” وجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، حيث لجأت إلى التفاوض مع الحكومات لتحرير أسراها، ومن ثم يرسل “داعش” رسالة مفادها أن “ما تم الحصول عليه بالصفقات السياسة والمفاوضات، هو قادر على تحقيقه بالقوة والسلاح”، ما يعزز شرعيته وأيديولوجيته، ويرسخ صورته ثابتًا على نهجه.

دلالات أساسية

بناءً على ما تقدم هناك جُملة من الدلالات يمكن استعراضها على النحو التالي:

أولًا: أن هناك استراتيجية معلنة من قبل تنظيم “داعش” في تحرير الأسرى، حيث أكد العدد (246) من صحيفة “النبأ” الأسبوعية، على تنوع الأساليب التي يلجأ إليها التنظيم من أجل تحرير عناصره، ما بين الهجوم المباشر، وتبادل الأسرى، والفداء بالمال. إلا أن صحيفة “النبأ” غضت الطرف عن الارتباط بين “داعش” وعصابات الجريمة المنظمة، حيث استفاد التنظيم من الخدمات التي تُقدمها شبكات التهريب من أجل تحرير نسائه وأطفاله من مخيم الهول.

ثانيًا: من شأن تركيز التنظيم على استهداف السجون وتحرير الأسرى، أن يُعزّز شرعية زعيمه الجديد “إبراهيم الهاشمي القرشي”، لا سيما وأن قيادته للتنظيم جاءت في أعقاب تراجع الأخير وانحصار نشاطه، ناهيك عن استمرار حالة الغموض التي تحيط بالأول، ومن ثم يهدف الزعيم الجديد للتنظيم إلى التأكيد على أنه يضع نصب عينه قضية تحرير الأسرى كأولوية قصوى.

ثالثًا: يُمثل اقتحام سجني “كانجباي” و”ننجرهار” نموذجًا لما يمكن أن يقوم به التنظيم في العراق وسوريا، ولا سيما أن العراق يحتجز نحو 12 ألف عنصر من عناصر التنظيم، كما تحتجز قوات سوريا الديمقراطية نحو 14 ألفًا من عناصره، ناهيك عن عوائل “داعش” القابعة داخل مخيم الهول، ومن ثم تُعد تلك الكيانات ساحات محتملة لنشاط “داعش”، إذا ما أتيحت الظروف المناسبة لتنفيذ مثل تلك العمليات.

رابعًا: يُؤكد اقتحام السجنين سالفي الذكر على قوة فرعي “داعش خراسان”، و”داعش وسط إفريقيا”، ما يُشير إلى أن تنظيم “داعش” يتمتع بلا مركزية تُتيح له حرية حركة الفروع حتى في ظل الضغط على التنظيم المركزي، وبالتالي تُمثل مرونة التنظيم وقدرته على التكيف عاملًا مهمًا في استمرار نشاطه وتجاوز هزائمه.

خامسًا: على الرغم من وجود دوافع عامة لاستراتيجية “هدم الأسوار” التي اتّبعها “داعش” مؤخرًا، إلا أن هناك دوافع خاصة بكل فرع منهما؛ إذ يهدف “داعش وسط إفريقيا” باستهدافه للسجن المركزي في الكونغو إلى التأكيد على وجوده في منطقة وسط إفريقيا، ولا سيما في ضوء تصاعد نشاط التنظيم في موزمبيق. وعلى صعيد آخر، يهدف “داعش خراسان” إلى الضغط على حركة “طالبان”، ولا سيما في ضوء تفاوض الأخيرة مع الولايات المتحدة.

سادسًا: من المرُجّح أن تُعزّز عملية تحرير الأسرى التي يتبناها التنظيم نشاطه في الساحتين الإفريقية والآسيوية، ما ينعكس على نجاحه في إعادة التموضع في الساحات الجديدة التي انتقل إليها، ومن ثم تُتيح له تلك العناصر التمدد في مساحات منافسه خصمه التقليدي تنظيم “القاعدة”.

مجمل القول، يسعى تنظيم “داعش” إلى إعادة تشكيل صفوفه بهدف استعادة نشاطه مرة أخرى، وعلى الرغم من الضغط العسكري الذي مورس عليه من قبل القوات الأمنية في مناطق مختلفة، إلا أنه ما زال قادرًا على تنويع استراتيجيته، مستفيدًا مما يتمتع به من مرونة وقدرة على التكيف. وعليه، تمثل استراتيجية “هدم الأسوار” مرحلة تمهيدية للتنظيم من أجل صحوة جديدة بعد “الكمون النسبي”.

تقى النجار
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة