في ذكرى ثورة

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

تحل هذه الأيام الذكرى السنوية لواحدة من أهم الثورات في التاريخ. أتحدث عن ثورة الشيوعيين البلاشفة، التي حدثت في روسيا في مثل هذه الأيام من عام 1917. الثورة الروسية مشهورة باسم ثورة أكتوبر رغم أنها وقعت في نوفمبر، والسبب في هذا الارتباك هو أن روسيا كانت تطبق حتى ذلك الوقت التقويم الجولياني، الذي يأتي متأخرا عن التقويم الجريجوري المتبع في كل العالم بحوالي أسبوعين.   هل حققت الثورة الروسية الوعود التي أطلقتها؟ هل كان الناس في المجتمع الشيوعي أكثر سعادة ورضا عن حياتهم؟ هل أطلق النظام الذي أتت به الثورة الإمكانات الكامنة في الشعب الروسي؟ الثورة الروسية حدث كبير يحتاج تقييمه…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

تحل هذه الأيام الذكرى السنوية لواحدة من أهم الثورات في التاريخ. أتحدث عن ثورة الشيوعيين البلاشفة، التي حدثت في روسيا في مثل هذه الأيام من عام 1917. الثورة الروسية مشهورة باسم ثورة أكتوبر رغم أنها وقعت في نوفمبر، والسبب في هذا الارتباك هو أن روسيا كانت تطبق حتى ذلك الوقت التقويم الجولياني، الذي يأتي متأخرا عن التقويم الجريجوري المتبع في كل العالم بحوالي أسبوعين.  

هل حققت الثورة الروسية الوعود التي أطلقتها؟ هل كان الناس في المجتمع الشيوعي أكثر سعادة ورضا عن حياتهم؟ هل أطلق النظام الذي أتت به الثورة الإمكانات الكامنة في الشعب الروسي؟ الثورة الروسية حدث كبير يحتاج تقييمه إلى مجلدات، وسأكتفي هنا ببعض الملاحظات الواجبة في ذكرى الثورة. 

لم تكن الثورة الشيوعية ضد حكم القياصرة الذي يرجع إلى القرون الوسطى، فقد سقط حكم القياصرة قبل ذلك بثمانية شهور، في الثورة التي حدثت في شهر فبراير من العام 1917. الثورة الشيوعية كانت صراعا سياسيا، سعى فيه الشيوعيون لانتزاع السلطة من الليبراليين الإصلاحيين الذين حكموا البلاد بعد سقوط القيصر، عبر الحكومة المؤقتة التي شكلها البرلمان المنتخب. 

جرت وقائع الثورة أثناء الحرب العالمية الأولى، وفيها عانى الجيش الروسي من هزائم ثقيلة، فيما جعل نقص الغذاء وارتفاع الأسعار الناتج عن الحرب حياة ملايين المواطنين، خاصة سكان المدن، في غاية الصعوبة. وفيما انقسم المثقفون والسياسيون الروس بين المطالبين بالسلام وإنهاء الحرب، والمطالبين بمواصلة القتال؛ ركز البلاشفة على ضرورة انهزام روسيا في الحرب حتى ينفتح الطريق أمام الثورة. الثورة تأتي عندما يحل الخراب، لهذا لابد من استعجال  الهزيمة حتى تأتي الثورة سريعا، هكذا فكر العقل الثوري في روسيا، كما يفكر في أي مكان آخر. 

رفعت الثورة شعارات جذابة عن حق الفقراء في الثروة، وعن وضع السلطة في يد الشعب؛ لكنها سرعان ما أنتجت واحدا من أشد النظم الشمولية قسوة في التاريخ، وهو النظام الذي قام بسحق الفرد وكرامته وحريته باسم الشعب. حولت الثورة روسيا من بلد ينتمي للقرون الوسطى إلى بلد حديث، فيه كهرباء وصناعة ومدن كبرى وشبكة قطارات حديثة. نجحت الثورة في تحديث روسيا، لكنها لم تنجح في تحريرها، فعلاقات وثقافة الاستبداد الإقطاعي التي كانت موجودة في روسيا حتى قيام الثورة تواصلت في العهد الثوري بأشكال وأسماء جديدة، بل وأصبحت أكثر وطأة بعد أن تم تعزيزها بأحدث تكنولوجيا المراقبة والتنصت والتعذيب. 

لقد تأخرت روسيا كثيرا في التخلص من النظام الإقطاعي، فبينما تم إلغاء الإقطاع من بلاد أوروبا المختلفة بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر، ظل الإقطاع الروسي قائما حتى  القرن التاسع عشر، عندما قام الإمبراطور ألكسندر الثاني بإلغائه عام 1861. لقد طال عمر علاقات الاستبداد والتبعية الإقطاعية في روسيا لفترة طويلة جدا، الأمر الذي رسخ الثقافة السلطوية وعلاقات الاستتباع في المجتمع والسياسة الروسية، وهي الظواهر التي مازلنا نرى دلائل عليها في ذلك البلد إلى اليوم، والتي لا يبدو أنها من نوع الظواهر التي تجدي الثورات في معالجتها، على العكس فإنها لا تؤدي سوى إلى ترسيخها.

كانت روسيا ما قبل الثورة منكوبة بمظاهر الفقر وعدم العدالة الاجتماعية، لكن كان فيها نخبة مثقفة عميقة ومتينة التكوين، جاهدت من أجل إنتاج أفكار تخرج وطنها من حالته المزرية. من منا لا يعرف كتاب ومفكرين وموسيقيين عظام من أمثال تشيكوف ودوستويفسكي وتولستوي وبوشكين وجوركي ورحمانينوف وكورساكوف. ينتمي كل هؤلاء إلى حقبة ما قبل الثورة، فكم اسما يمكنك تذكره لمفكرين وكتاب وفنانون روس كبار أنجبتهم روسيا ما بعد الثورة؟ منحت الثورة لروسيا الصناعة والطاقة والقوة العسكرية، لكنها سلبتها الروح المفكرة الشاعرة.

كانت الأوضاع في روسيا قبل الثورة مزرية، وزادت الحرب العالمية الأولى من مأساوية الأوضاع هناك. كان من المستحيل للمجتمع الروسي مواصلة الحياة بنفس الطريقة، فالثورة كانت أمرا لا مفر منه. حدثت الثورة الروسية، مثلما تحدث الثورات عادة، عندما وصل النظام القائم إلى مستوى من الفشل لا يسمح بالإصلاح. عند هذه النقطة يخرج الناس بالألوف ضد النظام، الذي تتداعى مؤسساته، وتنهار معنويات رجاله. الثورة هي لحظة فشل النظام السياسي، ولحظة إعلان عجز القوى الحية في الأمة، عن التدخل بالإصلاح في الوقت المناسب، لتدارك الوضع قبل الوصول إلى لحظة الفشل الكبرى، التي تزيد فيها فرص العنف والتخريب.

الثورة هي لحظة فشل، ولا توجد أي وجاهة في الاحتفال بالفشل، أو اعتباره شيئا نبيلا يثير المشاعر الرومانسية. صحيح أن الثورة قد تؤدي أحيانا، إلى نتائج رائعة، فتنقل المجتمع من حال إلى حال، ولكن هذا مجرد احتمال، فأمام كل ثورة ناجحة هناك ثورات كثيرة فاشلة، وأخرى بدت لوهلة وكأنها قد نجحت، ليتم اكتشاف الحقيقة في الشهور والسنوات التالية، واسأل عن هذا الإيرانيين. 

قد تنتج الثورة تحولات رائعة، بالضبط كما قد يؤدي الوباء إلى نتائج إيجابية. لقد انتهى الإقطاع في أوربا بفعل عوامل عدة، من بينها مرض الطاعون الذي قتل ثلث السكان، وخلق ندرة في اليد العاملة، فحسن من القوة التفاوضية للفقراء، وحررهم من الالتزام بالتبعية الإقطاعية، بعد أن لاحت لهم فرصة الهجرة إلى المدينة. حتى الطاعون يمكن أن تكون له نتائج إيجابية رائعة، لكن هذا لا يجعل أحدا من العقلاء يروج للوباء؛ فمكافحة الوباء، واتخاذ ما يلزم للوقاية منه هو التصرف المنطقي العقلاني المتفق مع الحس السليم. بالمثل فإن الوقاية من الثورة، والعمل على تجنبها بكل السبل الممكنة هو التصرف المتفق مع الحس السليم، وهذا بالضبط هو ما يفعله الإصلاحيون، على عكس الثوريين، الذين يجاهدون لإصابة الأمة بالطاعون، ولتقريب اللحظة التي يضرب فيها الوباء ضربته. 

نقلا عن جريدة الأهرام، الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٠

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب