في ظلال اصطياد الرجل الثاني لتنظيم القاعدة

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

“أبومحسن المصري”، الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، أعلنت أفغانستان هذا الأسبوع أن قواتها الأمنية تمكنت من الوصول إلى مقر اختبائه، ومن ثم قامت القوات بتصفيته في هذه العملية النوعية، التي وقعت بولاية «غوزنة» شرقي أفغانستان. هذا الإعلان وصف هذا القيادي الإرهابي مصري الجنسية، باعتباره يشغل منصب الرجل الثاني بعد زعيم القاعدة «أيمن الظواهري»، في حين هناك من يؤكد أن المصري منذ سنوات يعد القائد الأعلى للتنظيم في شبه القارة الهندية، وأنه يدير على الأرض عملية التنافس الشرسة بين التنظيم التاريخي، والقادم الجديد تنظيم «داعش»، على مساحات النفوذ واستقطاب العناصر والمناصرين، وإقامة تحالفات محلية داخل بيئة الحركة التي يتسابق كل تنظيم…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

“أبومحسن المصري”، الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، أعلنت أفغانستان هذا الأسبوع أن قواتها الأمنية تمكنت من الوصول إلى مقر اختبائه، ومن ثم قامت القوات بتصفيته في هذه العملية النوعية، التي وقعت بولاية «غوزنة» شرقي أفغانستان. هذا الإعلان وصف هذا القيادي الإرهابي مصري الجنسية، باعتباره يشغل منصب الرجل الثاني بعد زعيم القاعدة «أيمن الظواهري»، في حين هناك من يؤكد أن المصري منذ سنوات يعد القائد الأعلى للتنظيم في شبه القارة الهندية، وأنه يدير على الأرض عملية التنافس الشرسة بين التنظيم التاريخي، والقادم الجديد تنظيم «داعش»، على مساحات النفوذ واستقطاب العناصر والمناصرين، وإقامة تحالفات محلية داخل بيئة الحركة التي يتسابق كل تنظيم على الاستحواذ فيها على أعمق تأثير ممكن.
القيادي البارز «أبومحسن المصري»، مدرج على قائمة الإرهابيين المطلوبين لدى مكتب التحقيقات الاتحادي الأمريكي، لكن بعد مرور أيام على العملية التي تولت مديرية الأمن الوطنية في أفغانستان الإعلان عنها، امتنع مكتب التحقيقات الأمريكي عن التعليق. لكن حسب ما هو مسجل من معلومات لدى المكتب الاتحادي، فإن «أبومحسن المصري» هو مصري الجنسية، وأن الاسم السابق ذكره هو الاسم الحركي له داخل صفوف «القاعدة»، بينما يحمل المذكور اسم «حسام عبد الرؤوف». وهو في أوراق وسجلات المكتب قيد الملاحقة «فئة أولى»، على خلفية ارتكابه جريمة لها توصيف عام هو، تقديم دعم مادي وموارد لمنظمة إرهابية أجنبية والتآمر لقتل أمريكيين. الولايات المتحدة ربما بدأت مؤخرًا سحب قواتها تدريجيًا من أفغانستان، بعد إبرام اتفاق مع طالبان في فبراير الماضي، لكنها تظل معنية على نحو كبير بمتابعة النشاط الإرهابي المسلح، داخل أفغانستان ومحيطها بعد ١٩ عامًا على العملية العسكرية الأمريكية، التي شنتها الولايات المتحدة للإطاحة بحركة «طالبان» التي كانت تتقلد الحكم حينئذ. العملية العسكرية أعلن عنها حينها باعتبارها من قوات «تحالف دولي» تشكل على خلفية هجوم «القاعدة» على الولايات المتحدة في ١١ سبتمبر ٢٠٠١، لكن ظل واقعيًا الأمر ما بين الولايات المتحدة وبين التنظيم وحواضنه ومناصريه، وفى عديد من جولاته ضد «طالبان» بالطبع باعتبارها صاحبة الأرض. ظلت مساهمات الدول الأخرى رمزية واستخباراتية، بأكثر من المشاركة الميدانية التي ظلت القوات الأمريكية تحمل عبئها الأكبر، وبعد مرور السنوات التسع عشرة وما جرى فيها توصلت إلى رؤية توقيع الاتفاق الأخير مع «طالبان»، وهو لم يقيد حركة عملها على ملف مكافحة الإرهاب الدولي، والذي تظل «القاعدة» و«داعش» كتنظيمات مكتملة وفروعها هي ما يمكن اندراجها تحت تلك التسمية.

من المقرر أن يؤدى الاتفاق الذي جرى إبرامه بين الولايات المتحدة و«طالبان»، إلى مغادرة القوات الأجنبية أفغانستان بحلول شهر مايو ٢٠٢١، مقابل ضمانات لمكافحة الإرهاب من قبل حركة «طالبان»، التي وافقت على التفاوض على وقف دائم لإطلاق النار وصيغة لتقاسم داخلي للسلطة مع الحكومة الأفغانية المشكلة حاليًا. لكن هذا الاتفاق يتعرض اليوم لتعثر كبير وتحديات ليست هينة، فقد احتدم القتال مؤخرًا بين الحركة والقوات التابعة للحكومة الأفغانية، أي بين شركاء المستقبل الافتراضيين. ففي بداية الشهر الماضي، شنت حركة طالبان هجومًا كبيرًا ونوعيًا، على «قاعدة عسكرية» تقع شرقي أفغانستان، مما أسفر عن مقتل نحو ١٠ جنود على الأقل، حيث قام انتحاري تابع للحركة باستهداف بوابة مدخل القاعدة العسكرية في «غارديز»، عاصمة ولاية بكتيا، في الوقت الذي تولت مجموعة مسلحة أخرى إطلاق النار بكثافة على قوات الأمن الأفغانية، في المكان ومحيطه لمنع تقدم قوات الإسناد للتعامل مع الهجوم. وجرت حينها معركة كبيرة، استخدمت فيها أنواع من الأسلحة المتقدمة ألقت بظلال كثيفة، حول هذا التطور التسليحي الذي امتلكته الحركة على نحو مفاجئ.
أعلن حينها «ذبيح الله مجاهد» المتحدث باسم «طالبان»، مسئولية الحركة عن الهجوم، الذي جرى على خلفية تعيين الرئيس الأفغاني لـ«٤٦ عضوًا» في مجلس المصالحة الوطنية، الذي سيكون له القول الفصل فيما إذا كانت الحكومة ستوقع اتفاق سلام مع طالبان. فقد كانت هناك قضايا إشكالية على مائدة التفاوض، الذي توقعت الحكومة الأفغانية، أن يكون عملًا مطولًا وشاقًا. فقد دعت الولايات المتحدة أثناء تفاوضها مع «طالبان»، أن تقوم الحركة بالإفراج عن «١٠٠٠ عنصر» من أفراد الحكومة والجيش الذين تحتجزهم. فيما تقوم الحكومة بالمقابل في عملية تبادل للسجناء بالإفراج عن «٥٠٠٠ سجين» من أعضاء الحركة، باعتبار تلك الخطوة بمثابة بادرة حسن نية قبل المفاوضات بين الطرفين الأفغانيين. وحسب الاتفاق أيضًا؛ ستعمل واشنطن فورًا على خطة مع كل الأطراف المعنية، للإفراج عن السجناء السياسيين وجميع المقاتلين في أفغانستان، حيث ينص الاتفاق على تعهد واشنطن برفع العقوبات عن أعضاء حركة طالبان بحلول نهاية عام ٢٠٢٠.
لكن وزير الخارجية الأمريكي «مارك بومبيو» حث حركة طالبان، وقت توقيع الاتفاق على الالتزام بوعودها بـ«قطع العلاقات» مع تنظيم القاعدة، ومواصلة محاربة تنظيم داعش، وهو ما لم تتخذ الحركة خطوات عملية فيه حتى الآن. مما يثير شكوكًا كبيرة حول قابلية المضي قدمًا في تنفيذ الاتفاق بصورة فعلية، خلال الفترة القليلة المقبلة على الأقل، وهو في هذا الإطار يعيد إلقاء الضوء على عملية تصفية الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، والسؤال حول مساحة المشاركة الأمريكية فيها، وإن ظلت غير معلنة، لكن حجم الدور فيها قد لا يقف عند حدود الدعم الاستخباراتي، وهو متوقع بالطبع، لكن قد يكون الأمر أبعد من ذلك، حيث يشمل رسم وهندسة نفوذ أذرع طالبان قبل جلوسها المرتقب مع الحكومة، والذي هو قيد التعثر والمناورة حتى اللحظة.

ـــــــــــــــــــ

نقلا عن جريدة الدستور، الأربعاء ٢٨ أكتوبر٢٠٢٠.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب