الانتخابات الأمريكية

العد التنازلي: معركة حسم الولايات الأمريكية المتأرجحة

يصعب التكهن بما ستنتهي إليه الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2020، إذ لا تزال المنافسة على أشدها بين حملتي المرشحَيْن، حيث تكثف كل منهما جهودها في اللحظات الأخيرة على أمل حصد المزيد من الأصوات لحسم السباق لصالحها، ومن ثم تبرز أهمية الولايات المتأرجحة التي يُعول عليها لحسم نتيجة السباق لصالح أحد المرشحيَن. فبعد أن كان “ترامب” متأخرًا في استطلاعات الرأي، وبعدما تعرض لانتقادات في أعقاب المناظرة الرئاسية الأولى، وكذلك بعد الإعلان عن إصابته بفيروس كورونا المستجد؛ فإنه عمل على استعادة شعبيته من جديد بقلب الطاولة على خصمه “بايدن” وشن هجوم عليه. وفي المقابل، يسعى “بايدن” لتصيد الأخطاء لسياسات “ترامب” وتصريحاته لجذب المزيد…

آية بدر
باحثة في النظم السياسية المقارنة

يصعب التكهن بما ستنتهي إليه الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2020، إذ لا تزال المنافسة على أشدها بين حملتي المرشحَيْن، حيث تكثف كل منهما جهودها في اللحظات الأخيرة على أمل حصد المزيد من الأصوات لحسم السباق لصالحها، ومن ثم تبرز أهمية الولايات المتأرجحة التي يُعول عليها لحسم نتيجة السباق لصالح أحد المرشحيَن.

فبعد أن كان “ترامب” متأخرًا في استطلاعات الرأي، وبعدما تعرض لانتقادات في أعقاب المناظرة الرئاسية الأولى، وكذلك بعد الإعلان عن إصابته بفيروس كورونا المستجد؛ فإنه عمل على استعادة شعبيته من جديد بقلب الطاولة على خصمه “بايدن” وشن هجوم عليه. وفي المقابل، يسعى “بايدن” لتصيد الأخطاء لسياسات “ترامب” وتصريحاته لجذب المزيد من المؤيدين على حساب خصمه. وجدير بالذكر أن الرئيس الأمريكي قد نجح في حسم السباق الانتخابي لصالحه عام 2016 في الأيام الأخيرة من السباق من خلال الإيقاع بمنافسته “هيلاري كلينتون” وحسم أصوات الولايات المتأرجحة لصالحه.

الولايات المتأرجحة في سباق 2020

تشير متابعة الانتخابات الأمريكية على مر تاريخها إلى الأنماط التصويتية للولايات الأمريكية بوضوح، إذ إن بعضها يُعرف بالتصويت الدائم لصالح الديمقراطيين، وبعضها يُعرف بكونها معقلًا للجمهوريين؛ إلا أن ثمة ولايات أخرى تُعرف بالولايات الأرجوانية أو الولايات المتأرجحة، فهي ليست ظهيرًا لأحد الحزبين، ومن ثم فإنها تلعب دورًا محوريًّا في حسم السباق الانتخابي نظرًا لما تمثله من ثقل في المجمع الانتخابي، لأن من يحصد أكثرية أصواتها يحصل على أصواتها بالكامل في المجمع الانتخابي، وبالتالي يكثف كل مرشح جهوده لاستمالة تلك الولايات الحاسمة للنتيجة النهائية للانتخابات.

وبالنظر إلى خريطة الانتخابات الراهنة، يمكن الإشارة إلى عددٍ من الولايات المتأرجحة التي يتراوح تقدير عددها بين 6 – 12 ولاية باختلاف تقدير التحليلات، ألا وهي: ميشيغان، ويسكنسن، جورجيا، كارولينا الشمالية، أيوا، فلوريدا، أوهايو، أريزونا، بنسلفانيا، تكساس، منيسوتا، نيفادا. وتتزايد أهمية ست ولايات منها بفعل ضخامة عدد سكانها بما يجعلها محلًا للتنافس، لأن لها تمثيلًا أكبر بالمجمع الانتخابي، وهي ولايات: أريزونا، وفلوريدا، وميشيغان، ونورث كارولينا، وبنسلفانيا، وويسكنسن.

وجدير بالذكر أن استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم “بايدن” في العديد من تلك الولايات المتأرجحة، مثل بنسيلفانيا وميشيغان وأريزونا وويسكنسن وكارولينا الشمالية، كما تشير أيضًا إلى نجاح “ترامب” في تقليص تقدم “بايدن” عليه في كل من فلوريدا وأيوا، فضلًا عن تقدم “ترامب” في أوهايو. وبالتالي، فإن التنافس بات على أشده على أمل تأمين كل مرشح لحصوله على تأييد تلك الولايات لضمان الفوز في الانتخابات المقررة في الثالث من نوفمبر 2020.

الولايات المتأرجحة وحسم سباق 2016

كانت الولايات المتأرجحة هي العامل الأساسي الذي ساعد الرئيس “ترامب” في حسم السباق الانتخابي 2016، إذ حصد أصوات الولايات المتأرجحة الست ذات الثقل التصويتي الأكبر رغم تأييدها من قبل في انتخابات 2012 للديمقراطي “باراك أوباما”، وذلك على الرغم من تأخر “ترامب” حينها في استطلاعات الرأي أمام نظيرته “هيلاري كلينتون”، وهو الأمر الذي يأمل “ترامب” في إعادة تحقيقه حاليًّا لتحويل تأخره أمام “بايدن” إلى فوز في تلك الولايات الحاسمة. ورغم تقدم “بايدن” في نتائج استطلاعات الرأي في أغلب تلك الولايات قبيل الانتخابات، فإن ذلك لا يعني أنه قد حسم أصواتها لصالحه، فقد تشهد توجهات تلك الولايات تغييرًا في اللحظات الأخيرة.

وخلال المحطة الأخيرة قبيل بدء عملية التصويت يحرص كل من “بايدن” و”ترامب” على تكثيف زيارتهما للولايات المتأرجحة لكسب أصواتها، حيث يسعى “بايدن” لاستعادة تأييد الناخبين البيض المنشقين من ذوي المؤهلات الجامعية باعتبارهم الفئة الأكثر إقبالًا على التصويت، والذين منحوا دعمهم للرئيس “ترامب” في انتخابات 2016 في كل من ميشيغان وويسكونسن وبنسلفانيا. وتشير التوقعات إلى أنه في حال نجاح “بايدن” في استعادة تأييد بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن فإنه سيتمكن من الفوز في الانتخابات بصرف النظر عن ولايتي أوهايو أو أيوا اللتين يصعب عليه انتزاعهما من “ترامب”.

وقد عملت الحملتان على تكثيف إنفاقهما على الإعلانات التلفزيونية في تلك الولايات التنافسية، إذ أنفق “بايدن” على الدعاية في ولاية بنسلفانيا أكثر من أي ولاية أخرى باستثناء فلوريدا، كما أنفق “ترامب” على الإعلانات التليفزيونية بدرجة أكبر في فلوريدا، بالإضافة إلى بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن. فقد أعلنت حملة “بايدن” عن إنفاقها نحو 51 مليون دولار على الإعلانات حتى موعد الاقتراع، فيما أعلنت حملة “ترامب” عن إنفاق 11 مليون دولار فقط. وتستهدف حملة “بايدن” توسيع نطاقها لتشمل كافة الولايات المتأرجحة بما فيها تلك المؤيدة للرئيس “ترامب”، فتنفق حملة بايدن 90% من إنفاقها على الدعاية في الولايات التي فاز بها “ترامب” في 2016، فيما تخصص 10% فقط للولايات الديمقراطية مثل مينيسوتا وفرجينيا وكولورادو. فضلًا عن تكثيف الزيارات والتواجد الميداني لكلتا الحملتين بتلك الولايات المتأرجحة في الأيام الأخيرة قبيل الانتخابات لحشد المزيد من المؤيدين عن طريق إقامة الفعاليات الجماهيرية، إذ كرس “بايدن” العديد من مرات ظهوره الشخصية القليلة نسبيًّا في حملته الانتخابية لتلك الولايات، وعادة ما يظهر أمام حشود من الطبقة العاملة لاستمالتها، فضلًا عن الحشود الافتراضية التي يعقدها “بايدن” والتي يُستدل منها على مراعاته لمخاطر فيروس كورونا المستجد، كما يتوجه “بايدن” أيضًا للمعاقل الجمهورية مثل أيوا. كما توجهت “هاريس” إلى تكساس وأريزونا وويسكنسن وميشيغان. في حين حرص “ترامب” أيضًا على تكثيف زياراته للولايات المتأرجحة من أريزونا إلى فلوريدا، كما قام نائبه “بنس” بالحشد في ويسكنسن، فضلًا عن توجهه لتلك الولايات التي منحته الفوز في 2016، بالإضافة لاعتزامه التوجه لكل من مينيسوتا ونيو هامبشير ونيفادا، وهي الولايات التي خسرها في انتخابات 2016.

ويُعول “بايدن” على دعم الرئيس الأمريكي السابق “أوباما” وعلى نائبته “كامالا هاريس” وكذلك على “بيرني ساندرز” من أجل حشد الناخبين في ولاية فلوريدا، إذ يُعد الفوز بها ممهدًا للفوز بالانتخابات، حيث إن الولاية تستحوذ على 29 صوتًا بالمجمع الانتخابي.

جدير بالذكر أن كلا الحملتين لم تكثفا تواجدهما في كاليفورنيا، حيث تُعد من الولايات الداعمة للديمقراطيين، ولا في ولاية وايومنغ التي تدعم الجمهوريين. وفي المقابل، يرى البعض أن “بايدن” يُهدر وقته في ذلك التوقيت الحرج من حسم السباق الانتخابي بعمله على استمالة ولايات جمهورية مثل تكساس وكذلك جورجيا التي تشهد تحولات في توجهاتها التصويتية. وتشير التقديرات إلى أنه في حال تمكن “بايدن” من الفوز بتأييد بعض الولايات الحاسمة مثل فلوريدا وكارولاينا الشمالية فإنه بذلك سيصعب مهمة “ترامب” في إعادة انتخابه لفترة رئاسية جديدة، والعكس صحيح. وأخيرًا يمكن الإشارة إلى أهم المحاور أو العوامل للمحاولات الأخيرة لكل من “بايدن” و”ترامب” لاستمالة الولايات المتأرجحة، وذلك على النحو التالي: 

1- فيروس كورونا المستجد:

يُعول “بايدن” على فشل إدارة “ترامب” في التعامل مع أزمة تفشي فيروس كورونا المستجد والتي تتفاقم في تلك الولايات التي يستهدف “ترامب” استمالتها مثل فلوريدا، فيؤكد “بايدن” على قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع الفيروس والقضاء عليه، كما أن الرئيس الأمريكي السابق “أوباما” قد أشار إلى مشروع الرعاية الصحية الذي قدمه هو ونائبه “بايدن” من قبل للإشادة بخطط المرشح الديمقراطي للسيطرة على الجائحة حال فوزه بالانتخابات.

وفي المقابل، يتشكك “ترامب” في مخططات “بايدن” للتصدي لجائحة فيروس كورونا، مدللًا على ذلك بتفشي فيروس إنفلونزا الخنازير في عهد إدارة “اوباما” والتي كان “بايدن” جزءًا منها، فضلًا عن إشادة الرئيس الأمريكي بنهج تعامله مع الجائحة، إذ حرص على تجنيب الاقتصاد مصير الركود نتيجة للإغلاق التام الذي يريده نظيره “بايدن”. فيما تظهر استطلاعات الرأي أن الأمريكيين يثقون في “بايدن” أكثر من “ترامب” للعبور بالبلاد من تلك الأزمة الصحية.

2- الإثنيات:

يعمل كلا المرشحين على استمالة المزيد من المؤيدين بالتركيز على العامل الإثني، حيث يسعى “ترامب” لاجتذاب الإنجيليين والكاثوليك المحافظين من خلال تعيين القاضية “إيمي باريت” بالمحكمة العليا، في حين يعمل “بايدن” على الحصول على دعم الكاثوليك بالاستناد إلى كونه كاثوليكي المذهب.

هذا بالإضافة إلى تركيز “ترامب” على استمالة الأقلية من ذوي البشرة السمراء، خاصة في الولايات المتأرجحة في الغرب الأوسط، فقد أطلق حملة لحشد الناخبين السود عبر إذاعة الراديو الخاصة بتلك الأقلية، كما دعا عددًا من المشاهير السود لحضور المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري، وذلك من أجل حرمان “بايدن” من دعمهم له، إذ تعتبر الأقلية السوداء ظهيرًا ديمقراطيًّا قويًّا يُعول عليه لكسب الانتخابات.

ومن ناحية أخرى، قد يخسر “ترامب” دعم الأقلية اللاتينية بسبب نهجه فيما يتعلق بسياسات الهجرة، في حين دعمته تلك الأقلية في انتخابات عام 2016 بنسبة 28%، وتُشير استطلاعات الرأي إلى تراجع التأييد الذي كان يحظى به بين تلك الأقلية. كما يزداد التنافس حول محاولة كسب دعم وتأييد الأقلية الكوبية خاصة في ولاية فلوريدا. 

3- العوامل الاقتصادية:

ونظرًا لأهمية العامل الاقتصادي للأمريكيين بشكل عام، وللولايات المتأرجحة المتمركزة بالغرب الأوسط والتي تُعرف بـ”حزام الصدأ” ذات النشاط الصناعي، فإن كل مرشح يلوح ببعض العوامل الاقتصادية لكسب المزيد من المؤيدين بتلك الولايات الحاسمة. 

يعمل “ترامب” على تكبيد “بايدن” خسارة المزيد من مؤيديه في الولايات الصناعية -مثل بنسلفانيا- عن طريق التلويح بأن المرشح الديمقراطي سيتسبب في تدمير صناعة النفط الصخري وما يرتبط بها من وظائف، فضلًا عن ترويج “ترامب” لنفسه باعتباره الأجدر على استعادة التعافي الاقتصادي في مقابل مخططات “بايدن” للإغلاق الاقتصادي. في المقابل، يشير “بايدن” إلى فشل إدارة “ترامب” اقتصاديًّا وعجزها عن تحقيق نمو في معدلات التوظيف، إذ زادت معدلات خسارة الوظائف في العديد من الولايات وخاصة ولايات منطقة “حزام الصدأ”، وقد زادت تلك المشكلة بفعل حالة الركود الناجمة عن فيروس كورونا المستجد.

وفي السياق ذاته، نشير إلى أن “ترامب” قد أخفق في تنفيذ مخططاته بشأن تنشيط منطقة “حزام الصدأ” والتي قد رجحت كفة الرئيس الأمريكي في انتخابات عام 2016، إذ برزت بعض الجهود المناوئة من داخل إدارة “ترامب” تسعى للتحول بعيدًا عن منطقة “حزام الصدأ” إلى مناطق أخرى بديلة. هذا وتشير استطلاعات الرأي إلى تراجع تأييد الرئيس الأمريكي في تلك المناطق الصناعية.

جدير بالذكر أن تلك المدن الصناعية كانت الأكثر تضررًا من تبعات الحروب التجارية التي أطلقها “ترامب” والتي أدت لفرض تعريفات جمركية على العديد من الصناعات وخاصة صناعة الصلب، مما أدى لفقدان العديد من الوظائف في العديد من تلك الولايات وذلك قبل امتداد تداعيات جائحة كورونا إليها. ومن ناحية أخرى، لا يزال “ترامب” يسعى لتأليب الرأي العام الأمريكي ضد “بايدن” من خلال الترويج لأن المرشح الديمقراطي سيأتي بأعلى زيادة ضريبية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

خلاصة القول، على الرغم مما تشير إليه استطلاعات الرأي، وبرغم النتائج الأولية للتصويت المبكر؛ فلا تزال نتيجة الانتخابات الرئاسية قابلة لتشهد المزيد من المفاجآت خاصة على صعيد الولايات المتأرجحة الحاسمة لذلك السباق، فبالنظر إلى انتخابات عام 2016 التي شهدت تقدم “كلينتون” في استطلاعات الرأي وفي تلك الولايات المتأرجحة لكن النتيجة على صعيد المجمع الانتخابي خالفت تلك التكهنات وانتهت بفوز “ترامب”.

آية بدر
باحثة في النظم السياسية المقارنة