وحدة التسلح

اليوم التالي: هل يغير اتفاق جنيف لوقف إطلاق النار المشهد في ليبيا؟

تطرح الدروس المستفادة من التجربة الليبية تساؤلًا رئيسيًّا حول طبيعة الحلول التي تنتهجها الأمم المتحدة في المرحلة الحالية مع تزايد الزخم المتراكم بانعقاد الجولات التمهيدية التي تسبق انطلاق الحوار السياسي الشامل. فهل هي مجرد عملية تسوية لا تختلف عما سبقها من تجارب التسويات السياسية التي شهدتها الدورات الانتقالية المتعاقبة وارتبط كل منها بتسوية خاصة لم تؤدِّ إلى حل الأزمة وأعادت إنتاجها بأشكال مختلفة؟ أم أن هناك اتجاهًا حقيقيًّا للوصول إلى حلٍّ استراتيجي ينقل المشهد الليبي إلى مرحلة بناء السلام المستدام والاستقرار السياسي وإعادة بناء الدولة التي مزقتها الحروب والصراعات على مدار ما يقرب من عقد كامل؟ تقييم اتفاق جنيف لوقف…

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح

تطرح الدروس المستفادة من التجربة الليبية تساؤلًا رئيسيًّا حول طبيعة الحلول التي تنتهجها الأمم المتحدة في المرحلة الحالية مع تزايد الزخم المتراكم بانعقاد الجولات التمهيدية التي تسبق انطلاق الحوار السياسي الشامل. فهل هي مجرد عملية تسوية لا تختلف عما سبقها من تجارب التسويات السياسية التي شهدتها الدورات الانتقالية المتعاقبة وارتبط كل منها بتسوية خاصة لم تؤدِّ إلى حل الأزمة وأعادت إنتاجها بأشكال مختلفة؟ أم أن هناك اتجاهًا حقيقيًّا للوصول إلى حلٍّ استراتيجي ينقل المشهد الليبي إلى مرحلة بناء السلام المستدام والاستقرار السياسي وإعادة بناء الدولة التي مزقتها الحروب والصراعات على مدار ما يقرب من عقد كامل؟

تقييم اتفاق جنيف لوقف إطلاق النار

وقّع وفدا المسار العسكري في 23 أكتوبر 2020 بجنيف اتفاقًا تحت عنوان “اتفاق تام ومستدام لوقف إطلاق النار في ليبيا” تضمن عددًا من المحاور التي تعكس اتجاه هذا المسار في المدى القريب والمتوسط. وفي إطار الديناميات القائمة يمكن التوقف عند بعض النقاط: 

على مستوى الشكل: 

  • يرتبط العنوان الرئيسي الخاص للاتفاق بإقرار عملية وقف إطلاق النار، في دلالة على الهدف الرئيسي من الاتفاق، وإن كان يتضمن مبادئ وآليات عمل فإن الاتجاه الرئيسي هو تهيئة الأجواء اللازمة للمرحلة السياسية من خلال إنهاء مظاهر العسكرة التي يمكن أن تؤثر على المسار السياسي.
  • في الديباجة التي تضمنها نص الاتفاق تم تعريف الوفدين بأنهما يمثلان جيشين في ليبيا، أحدهما (الجيش الليبي) في الغرب، والآخر هو (الجيش الوطني الليبي)، وهو اعتراف أممي بوجود جيشين في البلاد يتم التعامل معهما على قدم المساواة، وبالتالي فإن كافة الترتيبات العسكرية تتعامل وفق هذا التعريف في المستقبل.
  • انطوى الاتفاق على خلط واضح بين القوات المسلحة والقوات الأمنية (الشرطية) في إطار الترتيبات الأمنية الخاصة بالعملية السياسية، على الرغم من أن هناك استقلالًا واضحًا في الملفين على أرض الواقع. ويبدو أن هذا الخلط متعمد كي يتماشى مع سياق الترتيبات في المنطقة الوسطى التي ستشهد عدة إجراءات عسكرية تتعلق بترتيبات المنطقة الوسطى، منها: إعادة هيكلة حرس المنشآت النفطية، وإبعاد القوات المسلحة من الجانبين إلى الخطوط الخلفية لضمان عدم التصعيد المسلح الذي تنامت وتيرته في الفترة الأخيرة. إضافة إلى عمليات الانتشار الشرطي الموازي في المنطقة الوسطى لتأمين المؤسسات الحكومية التي سيتم نقلها إلى سرت ما يعكس نضوج التفاهم حول هذه النقطة.

على مستوى المضمون:

  • تكريس الاتفاق لأن هناك جيشين مع خلو النص من عملية توحيد المؤسسة، يحمل عدة دلالات مهمة منها -على سبيل المثال- التعامل مع اللحظة الراهنة من خلال عدم تناول الملفات الصعبة التي قد تعوق التوصل إلى الاتفاق، بالنظر إلى المعضلة الهيكلية، وبناء إجراءات خطوات عملية على طريقة البناء من أسفل، كخطوات تمهيدية لنزع فتيل الأزمة، مع توفير آلية مستقبلية للحوار والتفاوض حول القضايا الفنية. وفي واقع الأمر فإنه لا توجد ضمانات حقيقية لاتجاه عملية التوحيد على الأمد المتوسط، وما تم اعتماده بصورة أكثر وضوحًا في هذا السياق هو تشكيل آلية اتصال وتنسيق مشتركة من خلال قوة عسكرية محدودة لغرفة عمليات، وإن كان النص ينطوي على غموض نسبي لكن المهمة واضحة لهذه الغرفة التي ستقوم بمهمة مراقبة وقف إطلاق النار وترتيبات الانتشار على التوازي مع إطلاق ترتيبات العملية السياسية.
  • غياب حسم إنهاء الوجود الأجنبي في البلاد، إذ اقتصر الاتفاق على إنهاء بعض المظاهر التي ترتبت على هذا التواجد، وتحديدًا إنهاء وجود المرتزقة الأجانب خلال 3 أشهر ووفق البند 2 من المحور الثاني من نص الاتفاق، إضافة إلى خروج أطقم التدريب إلى حين تسلم الحكومة الجديدة الموحدة لأعمالها، وعلى الرغم من أهمية هذه النقاط، لكنّ هناك نقاطًا إشكالية واضحة تتمثل في معضلات إخراج المرتزقة، مع اتساع مساحة خريطة هذه الفئات التي يتصدرها المرتزقة الذين جلبتهم تركيا إلى ليبيا، ويبلغ عددهم قرابة 18 ألف عنصر وفق متوسط حسابات التقديرات الموثوقة. وبالنظر إلى رد فعل الرئيس التركي في أول تعليق على مخرجات لقاء جنيف، شكك في إمكانية تنفيذ الاتفاق، إضافة إلى أنه ربط الأمر بمرتزقة “فاجنر” الروسية تحديدًا التي تقدرها تقارير أمريكية بنحو 2000-3000 عنصر، فضلًا عن مجموعات إفريقية أخرى، لا سيما من دول الجوار الليبي، وبالتالي تأكيد الرئيس التركي على عدم التزامه بتلك المخرجات، ملمحًا إلى أن اللجنة الأمنية ليست هي المفوضة بذلك، وإنما القيادة الأعلى، في إشارة إلى رئيس حكومة الوفاق “فايز السراج” الذي سيتعين عليه طلب ذلك بشكل رسمي من تركيا، ولا يعتقد أن تركيا ستقدم على هذه الخطوة بشكل سلس، بل ستُبقي عليها كورقة للمساومة في المستقبل.
  • في مقابل ذلك، أشار “صلاح المنقوش” -وزير دفاع الوفاق المفوض- إلى أن هذا الاتفاق لن يلغي الترتيبات المتفق عليها مع أنقرة، ويعزز من هذا الاتجاه لدى الوفاق الزيارات التي قام بها وفد عسكري من الوفاق برئاسة “محمد الحداد” -رئيس الأركان- إلى أنقرة بالتزامن مع إطلاق جولة المسار العسكري، إضافة إلى التحركات العسكرية التركية في الأجواء التركية في الوقت نفسه. في المقابل، تعكس تصريحات لمدير إدارة التوجيه المعنوي اللواء “خالد المحجوب” تعقبيًا على الاتفاق بأن هناك اعترافًا واضحًا بالوجود التركي بناء على الاتفاق المبرم مع الوفاق، حيث ركز على دورها في إنهاء تواجد المرتزقة، وهو تصريح يميل إلى الواقعية لكنه -في الوقت ذاته- يعكس تداعيات على الجانب الآخر تتعلق بموقف الجيش الوطني الليبي في الخطوة التبادلية بفض العلاقة مع الجانب الروسي، لا سيما بالنظر إلى موقف الأمم المتحدة من “فاجنر”.
  • معالجة قضية الإدماج التي تم التطرق إليها تتعلق بالإدماج على مستوى العناصر التي سيتم ضمها إلى الكيانات العسكرية التي أشار إليها الاتفاق، والتي تشمل العناصر العسكرية النظامية من الجانبين. وفي واقع الأمر فإن التشكيل (الهجين) للقوى العسكرية على الجانبين خلال الفترة الأخيرة سيزيد من تعقيد هذه الجزئية على الجانبين، وبالتالي فالأرجح هو القيام بتسوية وضع أغلب العناصر دون تسريحها من خلال عمليات إعادة التأهيل، لأن حجم المنتسبين إلى تلك المكونات والفصائل العسكرية وفق التقديرات الرسمية الليبية يفوق بثلاثة أضعاف القوة الرسمية للجيش النظامي في العهد السابق (80-90 ألفًا قوة أساسية – وميليشيات شعبية 40 ألفًا)، بينما وصل قوام الميليشيات والفصائل المسلحة بعد انهيار الجيش إلى حوالي 200 ألف عنصر تقريبًا، وبالتالي أكثر من ثلثي هذا العدد سيتم تسريحه، وهي نفس المعضلة التي ستواجه الفريق الفني في حال اعتمد مقاربة (الجيشين)، فالعناصر التي تم ضمها من خلال المؤسسات العسكرية لكل منهما خلال الفترة السابقة من خلال الأكاديميات العسكرية، لا تزيد على بضعة آلاف في الحالتين. كما أن هناك معضلة في هذا المسار ستواجه الفريق الفني للجيش الوطني بالنظر إلى مساحات الانتشار، فالجيش الوطني -على سبيل المثال- اعتمد على تحالفات قبلية في الجنوب بالأساس لضمان تأمين هذه المساحة، وتحديدًا من قبيلتي أولاد سليمان والمقارحة، حتى وإن كان هذا التحالف يضم بعض العناصر النظامية من جيش “القذافي” التي تتقارب بطبيعة الحال مع القيادة العامة، في إطار العداء الطبيعي مع القوى الوريثة للنظام السابق لكنها محدودة العدد، وبالتالي ستشكل خطوة تصفية هذه التحالفات معضلة لتأمين جبهة كبيرة. فإقليم “فزان” هو الجبهة الرخوة أمنيًّا لأكثر من سبب، منها: إشكالية الخلل في التوازنات القبلية والإثنية، إضافة إلى تمدد الميليشيات العابرة للحدود من دول الجوار التي تعمل في أنشطة غير قانونية، وبالتالي فإن فض تلك التحالفات دون ترتيبات انتقالية طويلة المدى وبشكل منظم سيفاقم من الأزمة الأمنية في الجنوب، وسيخلق إقليمًا أكثر اضطرابًا مما هو عليه الوضع حاليًّا، والبديل الأرجح هو استمرار اللجوء إلى الطبيعة المركبة في التكوين العسكري الذي تشكل في الخبرة الليبية من قوات نظامية وقوات رديفة، أو التي يطلق عليها القوات الشعبية.
أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح