وحدة الدراسات الأوروبية

صناعة الفزع: أوروبا ووهم أسلمة مجتمعاتها في 2050

تواجه الأقلية المسلمة في أوروبا أشكالًا مختلفة من الاستهداف وسوء التقدير والإقصاء، وهناك العديد من الدراسات التي توثّق المشاعر العامة المعادية للمسلمين، والسلوكيات السلبية حيالهم، وليس فقط من قبل الحركات الشعوبية والسياسيين اليمينيين، بل يبدو هذا العداء متضمنًا في تصريحات السياسيين الذين يجادلون بأن الإسلام لا يتوافق مع القيم والمعتقدات الغربية، مثل تصريح وزير الداخلية الألماني “هورست سيهوفر” في مقابلة مع صحيفة “بيلد” المحلية والذي قال فيه إن “الإسلام لا ينتمي إلى ألمانيا”. ويبدو أن المشاعر المعادية للمسلمين أكثر انتشارًا من مشاعر العداء ضد الأجانب بشكل عام في أوروبا[1]، وتتصاعد هذه المشاعر السلبية لتصل إلى حد الخوف المرضي من الإسلام…

د. عزة هاشم
خبير مشارك بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

تواجه الأقلية المسلمة في أوروبا أشكالًا مختلفة من الاستهداف وسوء التقدير والإقصاء، وهناك العديد من الدراسات التي توثّق المشاعر العامة المعادية للمسلمين، والسلوكيات السلبية حيالهم، وليس فقط من قبل الحركات الشعوبية والسياسيين اليمينيين، بل يبدو هذا العداء متضمنًا في تصريحات السياسيين الذين يجادلون بأن الإسلام لا يتوافق مع القيم والمعتقدات الغربية، مثل تصريح وزير الداخلية الألماني “هورست سيهوفر” في مقابلة مع صحيفة “بيلد” المحلية والذي قال فيه إن “الإسلام لا ينتمي إلى ألمانيا”. ويبدو أن المشاعر المعادية للمسلمين أكثر انتشارًا من مشاعر العداء ضد الأجانب بشكل عام في أوروبا[1]، وتتصاعد هذه المشاعر السلبية لتصل إلى حد الخوف المرضي من الإسلام لدى الغرب “فوبيا الإسلام”، والرهاب من المهاجرين المسلمين الذين تم تنميطهم دون تمييز في الغرب بوصفهم تهديدًا محتملًا وقائمًا.

وقد شهدت فرنسا في عام 2018 وحده زيادة بنسبة 52٪ في حوادث الإسلاموفوبيا. في النمسا، كان هناك ارتفاع بنحو 74٪ في حوادث الإسلاموفوبيا، مع 540 حالة. وتعبر مثل هذه الأرقام عن كراهية واسعة النطاق للإسلام. على سبيل المثال، يرى 44٪ من الألمان “تناقضًا جوهريًّا بين الإسلام والثقافة والقيم الألمانية”. الرقم نفسه في فنلندا هو 62٪. في إيطاليا، تبلغ 53٪، وفقًا لـ”نيويورك تايمز”: “أن تكون مسلمًا في أوروبا يعني عدم الثقة والضعف”[2]. وتضع هذه المعضلة أوروبا في مفترق طرق نتج عنه ازدواجية مضطربة مقسمة بين حاجتها للبقاء مخلصة لقيمها وحرياتها ومبادئها الديمقراطية، والحاجة لحماية مواطنيها من مصادر الخوف التي عززها صعود القادة والأحزاب اليمينية،[3]وقد استندت تغذية مشاعر الخوف من المسلمين في أوروبا “وشيطنتهم” إلى مجموعة من المعطيات، ممثلة في تزايد عدد المسلمين في أوروبا، وتصاعد معدلات الخصوبة، ووجود مخطط إسلامي لتعمد كثرة الإنجاب بهدف الهيمنة العددية، وما يتم إعلانه من أرقام حول أعداد المسلمين ومعدلات زيادتها دون التحقق من مصادرها ومغزاها[4].

القلق الأوروبي من أعداد المسلمين

على مدى السنوات العديدة الماضية تصاعد النقاش في أوروبا حول تداعيات توسع المجتمعات الإسلامية في أوروبا على المجتمع الأوروبي، والسياسات المحلية، والعلاقات الخارجية لأوروبا مع العالم الإسلامي، وقد اتجه العديد من المحللين إلى التأكيد على أن الثقافة الإسلامية تتعارض مع التقاليد الأوروبية (مثل: احترام حرية التعبير، والفصل بين الدين والدولة، وحقوق المرأة)، وثار القلق من انعكاسات تنامي عدد السكان المسلمين في أوروبا ومدى إسهامه في التغيير والتأثير على السياسة الأوروبية والمجتمع في العقود القادمة، وظهرت مخاوف لدى البعض مما يطلقون عليه “أسلمة أوروبا” (Islamification of Europe).[5] على الجانب الآخر، ينتقد العديد من الخبراء الآخرين ما وصفوه بـ”التقديرات المبالغ فيها” التي تشير إلى “استيلاء” المسلمين على أوروبا في المستقبل.

هناك العديد من المؤشرات التي ترجح أن مزاعم الأسلمة ومخاوف الهيمنة غير مبررة، منها ما ترجحه الدراسات من أن فجوة الخصوبة بين المسلمين وغير المسلمين في أوروبا تتقلص حيث يتوافق المهاجرون تدريجيًّا مع المعايير الاجتماعية والاقتصادية السائدة في المجتمعات التي يعيشون فيها، ومن المتوقع أن ينمو عدد المسلمين في أوروبا بمعدل سنوي منخفض خلال العقد القادم، وذلك من حيث النسبة المئوية السنوية[6]. ويؤكد بعض المحللين أنه بالنسبة لغالبية المسلمين في أوروبا، فإن الإسلام ليس هوية حصرية، وأن معظم المسلمين الأوروبيين لا يمنعهم كونهم مسلمين من التوافق مع هوياتهم الوطنية، أو التزامهم بالمعايير الثقافية أو السياسية الأوروبية. وعلى الرغم من أنهم يُقرون بوجود توترات ثقافية؛ إلا أنهم يرجعونها أكثر إلى الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بدلًا من الدين.

في كتابه “أسطورة المد الإسلامي”، يضع “دوج سوندرز” نظريات نقاد الهجرة تحت المجهر، يقول “سوندرز” في حديث له مع موقع “دي دبليو” DW: “الانطباع الرائج هو أنهم يغرقوننا بالأطفال، أعتقد أن الحقائق تتعارض مع ذلك”. وقد عين “سوندرز” فريقًا بحثيًّا محايدًا، لرصد مؤشرات تنامي أعداد المسلمين بشكل عام وفي أوروبا بشكل خاص، يعلق: “لقد أمضيت الكثير من الوقت في أكبر الدول الإسلامية، إيران، وبنجلاديش، وباكستان، وأقوم بمختلف أشكال الصحافة والبحث في الهجرة والتوسع الحضري. وقبل كل شيء، نعلم أن لديهم أسرع معدلات التكاثر هبوطًا في العالم. بنجلاديش لديها الآن معدل نمو سكاني ينخفض بسرعة كبيرة نحو المستوى الأوروبي بسرعة كبيرة. تركيا متشابهة جدًا، في أوروبا وأمريكا الشمالية، المسلمون ليسوا أكبر مجموعة من المهاجرين على الإطلاق. وبين المهاجرين، ما نراه هو النمط الذي تتبعه الأقليات الدينية الفقيرة دائمًا، وهو أن الجيل الأول الذي يصل يميل إلى إنجاب مجموعة من الأطفال بعد وصولهم. ومن ثم فإن الجيل الثاني المولود في أوروبا لديه عدد أقل من الأطفال، وبحلول الجيل الثالث لديهم -إلى حد كبير- نفس حجم العائلات تمامًا مثل الأشخاص المحيطين، ليصيروا أكثر تناغمًا مع بيئاتهم.[7]

المسلمون في أوروبا بعد ثلاثين عامًا

هناك صعوبة بشكل عام في التنبؤ بمعدلات الهجرة المستقبلية نظرًا لارتباطها بالتحولات السياسية والظروف الاقتصادية داخل وخارج أوروبا؛ إلا أن هناك عددًا من المحاولات التي بُذلت -في هذا الصدد- وتهدف إلى الخروج بمؤشرات تقريبية لأعداد المسلمين في أوروبا في المستقبل باستخدام مناهج النمذجة والاستشراف، منها الدراسة التي أجراها مركز “بيو” للبحوث في نوفمبر 2017، والتي توصلت لثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل المسلمين في أوروبا[8]، كالتالي:

السيناريو الصفري: ماذا لو توقفت الهجرة إلى أوروبا تمامًا؟

لو توقفت الهجرة إلى أوروبا بشكل فوري ودائم -سيناريو “الهجرة الصفرية”- فلا يزال من المتوقّع أن يرتفع عدد السكان المسلمين في أوروبا من المستوى الحالي البالغ 4.9٪ إلى 7.4٪ بحلول عام 2050. وذلك لأن المسلمين أصغر سنًّا (بعمر 13 عامًا، في المتوسط) ولديهم خصوبة أعلى (طفل واحد لكل امرأة، في المتوسط) مقارنة بالأوروبيين الآخرين.

السيناريو المعتدل: توقف تدفقات اللاجئين واستمرار الهجرة النظامية فقط

سيناريو الهجرة “المتوسط” الثاني يفترض أن جميع تدفقات اللاجئين ستتوقف اعتبارًا من منتصف عام 2016، لكن المستويات الأخيرة من الهجرة “النظامية” إلى أوروبا ستستمر (أي هجرة أولئك الذين يأتون لأسباب أخرى غير طلب اللجوء). في ظل هذه الظروف، يمكن أن يصل المسلمون إلى 11.2٪ من سكان أوروبا في عام 2050.

السيناريو المتطرف: استمرار التدفق القياسي للاجئين

يتوقع سيناريو الهجرة “المرتفع” تواصل التدفق القياسي للاجئين إلى أوروبا والذي حدث في الفترة بين عامي 2014 و2016 إلى أجل غير مسمى في المستقبل بنفس التركيبة الدينية (أي يكون المهاجرون في الغالب من المسلمين)، بالإضافة إلى التدفق السنوي المعتاد للمهاجرين النظاميين. في هذا السيناريو، يمكن للمسلمين أن يشكلوا 14٪ فقط من سكان أوروبا بحلول عام 2050، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف النسبة الحالية.

خلاصة القول، على الرغم مما تشير إليه الدراسات من أن نسبة السكان المسلمين في أوروبا لا تشكل هذه الخطورة المتصورة؛ إلا أن الترديد المتكرر لمؤشرات بعضها صحيح وبعضها يتسم بالمغالطة حول تزايد أعداد المسلمين نتيجة لاستمرار هجرتهم وارتفاع معدلات المواليد بينهم مقارنة بغير المسلمين في أوروبا، هي التي عززت من مخاوف “أسلمة أوروبا”، وهو المفهوم الذي يتم تداوله بصورة مفرطة ومتكررة عبر وسائل الإعلام، ويردده السياسيون، وتتعمق في دراسته مراكز الفكر. واستنادًا إلى ما سبق يمكن الخروج بعدد من الاستنتاجات، كالتالي:

  • ترجح مجمل نتائج الدراسات أن فجوة الخصوبة بين المسلمين وغير المسلمين في أوروبا تتقلص، حيث يتوافق المهاجرون تدريجيًّا مع المعايير الاجتماعية والاقتصادية السائدة في المجتمعات التي يعيشون فيها.
  • من المتوقّع أن ينخفض عدد سكان أوروبا (بما في ذلك كل من المسلمين وغير المسلمين) بشكل كبير في عام 2050 (من حوالي 521 مليونًا إلى حوالي 482 مليونًا) دون أي هجرة مستقبلية. وفي سيناريو الهجرة المتوسطة، سيظل مستقرًّا تقريبًا، بينما في سيناريو الهجرة المرتفعة من المتوقع أن ينمو بشكل متواضع.
  • استنادًا إلى المؤشرات السابقة، تبدو مزاعم الأسلمة، ومخاوف هيمنة المسلمين على أوروبا؛ غير مبررة، بالإضافة إلى كونها تمثل خوفًا مصنوعًا عززته التطورات التي حدثت في السنوات الماضية، والتي بدأت بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، ومساعي تنظيم “داعش” لإقامة الدولة الإسلامية، وما يردده المتطرفون من تصريحات عززتها الإحصاءات غير الدقيقة، المناخ السياسي المهيأ.

[1] Fiske, Alan Page, and Tage Shakti Rai. Virtuous Violence: Hurting and Killing to Create, Sustain, End, and Honor Social Relationships . (2015) Cambridge: Cambridge University Press.

[2] Narzanin Massoumi.Why Is Europe So Islamophobic?. New York Times, March 6, 2020, retrieved from: https://www.nytimes.com/2020/03/06/opinion/europe-islamophobia-attacks.html

[3] Postelnicescu, Claudia. “Europe’s New Identity: The Refugee Crisis and the Rise of Nationalism” Europe’s journal of psychology vol. 12,2 203-9. 31 May. 2016.

[4] Archick, K; Belkin, P, Blanchard, M.C ; Ek, C & Mix. E, (September 7, 2011), Op cite.

[5] Archick, K; Belkin, P, Blanchard, M.C ; Ek, C & Mix. E. Muslims in Europe: Promoting Integration and Countering Extremism. Congressional Research Service, (September 7, 2011), https://fas.org/sgp/crs/row/RL33166.pdf

[6] Ibid.

[7]Doug Saunders .’Muslim infiltration is a myth’. DW, 23 December 2012, retrieved from: https://www.dw.com/en/muslim-infiltration-is-a-myth/a-16469148

[8] Pew Research Center. Europe’s Growing Muslim Population. November 29, 2017, retrieved from: https://www.pewforum.org/2017/11/29/europes-growing-muslim-population/

د. عزة هاشم
خبير مشارك بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية