اكتشاف مصر والمصريين

رئيس الهيئة الإستشارية

تعودنا على الأفلام الأجنبية التي تمر بنا على تاريخنا مجسدا في مشاهد للأهرام والمعابد والمومياوات التي تتحرك في إطار من الرعب والفزع، ومشاهد مغامرات «إنديانا جونز»، والمكتشفين الغربيين لأسرار تاريخنا القديم. بشكلٍ ما بدا تاريخنا الفرعوني القديم جزءا من ماض سحيق، يخص الأجانب وبعثات الاستكشاف الخارجية والسائحين أكثر مما يخصنا؛ ونعرف أنه حتى القرن التاسع عشر حينما فك «شامبليون» شفرة اللغة الهيروغليفية، كانت التماثيل والمسلات القديمة تنتمي إلى خرافة عالم قديم كان فيه الكثير من «المساخيط». تقدمت معرفتنا بالطبع خلال القرنين الماضيين، ودخلت العمارة الفرعونية إلى عالمنا المعاصر، وحتى بات اسم «الفراعنة» لصيقا بفريقنا القومي لكرة القدم حاليا هناك خطوة…

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

تعودنا على الأفلام الأجنبية التي تمر بنا على تاريخنا مجسدا في مشاهد للأهرام والمعابد والمومياوات التي تتحرك في إطار من الرعب والفزع، ومشاهد مغامرات «إنديانا جونز»، والمكتشفين الغربيين لأسرار تاريخنا القديم. بشكلٍ ما بدا تاريخنا الفرعوني القديم جزءا من ماض سحيق، يخص الأجانب وبعثات الاستكشاف الخارجية والسائحين أكثر مما يخصنا؛ ونعرف أنه حتى القرن التاسع عشر حينما فك «شامبليون» شفرة اللغة الهيروغليفية، كانت التماثيل والمسلات القديمة تنتمي إلى خرافة عالم قديم كان فيه الكثير من «المساخيط». تقدمت معرفتنا بالطبع خلال القرنين الماضيين، ودخلت العمارة الفرعونية إلى عالمنا المعاصر، وحتى بات اسم «الفراعنة» لصيقا بفريقنا القومي لكرة القدم

حاليا هناك خطوة أخرى إلى الأمام، وهذه المرة أيضا جاءت من شبكة «نتفليكس» للأفلام والمسلسلات الأجنبية والمصرية أيضا. فيلم «أسرار مقبرة سقارة» يبدو تسجيليا عن اكتشاف مقبرة «واحتى» (٢٥٠٠-٢٣٥٠ ق.م) الذي كان كاهنا للتطهير الملكي، والمفتش الملكي العام، والمشرف على القارب المقدس. هو الرجل الذي يتولى شخصيا تجهيز الملك وإرساله إلى الدار الآخرة. الفقيد كان شخصية مرموقة في الدولة، ولذلك كان من حقه أن يترك لنا أثرا نفيسا على الهضبة التي يقف عليها هرم سقارة المدرج (٢٦٥٠ ق.م) الذي يعد أول «مبنى» متعدد الطبقات عرفه الإنسان.

الاكتشاف بدأ في نوفمبر ٢٠١٨، ولكنه اكتمل في ٢٠١٩ عندما تم العثور على جسد جدنا العظيم الذي ترك لنا مقبرة متكاملة قدم لنا في عائلته المكونة من زوجة وأولاد وبعض الأقارب، أشكالا مختلفة من الحياة التي تجرى فيها الموسيقى مع النبيذ في حياة رغدة. قيمة الاكتشاف وأهميته ليست موضوعنا، فلا يفتى في أمر فرعوني ود. زاهى حواس في المدينة، ولكن ما يهمنا هو حاضرنا الذي يبدو مع الكثير من الاكتشافات الفرعونية، والاهتمام العام بالحضارات المصرية كلها ببناء المتاحف، وتجديد مناطق حضاراتنا المختلفة، أن مصر تعيش مرحلة كبيرة من اكتشاف نفسها.

الفضيلة الأساسية في الفيلم أن أبطاله هم المصريون، لم يعد الأمر متروكا في يد البعثات الأجنبية وحدها، وإنما نحن إزاء بعثة مصرية قامت بالعمل كله قيادة وعلماء وعاملين. الجارديان البريطانية علقت بأن الأمر كان فكا للاستعمار عن اكتشاف مصر القديمة؛ وربما بطريقة غير مباشرة اكتشاف مصر الحديثة أيضا. يظهر الأمر كله في وقتنا هذا في الربط بين القرى المصرية في منطقة الأهرامات، والعمل في البحث عن الآثار والمتخصصين في الأمر أبا عن جدود سابقة. «واحتى» يجرى اكتشافه خطوة بعد خطوة، ومدخلا بعد مدخل، وتمثالا بعد تمثال، وفى نفس الوقت نكتشف أنفسنا، العمال يعملون في هضبة وكأنهم جراحون يعملون في عملية جراحية، خشية مس عصب حساس بضرر. المشرفون والفنيون يترجمون ويكشفون التاريخ طبقة بعد طبقة، والعلماء يفكون الأسرار من الكلمات، والتماثيل، والمومياوات، كيف كان العيش ومن أين جاء الموت، حتى جاء البعث ساعة الاكتشاف الكبير لقصة رجل عاش قبل أربعة آلاف عام.

هو عصر الاكتشاف الكبير لمصر، وأرجو ألا تكون الاكتشافات المتتابعة إلا نقلا لمعرفتنا بأنفسنا كمصريين، ليس لمجرد الفخر بأجداد ذهبوا، وإنما لأن إطلالتهم علينا الآن تعنى لنا الشيء الكثير. الإطار التنموي الراهن فى مصر هو حالة من الاكتشاف الكبير ليس فقط للتاريخ المصري وإنما للجغرافيا المصرية أيضا من سواحل المتوسط وحتى خط عرض ٢٢، ومن سواحل البحر الأحمر وخليجي السويس والعقبة حتى الحدود مع ليبيا. تجرى عملية تعمير واكتشاف للثروات المصرية والعلم المصري وللمصريين أنفسهم وما لديهم من قدرات وإمكانيات لتحدى ظروف الطبيعة بصبر عجيب.

وخلال المسيرة المعاصرة فإن هناك الكثير من الأبطال، عرفنا منهم دائما أبطال القوات المسلحة، ومؤخرا ووسط جائحة كورونا عرفنا أبطال الطب والتمريض والإسعاف؛ فيلم «نتفليكس» ينبهنا إلى نوعية أخرى من الأبطال الذين يعملون في ظروف قاسية، ويتعاملون معها بالعلم والذكاء والحرص، وفوق ذلك كله بحكمة بالغة في التعامل مع المصري القديم وكأنه يعيش بيننا الآن يمشى على قدمين ويؤدى واجبه إزاء الدنيا والآخرة معا. وفى كل عام فإن مصر توزع الجوائز التقديرية والتشجيعية والرفيعة الأخرى للنيل والتفوق؛ فلماذا لا تكون هناك جوائز أخرى لهؤلاء الذين يكتشفون الاكتشافات الكبرى في تاريخنا القديم، والمعاصر الذي يعدنا لما هو آت في دولة عظيمة ونبيلة. أذكر أن صديقا قال لي إن المتحف المصري الكبير من الكبر بحيث إن التحف الموجودة سوف تترك فراغات كبيرة؛ أظن أن مثل هذا لم يعد صادقا، فالاكتشافات تتوالى، ومعها قصص وخير وثروة وآمال كبيرة.

نقلا عن جريدة المصري اليوم الأحد ٨ نوفمبر ٢٠٢٠.

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

البعث