الانتخابات الأمريكية

سياسات استباقية: مواقع التواصل الاجتماعي ومنع التدخل في الانتخابات الأمريكية

أضحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحةً محتملةً للتأثير في نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، وهو الأمر الذي أسفر عن ضغوطٍ متزايدةٍ عليها، ما دفعها لبذل مزيدٍ من الجهود للسيطرة على الأنشطة المشبوهة والحملات الدعائية المضللة في فترة الحملات الانتخابية ومع قرب موعد الانتخابات الرسمي. وفي هذا السياق، تعددت جهود كلٍّ من “فيسبوك” و”تويتر” لتقويض الأخبار الكاذبة، وحظر الحسابات المزيفة، ورصد النشاط الأجنبي، وسط مخاوف وتحذيراتٍ وشكوكٍ متزايدةٍ في مدى فعالية الإجراءات المتخذة. جهود “فيسبوك” يُمكن إجمال أبرز سياسات “فيسبوك” للحيلولة دون أي تدخلٍ محتملٍ في الانتخابات الرئاسية الأمريكية على النحو التالي: 1- تعليق الحسابات المزيفة: فكّك موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، في…

د. رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني

أضحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحةً محتملةً للتأثير في نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، وهو الأمر الذي أسفر عن ضغوطٍ متزايدةٍ عليها، ما دفعها لبذل مزيدٍ من الجهود للسيطرة على الأنشطة المشبوهة والحملات الدعائية المضللة في فترة الحملات الانتخابية ومع قرب موعد الانتخابات الرسمي. وفي هذا السياق، تعددت جهود كلٍّ من “فيسبوك” و”تويتر” لتقويض الأخبار الكاذبة، وحظر الحسابات المزيفة، ورصد النشاط الأجنبي، وسط مخاوف وتحذيراتٍ وشكوكٍ متزايدةٍ في مدى فعالية الإجراءات المتخذة.

جهود “فيسبوك”

يُمكن إجمال أبرز سياسات “فيسبوك” للحيلولة دون أي تدخلٍ محتملٍ في الانتخابات الرئاسية الأمريكية على النحو التالي:

1- تعليق الحسابات المزيفة: فكّك موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، في 24 سبتمبر ٢٠٢٠، ثلاث شبكاتٍ من الحسابات المزيفة التي كان ممكنًا استخدامها من قبل أجهزة المخابرات الروسية للتلاعب والتدخل في الانتخابات المقبلة. وقد أرجع “فيسبوك” تفكيك تلك الحسابات لاستخدامها هوياتٍ مزيفةً من ناحيةٍ، وسلوكها غير المنضبط من ناحيةٍ ثانيةٍ، وارتباطها بالمخابرات الروسية وبعض المنظمات في سانت بطرسبرج من ناحيةٍ ثالثةٍ. وقد بلغ إجمالي عدد متابعي تلك الحسابات نحو 97 ألف متابع. واتساقًا مع نفي روسيا لمختلف تلك المزاعم، أكد “ناثانيال جلايشر” (رئيس سياسة الأمن السيبراني في “فيسبوك”) أن الهدف من تعليق تلك الحسابات هو منع استخدامها في أي عمليات تدخلٍ لاحقةٍ.

2- التأكيد على الجاهزية: تكررت تأكيدات “فيسبوك” على مراقبة مختلف التهديدات للحيلولة دون أي اختراقٍ أو تسريبٍ محتملٍ، وبخاصةٍ في الأسابيع القليلة المقبلة. وهو ما يشمل مراقبة الحسابات المعطلة للحيلولة دون استخدامها من ناحيةٍ، بجانب مراقبة الشبكات ذات الحسابات صغيرة العدد، وخدمة مشاركة الصور على تطبيق “إنستجرام” التي قد تستخدم كمنافذ إعلاميةٍ من ناحيةٍ ثانيةٍ. وبالتوازي مع ذلك، أكد “فيسبوك” اتخاذ إجراءاتٍ صارمةٍ واستثنائيةٍ لتقييد تداول المحتوى على منصته إذا شابت الانتخابات الرئاسية الفوضى، أو أسفرت عن اضطراباتٍ مدنيةٍ عنيفةٍ. كما وضع “فيسبوك” خططًا لكيفية التعامل مع سيناريوهاتٍ عدةٍ بما في ذلك: الاضطرابات المدنية واسعة النطاق، والمعضلات السياسية المتمثلة في احتساب الأصوات الشخصية بطريقةٍ أسرع من بطاقات الاقتراع عبر البريد، وغير ذلك.

3- تفكيك الحملات المضللة: في 9 أكتوبر ٢٠٢٠، فكّك “فيسبوك” حملةً مضللةً داعمةً للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، وهي الحملة التي وقفت وراءها شركة “رالي فورج” للتسويق، ونشرت تعليقاتٍ وانتقاداتٍ للمرشح الديمقراطي “جو بايدن”، ودافعت عن “ترامب” في المقابل. وهي التعليقات التي تُعطي انطباعًا عامًّا بوجود دعمٍ واسعٍ لآراء الرئيس. وتبرز أهمية ذلك لأن العمليات الخادعة تلك تفرض تحدياتٍ معقدةً وتُشوش الحدود بين النقاش العام والتلاعب من جهةٍ، وتُعقّد مسألة الوقوف على الأشخاص الضالعين في ذلك في ضوء محاولاتهم المتعددة لإخفاء هويتهم من جهةٍ ثانيةٍ. كما أكد كبار المسئولين في “فيسبوك” في مؤتمرٍ صحفيٍ أنه إذا أعلن مرشحٌ أو حزبٌ فوزه قبل النتيجة الرسمية، فسيضيف الموقع معلوماتٍ تؤكد استمرار فرز الأصوات وعدم تحديد المرشح الفائز. وبموجب السياسة الجديدة، حظيت فرقٌ حاشدةٌ بتدريباتٍ مكثفةٍ للنظر في أي محتوى يتناقض معها.

4- حظر الإعلانات: أكد “فيسبوك” في 8 أكتوبر ٢٠٢٠ حظر جميع الإعلانات السياسية من منصته بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع ليلة الانتخابات الأمريكية بهدف الحد من المعلومات المضللة. وعلى الرغم من أهمية تلك الإعلانات، قرر “فيسبوك” التوقف مؤقتًا عن عرض تلك المتعلقة بالمسائل الاجتماعية أو الانتخابية أو السياسية الأمريكية بعد إغلاق صناديق الاقتراع مباشرةً للحدّ من احتمالات الارتباك أو إساءة الاستخدام في وقتٍ يُتوقّع فيه أن تكون نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية محلًّا لخلافٍ شديدٍ. وقد أتت تلك القواعد الجديدة في الوقت الذي ناقش فيه المسئولون التنفيذيون في “فيسبوك” تعليقات “ترامب” المتعلقة بعدم قبول نتائج الانتخابات إن خسر. وفي سياقٍ متصلٍ، رفض “فيسبوك” أكثر من مليوني إعلانٍ لمحاولة عرقلة التصويت في الانتخابات المقبلة.

5- توظيف الذكاء الاصطناعي: وظّف “فيسبوك” و”إنستجرام” الذكاء الاصطناعي لحذف مليارات المنشورات والحسابات المزيفة، حتى قبل أن يُبلغ عنها المستخدمون. كما دخل كلٌّ منهما في شراكةٍ مع 70 وسيلة إعلامية للتحقق من المعلومات. وقد سبق توظيف برامج متقدمةٍ للتحقق من المنشورات قبل انتخابات عام 2016، وهي البرامج التي أُضيفت على موقع “إنستجرام” في العام الماضي للتحقق من المعلومات المضللة والأخبار الشائعة على المنصة. وعليه، ألغى “فيسبوك” بالفعل 2.2 مليون إعلان، وسحب أكثر من 120 ألف منشورٍ يسعى لتقويض المشاركة في الانتخابات.

6- الاستعانة بجيوشٍ من المتطوعين: استعان “فيسبوك” بما يقرب من 35 ألف متطوع بفرق التدخل السريع لإزالة المنشورات الزائفة. وكثّف منذ أشهر جهوده لتأمين منصته والتحقق من المعلومات المتداولة عليها بجانب الحسابات المزيفة المنتشرة قبل أن يُبلغ عنها المستخدمون. واتصالًا بهذا، قرر الموقع تخزين كل الإعلانات والمعلومات المتداولة على منصته لمدة 7 أعوام لضمان الشفافية.

7- حظر دعوات مراقبة الانتخابات: أكد “فيسبوك” في 8 أكتوبر ٢٠٢٠، حظر كل الدعوات لمراقبة الانتخابات في مراكز الاقتراع إذا ما انطوت صياغة تلك الدعوات على تعبيراتٍ عسكريةٍ أو تضمنت فكرة ترهيب مسئولي الانتخابات أو الناخبين. وعليه، فإن المنشورات التي تستخدم كلمة جيش أو معركة أو تنطوي على تهديدٍ ضمنيٍ ستندرج تحت الحظر. وهو ما أتى بعد أن نشر “دونالد ترامب الابن” مقطع فيديو على الإنترنت في شهر سبتمبر الماضي لحث المؤيدين على ضمان أمن الانتخابات.

8- اعتماد تدابير الطوارئ: وهي التدابير التي تهدف إلى تنظيم المحتوى في حالة النزاعات أو الاضطرابات، وقد سبق تطويرها واستخدمها خصيصًا فيما يُسمى “الدول المعرضة للخطر” والتي تُواجه الاضطرابات العرقية الجماعية أو تشهد صراعاتٍ حادةً، وذلك على شاكلة كلٍّ من ميانمار وسيريلانكا. وتسمح تلك الأدوات بإبطاء انتشار المنشورات، وتغيير خوارزمية موجز الأخبار لتغيير المحتوى الذي يراه المستخدمون، بجانب تغيير القواعد الخاصة بنوع المحتوى الخطير الذي يستلزم الإزالة. وبشكلٍ عامٍ، لن يلجأ “فيسبوك” إلى تلك الإجراءات والأدوات إلا في حالة وجود “موقف حرج” قد يتسبب في عنفٍ مرتبطٍ بالانتخابات. وعند استخدام تلك الأدوات، يُمكن التحكم فعليًّا في المعلومات التي يتلقاها ملايين الأمريكيين. وقد سبق أن تعرضت تلك الأدوات لانتقاداتٍ واسعةٍ من قبل بعض أعضاء فريق “فيسبوك”، بجانب عددٍ من ممثلي الحزبين الجمهوري والديمقراطي ممن يعتقدون أن تنظيم المحتوى يعيق بشكلٍ كبيرٍ النقاش السياسي الحر.

سياسات “تويتر”

يُمكن إجمال أبرز سياسات “تويتر” لمواجهة أي تدخلٍ محتملٍ في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عبر منصته على النحو التالي:

1- تحديث سياسة الاستخدام: اعتبر “تويتر” أن المنشورات التي تُقدم معلوماتٍ خاطئة بشأن نتائج الانتخابات تُمثل انتهاكًا لسياسته، وتَوعّد بوضع رمزٍ عليها. وفي الوقت نفسه، اعتبر الموقع أن المنشورات التي “تعمل على إضعاف الثقة” في عملية التصويت (مثل الايحاء بأن النتائج مزورة) تتعارض أيضًا مع القواعد المعتمدة لديه، وتوعد بوضع رمزٍ عليها أو إزالتها أيضًا. وقد أعلن “تويتر” عن حزمةٍ جديدةٍ من الإجراءات التي تَستهدف الحدّ من نشر الأخبار الكاذبة أو استخدام منصته للدعاية الانتخابية، ومنها: حذف التغريدات التي تدعو للتدخل في العملية الانتخابية، وإبطاء انتشار المعلومات المضللة، وإضافة مزيدٍ من التحذيرات والقيود على التغريدات التي تحتوي على معلوماتٍ مضللةٍ من شخصياتٍ سياسيةٍ أمريكيةٍ مثل المرشحين الرئاسيين أو حملاتهم الانتخابية، بالإضافة إلى الحسابات التي تضم أكثر من 100 ألف متابع أو التي تحصل على مشاركاتٍ كبرى.

2- استحداث مركز معلومات للتصويت: لدى موقع “تويتر” -شأنه في ذلك شأن “فيسبوك”- مركز معلوماتٍ خاص بعملية التصويت، وهو المركز الذي سيتم تحديثه طوال ليلة الانتخابات من خلال تغريداتٍ صادرةٍ عن المؤسسات الإخبارية الرئيسية. وفي كثيرٍ من الحالات، ستُوضع رموزٌ على المعلومات المضللة التي سيتم نشرها دون إزالتها، ما يطرح تساؤلاتٍ لدى بعض مراقبي الانتخابات عن مدى فعالية تلك الاستراتيجية.

3- تدابير احترازية: من المحتمل أن يتسبب أي تأخيرٍ في الإعلان الرسمي عن الفائز في الانتخابات في إرباك الناخبين، ومن الممكن أن يوفر فرصةً لكثيرين -ومن بينهم المرشحون أنفسهم- لنشر معلوماتٍ غير كاملةٍ أو غير دقيقةٍ. ولذا، قرر “تويتر”، في 11 أكتوبر الجاري، عدم السماح للمتابعين -ومن بينهم المرشحون الرئاسيون- بادّعاء الفوز في الانتخابات قبل التحقق من نتيجة التصويت، بجانب إزالة التغريدات التي تتداخل مع العملية الانتخابية. وسيضيف “تويتر” تسمياتٍ وقيودًا إضافيةً لأي منشوراتٍ، بما في ذلك تلك الصادرة عن الحملات الانتخابية والمرشحين، والتي تحتوي على معلوماتٍ مضللةٍ. كما سيجعل من الصعب على الأشخاص إعادة إرسال تغريدات للآخرين دون إضافة تعليقاتهم الخاصة، ما يتطلب خطوةً إضافيةً من شأنها أن تُشجع المستخدمين على إضافة أفكارهم الخاصة قبل مشاركة أفكار أشخاصٍ آخرين.

4- تعطيل حسابات داعمة لـ”ترامب”: عطّل تويتر، في 14 أكتوبر ٢٠٢٠، عددًا من الحسابات الزائفة التابعة لعددٍ من الأمريكيين من أصلٍ إفريقيٍ والتي تزعم دعمها للرئيس “ترامب”، وذلك بسبب انتهاك القواعد الخاصة بالرسائل غير المرغوب فيها والتلاعب بالمنصة. وهو ما تجلى في استخدام تلك الحسابات كافًّة لعبارة: “نعم أنا أسود، وسأصوت لترامب”. وعلى خلفية ذلك، فتح “تويتر” تحقيقًا في الواقعة للوقوف على عدد الحسابات المعطلة ومصدرها، مع التأكيد على مواصلة التحقيق في الواقعة واحتمالية تعليق مزيدٍ من الحسابات إن انتهكت سياسات الموقع. وقد أوضح “دارين لينفيل” (الباحث والمتخصص بجامعة كليمسون) وجود عشراتٍ من تلك الحسابات التي عمدت إلى إعادة إرسال ما يقرب من 265 ألف تغريدةٍ، واستخدام صورٍ لرجالٍ من أصلٍ إفريقيٍ ممن نُشرت صورتهم في عدة تقاريرٍ إخباريةٍ. وكان لبعض الحسابات عشرات الآلاف من المتابعين. وهي الحسابات التي أُنشئ معظمها في عام 2017، لكنها أصبحت أكثر نشاطًا خلال الشهرين الماضيين.

5- إلغاء خاصية إعادة التغريد: أثار اختفاء خيار “إعادة التغريد” من موقع “تويتر”، في 21 أكتوبر الجاري، تساؤلات المغردين عن أسباب ذلك، لا سيما بعد أن اعتقد البعض بوجود خللٍ بالحسابات. وقد أوضح “تويتر” سبب ذلك في تغريدةٍ له. وهي التغريدة التي ورد فيها أن ذلك لا يعدو كونه أمرًا موقتًا. وبموجبه، يمكن للمستخدمين عند الضغط على زر إعادة التغريد إضافة تعليقٍ أو ترك مكان التعليق خاليًا، ثم الضغط على زر إعادة التغريد. وهو ما يهدف بالأساس إلى منع تداول أي معلوماتٍ مضللةٍ أو أخبارٍ مزيفةٍ خلال فترة الانتخابات الرئاسية الأمريكية عبر الحد من إعادة التغريد للجميع، وتشجيع المستخدمين على استخدام (Quote Tweet) وكتابة شيءٍ ما قبل المشاركة على النظام الأساسي.

أبرز الدلالات

يمكن الوقوف على أبرز دلالات السياسات السابقة في النقاط التالية:

1- تطهير المجال الإعلامي: يمكن وصف سياسات “فيسبوك” و”تويتر” بتطهير المجال الإعلامي من الأخبار الكاذبة والحملات المضللة والإعلانات التي تُشكّك في العملية الانتخابية الأمريكية أو التي تسعى إلى نزع شرعيتها. وفي المقابل، يصف بعض المحللين تلك السياسات بالأعمال العدائية التي تستهدف روسيا في المقام الأول.

2- التعاون مع المنصات وبعضها بعضًا: عمل موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” مع “فيسبوك” على تحديد وإزالة 350 حسابًا تولت منظماتٌ تابعةٌ لروسيا إدارتها. وعليه، أكدت كلتا المنصتين استجابتهما لتحذيرات مكتب التحقيقات الفيدرالي من تدخلاتٍ محتملةٍ لعددٍ من الأطراف الخارجية ومجرمي الإنترنت عبر نشر معلوماتٍ مضللةٍ حول نتائج الانتخابات المرتقبة. وهي التحذيرات التي أتت بدورها على خلفية تحذير شركة “مايكروسوفت” من تدخلاتٍ محتملةٍ من قبل قراصنةٍ مرتبطين بروسيا والصين وإيران بهدف التجسس على الأشخاص المرتبطين بكلٍّ من “ترامب” و”بايدن”.

3- دوافع عدة: تعرض “فيسبوك” لانتقاداتٍ حادةٍ بسبب قواعده المتساهلة إزاء المحتوى السياسي المتداول على منصته، وهو ما يفسر -إلى حدٍّ بعيدٍ- سياساته للحد من ومواجهة أي تلاعبٍ محتملٍ بالانتخابات الرئاسية. كما يخشى “فيسبوك” من تكرار الصدمة التي تسبب بها في 2016 حين استُخدمت منصّته في حملاتٍ ضخمةٍ للتأثير على الناخبين خلال الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة واستفتاء البريكست في المملكة المتحدة. كما تواجه وسائل التواصل الاجتماعي صعوباتٍ في مواجهة التضليل المعلوماتي المنتشر على منصاتها واتهاماتٍ بالخداع والتآمر على الإنترنت. كما يخشى “مارك زوكربيرج” من هيمنة الارتباك على ليلة الانتخابات أو حدوث اضطراباتٍ مدنيةٍ في الفترة ما بين إجراء التصويت وإعلان النتيجة.

4- فعالية منقوصة: تواجه منصات التواصل الاجتماعي تحديًا رئيسيًّا بشأن السرعة اللازمة لحظر المنشورات المضللة، ومدى جدوى إزالتها بعد اطّلاع المستخدمين عليها، فحتى إذا قامت مواقع التواصل الاجتماعي بوضع رموزٍ على المنشورات الصادرة عن سياسيين مخالفين، فقد تصل إلى المستخدمين على نطاقٍ واسعٍ في غضون دقائق معدودةٍ. فعلى سبيل المثال، حاز منشور الرئيس “ترامب” المتعلق بفيروس كورونا والذي دفع فيه بأن الأخير ليس أسوأ من الأنفلونزا على أكثر من 180 ألف إعجاب، كما أُعيد نشر التغريدة أكثر من 43 ألف مرة قبل أن يُخفي “تويتر” المنشور وراء ملصقٍ تحذيريٍ.

5- تحديات متوقعة: تواجه وسائل التواصل الاجتماعي تدقيقًا وضغطًا شديدين من أجل بذل مزيدٍ من الجهد بهدف الحيلولة دون تحول منصاتها إلى ساحةٍ للمعلومات المضللة. وهو ما يتجلى بوضوحٍ في استجواب “زوكربيرج” و”جاك دورسي” من قبل مجلس الشيوخ بشأن التدخل في الانتخابات، وذلك في 17 نوفمبر ٢٠٢٠ (أي بعد أسبوعين من الانتخابات). وقد واجه كلٌّ منهما بالفعل ساعاتٍ من الاستجواب من قبل نواب الكونجرس، وفي القريب سيُواجه كلٌّ منهما استجوابًا مماثلًا من قبل مجلس الشيوخ.

6- الزجّ بالمواطنين من أصل إفريقي: خلُص عددٌ من استطلاعات الرأي إلى تراجع تأييد الأمريكيين من أصل إفريقي للرئيس “ترامب” وذلك على عكس ما روجت له بعض الحسابات على “تويتر” فيما يشبه المعلومات المضللة التي شهدتها انتخابات عام 2016. وبشكلٍ عامٍ، لا يَعدو ذلك كونه أحد الشواهد التي تُدلل بالفعل على وجود تحدياتٍ حقيقيةٍ أمام منصات التواصل الاجتماعي، وأن السياسات المتخذة كافًّة لها ما يبررها.

7- حالات مماثلة: فشل “فيسبوك” في مجابهة خطاب الكراهية العنيف ضد مسلمي الروهينجا في ميانمار قبل عدة سنوات. وعقب تقييم الأوضاع في عام 2018، أقرت عملاقة التواصل الاجتماعي بأنها لم تفعل ما يكفي للمساعدة في منع استخدام منصاتها لإثارة الانقسام والتحريض على العنف، وتعهدت بالاستعداد بشكلٍ أفضلٍ للمخاطر المستقبلية. وبالمقارنة بذلك، لا يتوقع فعالية جهود وسائل التواصل الاجتماعي في الحيلولة دون أي تدخلٍ محتملٍ في الانتخابات الرئاسية. 

8- تهديدات حقيقية: يُقدم “فيسبوك” و”تويتر” أدلةً عمليةً على محاولات التدخل في محاولةٍ لتغيير الصورة السلبية عن بطء استجابة كلٍّ منهما لحملات التضليل في عام 2016، وبخاصة أن الانتقادات لم تتوقف حتى اليوم، الأمر الذي دفع كلًّا منهما للعمل مبكرًا وتحذير مكتب التحقيقات الفيدرالي من النشاط المشبوه. ومن المؤكد أن عمليات التلاعب لم تصل حتى الآن إلى جمهورٍ كبيرٍ كما حدث في انتخابات عام 2016، غير أنها توظف ما يسمى “غسيل المعلومات” الذي ينطلق من موقع يبدو في شكله العام وكأنه وكالة إخبارية شرعية، غير أنه يستكتب بعض الأمريكيين الحقيقيين، وينتج عشرات الموضوعات التي تنشر أكاذيب وتتلاعب بالمعلومات التي تروجها شبكاتٌ وسيطةٌ.

ختامًا، ألقت الانتخابات الأمريكية الماضية في 2016 بظلالها على وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى إثرها، واجه “فيسبوك” و”تويتر” عدة اتهامات بتحولهما إلى قنواتٍ ومنصاتٍ دعائيةٍ لدعم أطرافٍ خارجيةٍ. وعلى إثر ذلك، وبجانب عواملٍ أخرى، تتعرض وسائل التواصل الاجتماعي منذ عدة سنواتٍ لضغوطٍ لمكافحة المعلومات المضللة. وبينما رحب البعض بتدابير المكافحة الاستباقية؛ إلا أنها قد تكون متأخرة بالفعل، لا سيما في ظل تعدد محاولات التلاعب بالانتخابات الأمريكية التي أضحت أكثر جرأة وأقل سرية وأكثر انتشارًا.

د. رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني