مقال تحليلي

تطورات إيجابية: رؤى جديدة للانتخابات البرلمانية المصرية

هذا المقال هو رسالة إلى الباحثين في الشأن المصري في مراكز التفكير الغربية للنظر في التطورات الانتخابية بعيداً عن الرؤية الأحادية الجانب التي لا تعطي السياق الموجود اعتبارا ولا تمنح التجربة حقها حتى لو شابها بعض التصرفات أو السلوكيات التي لا تحرم الصورة الكلية من إظهار الملامح الجيدة. في كل مرة تعقد الانتخابات البرلمانية المصرية، نسمع ضجيحا في بعض الدوائر السياسية والبحثية في الخارج. يتسم الضجيج الإعلامي والبحثي حول الانتخابات المصرية، عادة، بتعميم في النقد واستخدام التعبيرات والأوصاف نفسها المكررة عن الوضع السياسي في البلاد دون تغيير في المواقف. قراءة جملة من تطورات جديدة في العملية الانتخابية الدائرة حاليا لانتخاب…

أ. عـزت إبراهيم
رئيس وحدة دراسات الإعلام

هذا المقال هو رسالة إلى الباحثين في الشأن المصري في مراكز التفكير الغربية للنظر في التطورات الانتخابية بعيداً عن الرؤية الأحادية الجانب التي لا تعطي السياق الموجود اعتبارا ولا تمنح التجربة حقها حتى لو شابها بعض التصرفات أو السلوكيات التي لا تحرم الصورة الكلية من إظهار الملامح الجيدة.

في كل مرة تعقد الانتخابات البرلمانية المصرية، نسمع ضجيحا في بعض الدوائر السياسية والبحثية في الخارج. يتسم الضجيج الإعلامي والبحثي حول الانتخابات المصرية، عادة، بتعميم في النقد واستخدام التعبيرات والأوصاف نفسها المكررة عن الوضع السياسي في البلاد دون تغيير في المواقف. قراءة جملة من تطورات جديدة في العملية الانتخابية الدائرة حاليا لانتخاب أعضاء مجلس النواب لأربعة سنوات قادمة أمر لا غني عنه لأنها تقول إن هناك ديناميكيات جديدة على الأرض، التي يمكن البناء عليها في مسار ديمقراطي متجدد وليس جامدا.

المرحلة الأولى من اقتراع مجلس النواب يومي السبت والأحد (24 و25 أكتوبر) على أن تعلن النتيجة النهائية للمرحلة الأولى بحلول 30 نوفمبر. وستعمل 10240 لجنة اقتراع في 14 محافظة في المرحلة الأولى و10292 في 13 محافظة في المرحلة الثانية. سيشرف على الاقتراع 11 ألف قاض، وستكون وسائل الإعلام المحلية والأجنبية ومنظمات حقوق الإنسان وممثلو المرشحين أحرارا في متابعة الانتخابات. ويتنافس المرشحون على 568 مقعدا في مجلس النواب، يُنتخب 284 منهم بالنظام الفردي في 143 دائرة انتخابية، وعدد مماثل بنظام القائمة المغلقة، بينما يعين الرئيس بحكم القانون 28 عضوا ليبلغ إجمالي عدد مقاعد المجلس 596 مقعدا.

التجربة الحزبية في مصر تعرضت لانتكاسة حادة بعد تجربة مريرة خلال حكم جماعة الإخوان حيث لم يكن الفشل يطارد محمد مرسي الرئيس السابق وحده بل امتد الفشل إلى المؤسسة الحزبية التي سعت تيار الإسلام السياسي إلي مصادرتها لصالحه وتحديا لصالح جماعة الإخوان المسلمين وهو ما ترك الغالبية من الشعب المصري في حالة من فقدان

الثقة بعد الانتفاضة الكبيرة ضد الجماعة وضد البرلمان صاحب الأغلبية من الإسلاميين في ٣٠ يونيو ٢٠١٣.

في المقابل، لم تترك الأكاديمية الغربية ومراكز الأبحاث المعروفة مساحة لقراءة مختلفة للثورة الشعبية ضد الإسلاميين، وراحت تردد الاتهامات التقليدية عن إهدار فرص التحول الديمقراطي اعتمادا على القراءة التقليدية الخالية من العمق والتحليل الرصين. وقد تكون الدوائر المصرية مسئولة بطريقة أو بأخرى عن تلك الفجوة الواسعة مع مراكز الأبحاث الغربية واسعة النفوذ. أن التحيزات ضد التحول السياسي في مصر التي توقعت، في انتقادات مجحفة، عدم صمود السلطة الانتقالية، ثم بعد تولي الحكم الرئيس المنتخب عبد الفتاح السيسي قالت إن حكمه لن يستمر عدة شهور، اعتمادا على تنظير فاشل وتمنيات بعيدة عن الواقع روجت لها مجموعة هاربين ينتمون، فكريا وتنظيميا، لجماعة الإخوان. والان يعيش هؤلاء الفارين في عواصم غربية ومستمرون في ترديد سخافات في دوائر بعينها ترتبط بشبكات تمويل مشبوهة. ثبتت ضحالة تلك الأطروحات وغياب الرؤية الأوسع للتحولات التي أملتها إرادة شعبية حقيقية وليست مصنوعة او مفبركة مثلما تصر بعض الأقلام في توصيفها لحالة الحكم وفي تقييم نظام الحكم الحالي في مصر ومن ثم الترويج لتلك الرؤي في دوائر الحكم بعواصم مؤثرة.

الانتخابات التي تجري حاليا على مقاعد مجلس النواب المصري تستحق وقفة جادة على مستويات عدة لجملة من الأسباب:

الأول، قيام تحالف واسع هو الأول من نوعه ويضم التحالف الانتخابي ١٢ حزبا بالإضافة إلى ما يسمي ب “تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين”. ويسعي التحالف إلى إيصال أكبر عدد من الأحزاب إلى البرلمان القادم. فلم يخوض الحزب الأقوى – حزب مستقبل وطن- الانتخابات بمفرده مثلما توقع كثيرون بهدف السيطرة على أغلبية كاسحة ولكنه تفاوض مع الأحزاب المتوسطة والصغيرة ومع أحزاب عريقة مثل الوفد والتجمع على إعداد قائمة موحدة دون أية التزامات “سياسية” بعد فوز القائمة بمقاعد مجلس النواب. وميزة القائمة أنها تعبر عن واقعية أكبر من جانب الأحزاب التي تعلم جيدا أن تواجدها في الشارع السياسي محدود ولابد من قيام تحالفات انتخابية تقلل فرص تكرار سيناريو سيطرة الحزب الوطني الديمقراطي المنحل وهو أحد الأسباب الرئيسية للثورة ضد حسني مبارك.

ثانيا، من الضروري التفريق بين انتخابات ٢٠١٥ و٢٠٢٠ وليس التعامل مع كل الانتخابات المصرية بنفس الانتقادات التقليدية التي تدور لسنوات حول التغيير في البلاد بعد ٣٠ يونيو. فقد ظهرت وجوه كثيرة في القائمة الأوفر حظا بالفوز، القائمة الوطنية من أجل مصر، التي تضم مروحة واسعة من القوي السياسية علي يمين وعلي يسار سلطة الحكم الحالية، وبلغت نسبة التجديد في القائمة الرئيسية أكثر من نصف الوجوه التي فازت على قائمة ” في حب مصر”، التي لم تضم نفس الطيف السياسي الواسع مثل القائمة الجديدة. وتعتبر قيادات القائمة الجديدة أن التصور الجديد يقوم على بناء قاطرة لتمكين أحزاب سياسية وليدة أو قديمة لدخول البرلمان. دخلت القائمة الوطنية من اجل مصر على الدوائر الأربع للقوائم (٥٠ ٪ من المقاعد) وينافسها في دائرة القاهرة ووسط الدلتا “تحالف المستقلين” وفي دائرة غرب الدلتا ودائرة الصعيد ينافسها قائمة “نداء مصر”. توسيع الدوائر الانتخابية ساهم في ظهور تحالف انتخابي واسع بين ١٢ حزبا ولا يترتب عليه التزام بمواقف أو سياسات بعينها تحت قبة البرلمان. أنها تجربة على طريق تمثيل جيد لأحزاب متباينة القوة. وفي انتخابات تلو الأخرى في السنوات القادمة يمكن أن نصل إلي حياة نيابية متوازنة تقوم على وجود حزب أغلبية مهيمن وتمثيل احزاب أخري بقدر معقول ثم بشكل تلقائي تتراجع ظاهرة المرشحين المستقلين بحيث تكون الأحزاب المسيطرة على الأغلبية هي جسر بين الدولة والمجتمع بشكل حقيقي. 

ثالثا: تحويل نظام الحصص من انتقالي إلى وضع دائم في تعديل الدستور عام ٢٠١٩ يضمن للمرأة ٢٥ ٪ من اجمالي المقاعد في مجلس النواب بدلا من عبارة “تمثيل مناسب”. تلك النسبة سوف تترجم إلى ١٤٢ مقعدا من أصل ٥٦٨ مقعدا. يضمن نظام الحصص الإيجابية أيضا تمثيل الشباب والمسيحيين والعمال والفلاحين، والمصريين في الخارج، وأصحاب الإعاقة بشكل مرضي لتصل الكوتة الإيجابية إلى نسبة ٣٨.٤ ٪ من المقاعد في الشكل النهائي لمجلس النواب المسئول عن التشريع والرقابة والتصديق على تشكيل الحكومة الجديدة والموازنة العامة للدولة.

جملة من التطورات الإيجابية في الانتخابات المنعقدة حاليا تؤكد أن هناك رغبة حقيقية في الوصول إلى ممارسات برلمانية جيدة في السنوات القادمة، وان هناك توجه للدفع بأعداد كبيرة من الشباب- يتم اختيارهم بعناية شديدة داخل أحزابهم- لإحداث نقلة نوعية في الأداء التشريعي، وهو ما ينتظره الرأي العام المصري بشغف في ضوء التحديات الكثيرة التي تواجه مختلف الطبقات التي تشعر بالحاجة إلى تمثيلها تمثيلا فعليا في مجلس النواب وأن يلعب النواب أدوارهم في الرقابة على عمل الحكومة وتمرير مزيد من الاصلاحات التشريعية.

أ. عـزت إبراهيم
رئيس وحدة دراسات الإعلام