وحدة الدراسات الأفريقية

صراعات ملتهبة: أزمة العفر والعيسى ومستقبل الاتحاد الإثيوبي

يعد وادي نهر عواش في شرق إثيوبيا موطن العفر، وهم أمة من الرعاة يمتهنون تربية الماشية ويعتمدون في أسلوب حياتهم على الترحال، حيث يذهبون بقطعانهم بعيدًا عن النهر خلال موسم الأمطار بحثًا عن المياه والكلأ ثم يعودون إليه خلال فترة الجفاف. وهم يتنقلون على مدار العام ما بين جبل أسيبوت وحديقة عواش الوطنية في الجنوب، وسفوح المرتفعات في الغرب، وحتى خط التلال المرتفعة في الجنوب الشرقي التي تفصلهم عن جيرانهم الصوماليين. وعادة ما يصطدم العفر أثناء ترحالهم بالمجموعات العرقية الأخرى المجاورة، مثل بعض مزارعي الأورومو والنول والأرجوبا والرعاة الرحل الكيريو والجورجورا والعيسى الصوماليين. ويعتبر صراع العفر مع المجموعات الصومالية هو…

د. حمدي عبد الرحمن
أستاذ العلوم السياسية بجامعة زايد والقاهرة

يعد وادي نهر عواش في شرق إثيوبيا موطن العفر، وهم أمة من الرعاة يمتهنون تربية الماشية ويعتمدون في أسلوب حياتهم على الترحال، حيث يذهبون بقطعانهم بعيدًا عن النهر خلال موسم الأمطار بحثًا عن المياه والكلأ ثم يعودون إليه خلال فترة الجفاف. وهم يتنقلون على مدار العام ما بين جبل أسيبوت وحديقة عواش الوطنية في الجنوب، وسفوح المرتفعات في الغرب، وحتى خط التلال المرتفعة في الجنوب الشرقي التي تفصلهم عن جيرانهم الصوماليين. وعادة ما يصطدم العفر أثناء ترحالهم بالمجموعات العرقية الأخرى المجاورة، مثل بعض مزارعي الأورومو والنول والأرجوبا والرعاة الرحل الكيريو والجورجورا والعيسى الصوماليين. ويعتبر صراع العفر مع المجموعات الصومالية هو الأكثر خطورة، نظرًا لمطالبة قبائل العيسى بأراضي الرعي في سهل الليجيدي الشاسع شرق نهر عواش.

وخلال شهر أكتوبر 2020 قُتل ما لا يقل عن 27 شخصًا في اشتباكات على الحدود بين عفر والمناطق الصومالية. وتعتبر منطقة سيتي بؤرة اشتباكات متكررة بين الجماعات المسلحة من كلا الإقليمين. ولقد كانت الاشتباكات عنيفة بشكل خاص في أعقاب اتفاق عام 2014 لتسليم ثلاث مدن صغيرة، تخضع لسيطرة المنطقة الصومالية، إلى إقليم عفر. ومع ذلك، في اجتماع غير عادي عقده مجلس وزراء الإقليم الصومالي في مايو 2019، انسحبت حكومة منطقة الصومال بشكل أحادي من الاتفاق الحدودي، واستعادت البلدات الثلاث المتنازع عليها. وقد استمرت الاشتباكات الدامية التي حصدت أرواح المدنيين، حيث فشلت المنطقتان في حل النزاع، وهو ما يعرض مستقبل الاتحاد الإثيوبي لمخاطر جمة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تزايد حدة الصراع بين الحكومة الفيدرالية وحكومة إقليم التيجراي شمال البلاد. ولعل ذلك كله يطرح تساؤلات حول طبيعة الصراع والعوامل المفضية إليه ومآلاته.

أزمة العفر من منظور نظرية “الأمننة”

يُمكن من خلال تطبيق تقاليد مدرسة كوبنهاجن وتطوراتها فهم التهديدات الأمنية الخاصة بالمركب الصراعي العفري الصومالي، ولا سيما التركيز حول الجمهور من ناحية والسياق من ناحية أخرى. إذ إن منطقة العفر معرضة بشدة للكوارث الطبيعية، مثل الجفاف والفيضانات الموسمية، بالإضافة إلى المظالم التاريخية طويلة الأمد التي تصاحبها نزاعات مستمرة على الموارد بين العفر وجيرانهم، ولا سيما قبائل العيسى (الصومالية) والأورومو وغيرهم. وبشكل عام طبقًا لتقديرات الأمم المتحدة، لا يزال ما يقدر بنحو 50 ألف شخص من النازحين بسبب الاشتباكات القبلية العنيفة، يعتمدون في معظمهم بشكل شبه كامل على المساعدة التي تقدمها المجتمعات المضيفة. وعادة ما تستمر الاشتباكات بين العفر وقبائل عيسى الصومالية على طول المناطق الحدودية بين منطقة عفر 1 و3 ومنطقة سيتي. ولا يزال الوضع في البلدات الثلاث المتنازع عليها في جيدمايتو وأوندوفو وأدييتو متقلبًا للغاية. ففي عام 2014، أقر اتفاق بين إقليم عفر والحكومة الإقليمية الصومالية بوضع “خاص” لهذه المناطق في منطقة عفر التي تقطنها في الغالب قبيلة عيسى العرقية الصومالية. وتتمتع البلدات الثلاث بأهمية استراتيجية لأنها تشكل طرقًا تجارية تربط المنطقة الصومالية بالطريق السريع الذي يربط أديس أبابا وجيبوتي عبر أراضي العفر. علاوة على ذلك، يعتبر الوصول إلى نهر عواش والسيطرة عليه في قلب الصراع، نظرًا لأهميته الاستراتيجية بالنسبة للمجتمعات الرعوية الصومالية، لا سيما في أوقات الجفاف. وعلى الرغم من جهود السلام من قبل الحكومتين الإقليميتين -بدعم من وزارة السلام الفيدرالية- استمرت الاشتباكات بين عفر وعيسى الصومالية. ومنذ أبريل 2019، نزح حوالي 46 ألف شخص عفري من أماكن إقامتهم.

وعلى الرغم من الانتشار الكبير لقوات الجيش الإثيوبي على طول طريق عواش الدولي السريع، وهو ما يمنع أي تصعيد إضافي للعنف، لا تزال الاشتباكات المتفرقة تتسبب في وقوع إصابات في كلا الجانبين. وبشكل عام، يؤدي الافتقار إلى الوجود الإنساني والاهتمام المحدود بالنازحين داخليًّا إلى تفاقم وضع النازحين والفئات الضعيفة الأخرى في المناطق المتنازع عليها. من ناحية أخرى، في عام 2019، أدى فيضان نهر عواش والفيضانات المفاجئة إلى نزوح حوالي 3300 أسرة عبر ست مناطق، مما تسبب في فقدان أصولها الإنتاجية. وتقدر سلطات المنطقة أنه بين يوليو وأكتوبر 2019، أدى الصراع مع العفر إلى نزوح 78 ألف شخص، معظمهم في ثلاث قرى، هي: دالاكتو، وآلال، ومادان، وكذلك في مناطق نائية أخرى. لم يتلقَّ هؤلاء النازحون سوى بعض المساعدة المحدودة التي قدمتها الحكومة الإثيوبية. 

ميراث الماضي 

قبل غزو بلادهم من قبل الأحباش في نهاية القرن التاسع عشر، كان العفر يعيشون في عدة سلطنات امتدت أراضيها المشتركة من شاطئ البحر الأحمر في الشرق إلى سفوح المنحدرات غربًا ومنطقة ديرة داوا جنوبًا ومحيط مصوع شمالًا. أثناء فترة التدافع الإمبريالي على إفريقيا، اقتطعت إمبراطورية الحبشة لنفسها نصيبًا مهمًا من أرض العفر، حيث تم تقسيم أرض العفر بين إثيوبيا وإيطاليا (إريتريا) وفرنسا (جيبوتي). وعليه فقد تم تفكيك سلطنات العفر التاريخية، اللهم إلا باستثناء سلطنة أوسا في إثيوبيا التي احتفظت بقدر يسير من الحكم الذاتي حتى انهيار النظام الإمبراطوري بعد انقلاب عام 1974.

ويعتبر العفر أن فقدان الاستقلال والقيادة الوطنية هو السبب الجذري لانحدار أمتهم اللاحق وتدهور أحوالهم المعيشية. ومنذ بداية الفترة الاستعمارية، تم إزاحة العفر شمالًا من قبل جيرانهم الصوماليين الذين يفوقونهم عددًا بثلاثة أضعاف في داخل إثيوبيا. وطبقًا للرواية العفرية فإن رأس الحربة في التوسع الصومالي تتمثل في قبائل العيسى، التي تحتل الآن منطقة شينيل في المنطقة الإقليمية الصومالية. وتمارس العيسى، وهي ثاني أكبر قبيلة صومالية في إثيوبيا بعد أوجادين، أعمال التجارة والنقل وكذلك الإنتاج الحيواني، وهي مجموعة ديناميكية ومتطورة لها صلات في جميع أنحاء المنطقة. على النقيض من ذلك، بقي العفر منعزلين ومحافظين على نمط حياتهم التقليدي في تربية الماشية. كان جزء من توسع العيسى في جيبوتي، التي كانت في السابق منطقة عفر بحتة، حتى أضحت تشكل المجموعة العرقية الحاكمة. أضف إلى ذلك فإن انتقال جزء كبير من أراضي العفر في الشمال لإريتريا عندما أصبحت الأخيرة مستقلة في أوائل التسعينيات كان يمثل في الذاكرة العفرية تكرارًا للتقسيم الاستعماري، وهو تقسيم مؤلم بشكل خاص لأنه قطع وسائل اتصال عفر في إثيوبيا بميناء عصب في إريتريا.

خبرة التدخل الخارجي

كان الصراع بين المجموعتين بشكل رئيسي حول المياه والمراعي وطرق الوصول بمثابة مواجهة رعوية بحتة. ومع ذلك، أسهمت عوامل أخرى في بث روح العداء والتنافس بين الجماعتين. لقد تدخلت قوى من الخارج لتقلب التوازن ضد العفر. أول هذه العوامل كان خط سكة حديد جيبوتي-أديس أبابا الذي اكتمل في عام 1919. بدأ في جيبوتي من قبل الفرنسيين، حيث تم توظيف العيسى في وظائف النقل والحراسة، مما يسر من إقامتهم بعد ذلك في المناطق المنخفضة التي عبرتها السكك. وثانيا: بعد مرور نحو عقدين من الزمان جاء الإيطاليون، الذين جندوا أعدادًا كبيرة من الصوماليين، من بينهم العديد من قبائل العيسى، لغزو إثيوبيا من الجنوب. واستطاع العيسى الحصول على السلاح والتدريب في المقابل، بالإضافة إلى سوق مربحة لحيواناتهم. هذا التحالف مكّن العيسى من التوسع على حساب العفر والوصول إلى سهل الليجيدي الذي وفر المراعي المناسبة لقطعانهم الكبيرة. ثالثًا: في الستينيات، تم إدخال الزراعة التجارية في وادي عواش، حيث تم الترويج لها من قبل الحكومة الإمبراطورية، التي منحت امتيازات على أراضي النهر للمستثمرين الأجانب والمحليين الذين ينتجون القطن بشكل أساسي بالري. وخلال هذه العملية لم يتم التشاور مع العفر أو تعويضهم. وعليه فقد الرعاة من العفر الوصول إلى أجزاء كبيرة من النهر والمراعي الواقعة على ضفافه، حيث كانوا يعتمدون عليها في مواجهة موسم الجفاف. رابعًا: في أوائل السبعينيات، قام نظام “سياد بري” الذي كان يحلم بإقامة الصومال الكبرى بتدريب العديد من الميليشيات من أجل الغزو النهائي لإثيوبيا. وأثناء حرب الأوجادين عام 1977، ضغطت قوات العيسى، المسلحة والمدربة جيدًا، مرة أخرى للتوغل أكثر في منطقة العفر. خامسًا: قامت الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية التي حكمت إثيوبيا منذ عام 1991 وحتى عام 2019، من أجل نزع فتيل الصراعات التي قوضت الأنظمة السابقة، بإعادة هيكلة نظام الحكم وتحويله إلى الفيدرالية العرقية. عندئذ حصل العفر على دولتهم الإقليمية كما هو الحال بالنسبة لجيرانهم الصوماليين. لم يتم تحديد الحدود التي تقسم هاتين المنطقتين في ذلك الوقت، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن كلا المجموعتين لديهما مطالبات متضاربة في سهل الليجيدي وعلى امتدادات الطريق إلى جيبوتي. لقد تُرك الأمر لإدارة المنطقتين لحل المشكلة، لكنها فشلت في ذلك، ولا تزال القضية دون حل، وتشكل مصدرًا قويًا للصراع في المستقبل المنظور.

ختامًا، يتضح أن الحافز للصدام العنيف بين كل من العفر والعيسى في إثيوبيا يرتبط بمركب متشابك من العوامل التاريخية والاقتصادية والثقافية التي تشكل من المنظور الأمني سياق الرواية الصادمة التي تعيش في الذاكرة وتجذب الجمهور والمؤيدين من كلا الطرفين. وعلى الرغم من أن الأضرار المادية المحسوسة يمكن التعامل معها من خلال التعاون مع الشركاء الدوليين، فإن الآثار غير المرئية لأكثر أشكال العنف شيوعًا في المنطقة، والتي تتمثل في مشاعر الكراهية والعداوة العرقية، لا يتم أخذها في الاعتبار في كثير من الأحيان. ولعل ذلك كله يضع مسألة بناء الدولة الوطنية الإثيوبية الحديثة على المحك. لذلك، يجب أن تولي الحكومة الإثيوبية، بدلًا من الانشغال بقضايا الصراع على السلطة في الداخل وخلق عداوات متوهمة مع الجيران، اهتمامًا كافيًا للجهود المبذولة لخلق سياقات جديدة تهدف لمعالجة مواريث الماضي، وتضميد الجراح بشكل دائم من أجل الحد من العنف. ذلك هو التحدي الذي يواجه الأمة الإثيوبية.

د. حمدي عبد الرحمن
أستاذ العلوم السياسية بجامعة زايد والقاهرة