وحدة التسلح

تحديات مستقبلية: “التسوية الانتقالية” للصراع المسلح في ليبيا

عكس الاتفاق الخاص بالمسار العسكري، والذي تم إقراره في جنيف في الثالث والعشرين من أكتوبر 2020، توافق جميع الأطراف على منطق “التسوية الانتقالية” التي يقتصر اهتمامها على معالجة الأعراض التي شكّلتها مظاهر المرحلة التي تلت معركة طرابلس (أبريل 2019)، وتتعاطى مع نتائج هذه المعركة كأمر واقع، بهدف تهيئة الأجواء للمرحلة التمهيدية (18 شهرًا تقريبًا) دون التطرق إلى المعضلات الرئيسية، والتي تتمثل في ملف (توحيد المؤسسة العسكرية)، بل إن الاعتراف بوجود قوتين عسكريتين يقوض هذا الملف، وهو اتجاه معاكس لنص مسار برلين الذي نص على توحيد المؤسسة العسكرية، والذي أشار تحديدًا إلى حوار القاهرة (2017-2018) الخاص بمسار توحيد المؤسسة العسكرية، وبالتالي…

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح

عكس الاتفاق الخاص بالمسار العسكري، والذي تم إقراره في جنيف في الثالث والعشرين من أكتوبر 2020، توافق جميع الأطراف على منطق “التسوية الانتقالية” التي يقتصر اهتمامها على معالجة الأعراض التي شكّلتها مظاهر المرحلة التي تلت معركة طرابلس (أبريل 2019)، وتتعاطى مع نتائج هذه المعركة كأمر واقع، بهدف تهيئة الأجواء للمرحلة التمهيدية (18 شهرًا تقريبًا) دون التطرق إلى المعضلات الرئيسية، والتي تتمثل في ملف (توحيد المؤسسة العسكرية)، بل إن الاعتراف بوجود قوتين عسكريتين يقوض هذا الملف، وهو اتجاه معاكس لنص مسار برلين الذي نص على توحيد المؤسسة العسكرية، والذي أشار تحديدًا إلى حوار القاهرة (2017-2018) الخاص بمسار توحيد المؤسسة العسكرية، وبالتالي سيُبقي الأحوال على ما هي عليه في المستقبل، وربما يشرعنها على حالها القائم، من خلال خلق آليات للتنسيق المشترك على الجانبين. وبالتالي سيكون لكل منهما الحق مستقبلًا في إبرام اتفاقيات تسليح وتدريب مستقلة ومختلفة الاتجاهات.

أولا: إشكاليات قائمة

في هذا السياق، لا تُوجد ضمانة لاستقرار الوضع العسكري في المستقبل في ضوء هذه التركيبة، فضلًا عن أنه على المستوى القريب ستثار العديد من الإشكاليات على المستوى الهيكلي. فعلى سبيل المثال، يثور تساؤل بشأن تسمية وزير للدفاع في الحكومة المقبلة، فعلى الأرجح لن يتم ذلك، فالسيناريو الأقرب للترجيح أنه ستحال صلاحيات هذا المنصب إلى المجلس الرئاسي (المكون من رئيس ونائبين) مع الإبقاء على الكيانات العسكرية القائمة (القيادة العامة في الشرق ورئاسة الأركان في الغرب) كذلك على مستوى الموازنة العامة التي أشار نائب رئيس المجلس الرئاسي “أحمد معيتيق” إلى أنها ستدرج كموازنة واحدة، لكن من المرجح فيما يتعلق بالموازنة العسكرية أن توزع وفق الأنصبة الإقليمية. كما ستنعكس هذه المعضلة على الصورة النهائية للدستور الليبي الذي يفترض أن يتناول بشكل رئيسي وضع المؤسسة العسكرية وتشكيلاتها ووظائفها ودورها، حيث سيكون من الصعوبة بمكان الإقرار بالوضع الحالي. وعلى المستوى الرقابي من خلال دور البرلمان هناك معضلة في تمثيل قوتين عسكريتين.

ومن منظور مؤسسي قد تُشكل الإشكاليات المشار إليها سلفًا معضلات إجرائية قد تجد بدائل للتعامل معها بشكل مؤقت، لكن المعضلة الرئيسية في وجود تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية في دولة واحدة هي معضلة العقيدة العسكرية التي ترتبط بهوية الدولة الوطنية التي تشكل عملية بناء قوات مسلحة وطنية ركيزتها الأساسية والتي يُبنى عليها معايير ومنظومات واتجاهات عديدة، منها -على سبيل المثال- لا الحصر: ما هي المهدِّدات والمخاطر التي تواجه الدولة الليبية؟ فوفقًا لنص الاتفاق هناك إقرار بوحدة البلاد وسيادتها، لكن هناك تعارضًا بين القوتين العسكريتين في نظرتهما لقائمة المهددات والمخاطر، منها اعتبار الجيش الليبي أن الوجود العسكري الأجنبي -والتركي تحديدًا- يشكل خطرًا على البلاد، بينما تعتبره القوة العسكرية الموازية -على الجانب الآخر- هو ضمانة بقاء، وهو أمر مستغرب بالنظر إلى أن الاتفاق يفترض أن يطوي صفحة الوفاق، وبالتالي هناك طرف حريص على إعادة إنتاج حكومة الوفاق بارتباطتها الخارجية.

ويبدو أن هناك رهانًا على عامل الوقت، وتغير ديناميكيات الهياكل العسكرية على المتوسط أو الطويل، وإن كان الاتفاق لا يعكس هذا المنظور بشكل حرفي، لكن على الأرجح كان هناك تحدٍّ أمام البعثة الأممية في تجاوز (القيادة العامة) من عملية التسوية السياسية، وبالتالي الإبقاء على وجود آلية مرنة خلال المرحلة المقبلة، ومن ثم يطرح هذا المنظور وهو ارتباط (القيادة العامة) بشخصية المشير “خليفة حفتر” القائد العام للجيش الليبي. في المقابل، قد يشهد الجانب الآخر متغيرًا ديناميكيًّا فيما يتعلق بهيكل القيادة العسكري الأكثر ارتباطًا بالعامل الخارجي، المتمثل في العلاقة مع تركيا، وإصرار الوفاق على تقوية هذه العلاقة بشكل مستدام؛ إلا أن طابع الاستدامة سيتربط بطبيعة العامل الخارجي مستقبلًا، وبالتالي الرهان على عدم تغير الوضع الداخلي، وبقاء السلطة على حالها في تركيا، وهو أمر غير مضمون على المدى البعيد في ظل التفاعلات الداخلية التركية، إلى جانب أن المكون العسكري في الغرب ربما لديه هامش من الاستقلالية بشكل نسبي في المرحلة الحالية لكن لا توجد حتمية في استمرار هذا الوضع في المستقبل على المدى الطويل. 

على هذا الأساس يقدم منطق “التسوية الانتقالية” فرصة لظهور إشكاليات مستقبلية قد يكون لها بالغ الأثر على تحديد فرص استدامة الاتفاق في المسار العسكري. فتشكيل آلية وطنية للتعامل مع الملف العسكري، لا يمثل -في ذاته- ضمانة لإنهاء دور الفاعلين الخارجين، فالأمر لا يتعلق بالدور التركي فقط، وسط العديد من التأثيرات الأخرى في إطار مصالح القوى والأطراف المختلفة، وبعض هذه القوى يمتلك بنية عسكرية في ليبيا، لا سيما إيطاليا في الشمال وفرنسا في الجنوب حتى وإن كانت محدودة مناظرة بالوجود التركي. لكن التعقيدات -في هذا السياق- تنبع من معادلات الاشتباك بين تلك القوى، وحجم التفاعلات المستقبلية التي ستتشكل في ضوء المسار السياسي الشامل. ومنها -على سبيل المثال- تقارب تركي روسي على مستوى تنسيق المصالح المشتركة في ليبيا سيواجه بتحدي الدور الأمريكي الفاعل في ترتيبات مسار الأزمة الحالية. وهناك تقديرات عديدة روسية وتركية تشير إلى عدم رضا الطرفين عن مستقبل الترتيبات الحالية، وكذلك انعكاس محصلة المواقف الفرنسية-التركية المتعارضة بشكل عام، واستدارة تركيا إلى مجال النفوذ الفرنسي في الشمال الإفريقي، وربما أيضًا محصلة الموقف الإيطالي من الدور التركي في شرق المتوسط. وهي تفاعلات صعبة، تتجاوز حدود الأزمة الليبية، خاصة في حالتي موسكو وأنقرة، فروسيا تسعى لتمدد نفوذها العسكري في جنوب أوروبا على حساب الناتو الذي تُكرر روسيا في كل مناسبة دوره في انهيار الدولة الليبية.

وهناك إشكالية أخرى تتعلق بعملية جمع السلاح، وهي إشكالية ميدانية معقدة في الحالة الليبية، ومن المتصور انعكاساتها المستقبلية على عملية الاستقرار وضبط الفوضى في المشهد القادم، في ظل المؤشرات الخاصة بحالة التسلح الليبية خارج الكيانات المعترف بها والتي تشير إلى إغراق ليبيا بالأسلحة المتوسطة والصغيرة، والتي تصل إلى ما يزيد على 33 مصدرًا للتسلح وفق تقديرات دولية، بخلاف المصادر المجهولة. وفي حين تتمركز معظم الميليشيات المسلحة في غرب البلاد؛ فإن مسار تسليم هذه الأسلحة دون حسم الجهة التي ستضطلع بهذه المهمة هي إشكالية صعبة. هناك حالات إقليمية طرحت إمكانية تسليم الأسلحة إلى جهة ثالثة، لكن يتم التوصل إلى آلية بهذا الشكل من الناحية العملية. كما أن هناك أطرافًا بحكم طبيعة الأوضاع في ليبيا ربما لن تقبل بتسليم سلاحها في الغرب وفي الجنوب.

ثانيا- تأثير اتفاق وقف إطلاق النار على التسوية السياسية الشاملة

من كل ما سبق يمكن القول إن محصلة مخرجات المسار العسكري ستساهم في الانتقال إلى المسار التمهيدي المقبل في ليبيا، لكن لا يشترط أن تساهم فيما بعد تلك المرحلة التي يفترض خلالها الانتقال إلى حالة الاستدامة، بالنظر إلى عددٍ من المؤشرات ومنها: 

  • على الرغم من محاولة الموازنة بين عملية التسوية الانتقالية وعملية السلام المستدام، باعتماد بعض المعايير الدولية التي انتهجتها الأمم المتحدة في حالات عديدة على الساحة الإفريقية؛ إلا أن هناك فارقًا بين اتجاه للإصلاح العسكري والأمني المرتبط بأبعاد العملية السياسية لوضع حد للصراع، وبين إصلاح عسكري وأمني أشمل يرتبط بطبيعة الأدوار والوظائف التي يجب أن تضطلع بها المؤسسات العسكرية والأمنية عقب الصراع. في التجربة الحالية يبدو أن هناك انتقائية لبعض تلك المعايير التي تتصدرها عملية نزع السلاح والتسريح والإدماج، ففي الأخير يمكن أن ترتبط آليات عملية التحول السياسي بآليات سياسية مثل الانتخابات والاستفتاء، لكن عملية حل معضلة الملف العسكري تعتمد معايير أخرى. حتى بفرض نجاح الآليات التي ستتعامل مع الإشكاليات العرضية، إلا أن المشكلة الرئيسية المتمثلة في انقسام المؤسسة العسكرية ستبقى هي المحدد الذي سيحكم عملية الاستقرار السياسي.
  • دون وجود ضمانة عملية لتوحيد المؤسسة العسكرية ستبقى احتمالات حدوث ارتدادات عكسية على المسار السياسي قائمة، خاصة في ظل بقاء اتجاهات الأطراف العسكرية إلى سباق التسلح والتنافسية، وعلى المدى المتوسط قد تنقلب الأوضاع ويصبح تأثير القادة العسكريين على المجال السياسي أكبر من القادة السياسيين. كذلك فإن العملية الجراحية الكبيرة لاستئصال الميليشيات في الحالة الليبية على المدى القريب هي عملية معقدة وصعبة بحكم الخبرة الليبية، وربما تنعكس تداعياتها على الترتيبات الخاصة بالعملية السياسية في بعض المناطق، خاصة الانتخابات والاستفتاء.
  • العامل الخاص بالدوافع لدى الطرفين في التوصل إلى المخرجات التي أسفرت عنها الجولة الرابعة من المسار العسكري يمثل بُعدًا شديد الأهمية في مستقبل مسار تسوية الأزمة، كون هذه الدوافع ستظل هي العنصر الحاكم في تنفيذ الاتفاق الحالي والاتفاقيات اللاحقة التي سينتجها نفس المسار. فعلى الأرجح انتهجت الأطراف سلوكًا براجماتيًّا بهدف الحفاظ على المكتسبات المرحلية، وإمكانية الاستثمار فيها في المستقبل على كافة الأوجه بالنظر إلى مساحة التشابك في الملفات وفق المسارات الثلاثة السياسية والاقتصادية والعسكرية، ونظرة كل طرف للعوائد منها، والتي ستترجم في المشاركة بالسلطة السياسية وتقاسم الثروة الاقتصادية، الأمر الذي يفسر توافق الأطراف على إعادة تشكيل حرس المنشآت النفطية، والترتيبات الأمنية الخاصة بالمنطقة الوسطى. ومن المرجح -كذلك- أن يتقاسم الطرفان مصلحة مشتركة هي تحسين الصورة داخليًّا وخارجيًّا. إذن فمساحة التفاهم بين الطرفين وردت في مساحة المصالح المشتركة، وهو أمر ليس واردًا في باقي الملفات بالدرجة نفسها، لا سيما حينما يتعلق الأمر بالتزامات كل طرف على حدة. 

من كل ما سبق، يبقى من المهم تأكيد أهمية التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار التام والمستدام، والذي من دونه لا يمكن الحديث بجدية عن أي تسويات سياسية ناجحة، لكن يتعين -في الوقت نفسه- التعامل الحذر مع كل ما طرحه الاتفاق بصيغته التي خرج عليها من تحديات مستقبلية، سواء في الشق العسكري والأمني، أو في الشق المتعلق بتأثير الاتّفاق على التسوية السياسية المرتقبة في ليبيا.

ثالثا: مستقبل الملف العسكري في ليبيا

ويسير مستقبل الملف العسكري في ليبيا وفقا لمسار خاص من بين ثلاث مسارات معتمدة في إطار لحل الأزمة الليبية، تشمل أيضًا الملفين السياسي والاقتصادي. وفي واقع الأمر، لا يُعد هذا المسار مستقلًّا عن باقي المسارات الأخرى في ظل التشابكات بين الملفات الثلاثة في ضوء انخراط الجيش الوطني من جانب والفصائل المسلحة على الجانب الآخر فيها. كذلك فإن القضايا الإشكالية الرئيسية المدرجة على جدول أعمال هذا المسار ليست وليدة المرحلة، فقد سبق لطرفي الأزمة التفاوض حول قضية توحيد الجيش في القاهرة بين عامي 2017 و2018، وتم التوصل -آنذاك- إلى مخرجات معتبرة حالت المعوقات السياسية والتحديات الأمنية دون تنفيذها.

يضاعف من هذه التحديات في المرحلة الحالية الوجود العسكري الأجنبي متعدد الأطراف متباين الاتجاهات والمصالح، وأبرزها الوجود التركي والروسي. فعلى الرغم من تواجد قوى أوروبية منذ فترة طويلة، لا سيما إيطالية في الشمال وفرنسية في الجنوب؛ لكنها تظل محدودة الدور والتأثير في الصراع، في حين أن تنامي التواجد العسكري التركي والروسي بين الغرب والشرق سيعمق تحديات وحدة المؤسسة العسكرية، حتى مع وجود مؤشرات تقارب سياسي بين موسكو وتركيا يعكس إمكانية تبادل المصالح الخاصة بكل منهما في ليبيا، بأكثر مما يعكس وجود مصالح مشتركة يمكن أن تشكل دافعًا إلى استثمارهما في كيان عسكري موحد. كذلك، فإن مصالح الطرفين تتجاوز حدود الأزمة الليبية، فأنقرة تسعى إلى توسيع نفوذها العسكري في شمال إفريقيا، في حين تسعى روسيا إلى تمدد نفوذها العسكري هي الأخرى في جنوب أوروبا على حساب نفوذ الناتو، لذا من الطبيعي أن تشير موسكو دومًا دور الناتو في ليبيا في 2011 وتداعياته.

على التوازي؛ لا يعد النقاش في الملف الأمني والتطرق لمساري الإصلاح الأمني (SSR) والإدماج والتسريح (DDR) أو عملية إعادة الهيكلة الأمنية وليدة المرحلة الحالية، فتجربة “درع ليبيا” عام 2012 كاشفة عن كم التحديات التي أسفرت عن تلك التجربة الهشة، والتي أعادت إنتاج خريطة الفوضى الأمنية عبر نفس الفواعل والأدوات تقريبًا، بل وأكسبتها مشروعية الوجود، ومكنتها من الهيمنة على مؤسسات السلطة ومقدرات البلاد، وكانت المحصلة الطبيعية لذلك هذا القدر الهائل من الفساد المقنن الذي تعكسه التقارير الرقابية المحلية وتقديرات المؤسسات الدولية التي وضعت ليبيا في صدارة مؤشر الدول الأكثر فسادًا في العالم خلال الأعوام الأخيرة.

ولا تبدو الحالة الليبية استثناء من القاعدة، ربما في تجارب عديدة اتبعت المسارات نفسها، فوفقًا لتجارب إقليمية وإفريقية مناظرة لعل أقربها إلى التجربة الليبية تجربة جنوب السودان بعد الاستقلال مباشرة، صاحب الصراع السياسي صراع مسلح، أدخل البلاد في أتون حرب أهلية، لا تزال تداعياتها تشكل تحديات في أي تسوية، من ثأريات تهجير وانهيار بنية. والدرس المستفاد أيضًا من تلك التجربة أنها شلت اقتصاد الدولة القائم على صادرات النفط، كما أن حسابات الأطراف -وفق رؤية المصالح الخاصة- أهملت قضايا الأمن الرئيسية، كأمن الحدود وأمن المجتمع، لأن قواعد حل الأزمة التي اتبعت قامت على تسوية سياسية في إطار تحالف هش وليس عملية بناء سلام مستدام على أسس إستراتيجية.

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح