وحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

السلام في أفغانستان: ماذا بعد الاتفاق بين طالبان والولايات المتحدة؟

أعلنت الولايات المُتحدة الأمريكية في عهد “جورج بوش الابن” دخولها أفغانستان في إطار ما عرف بـ”الحرب الكونية على الإرهاب” التي بدأتها الولايات المتحدة على خلفية أحداث 11 سبتمبر 2001، والتي نفذتها عناصر من تنظيم “القاعدة” انطلاقًا من أفغانستان في وقت كانت تسيطر فيه حركة طالبان على مقاليد الحُكم هُناك. وفي عهد الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” ازدادت الحرب ضراوة بين الطرفين واستمرت لمدة 19 عامًا خاضت خلالها واشنطن حربًا شرسة، ثم جاءت حقبة الرئيس الحالي “ترامب” ليتم الإعلان عن توقيع اتفاق سلام بين طالبان والولايات المتحدة في الدوحة في 29 فبراير 2020، وهو الاتفاق الذي تضمّن الإجراءات التي يجب الالتزام بها…

مني قشطة
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

أعلنت الولايات المُتحدة الأمريكية في عهد “جورج بوش الابن” دخولها أفغانستان في إطار ما عرف بـ”الحرب الكونية على الإرهاب” التي بدأتها الولايات المتحدة على خلفية أحداث 11 سبتمبر 2001، والتي نفذتها عناصر من تنظيم “القاعدة” انطلاقًا من أفغانستان في وقت كانت تسيطر فيه حركة طالبان على مقاليد الحُكم هُناك. وفي عهد الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” ازدادت الحرب ضراوة بين الطرفين واستمرت لمدة 19 عامًا خاضت خلالها واشنطن حربًا شرسة، ثم جاءت حقبة الرئيس الحالي “ترامب” ليتم الإعلان عن توقيع اتفاق سلام بين طالبان والولايات المتحدة في الدوحة في 29 فبراير 2020، وهو الاتفاق الذي تضمّن الإجراءات التي يجب الالتزام بها من الطرفين، والإطار العام لانسحاب القوات الأمريكية الموجودة في أفغانستان. جاء هذا الاتفاق بين الطرفين بعد سلسلة من المفاوضات لم تُفلح في تهدئة نيران الحرب بين الطرفين طيلة 19 عامًا. وهو ما طرح تساؤلات ترتبط بمآلات الوضع بين الطرفين، وإمكانية وواقعية تنفيذه على أرض الواقع، والمسببات الحقيقية التي تقف وراء الاتفاق بالنسبة لكلا الطرفين.

أولًا- نصوص الاتفاق:

حمل الاتفاق بين الطرفين جملةً من البنود يتمثل أهمها فيما يلي:

  • تعهد طالبان بمنع استخدام الأراضي الأفغانية للقيام بعمليات من شأنها تهديد أمن الولايات المُتحدة الأمريكية وحلفائها، وذلك عن طريق وقف تعاونها مع التنظيمات الإرهابية الأفغانية الأخرى، مثل: حركة حقاني، وتنظيم “القاعدة”.
  • خفض عدد القوات الأمريكية الموجودة في الأراضي الأفغانية إلى 8600 جندي. كما تضمن أيضًا خفض وجود قوات التحالف الموجودة في الأراضي الأفغانية.
  • جدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف المتبقية في أفغانستان خلال تسعة أشهر ونصف بعد المرحلة الأولى من سحب القوات. أتى هذا في ظل رؤية الولايات المُتحدة الأمريكية بعيدة المدى التي ترى أن الانسحاب السريع للقوات الأمريكية من أفغانستان قد يؤدي إلى عدم الاستقرار، وقد يجعل من أفغانستان معقلًا لنشاط الجماعات الإرهابية التي تمثل تهديدًا لأمن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها.
  • الاتفاق على تبادل آلاف الأسرى بينهما في إطار إعادة بناء الثقة بين الطرفين.
  • عقد مُفاوضات للسلام داخل أفغانستان بين حركة طالبان وأعضاء الحكومة الأفغانية.
  • إقامة علاقات إيجابية بين الطرفين، وأن تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تحقيق التعاون الاقتصادي، وإعادة إعمار أفغانستان مرة أخرى وعدم التدخل في شئونها الداخلية.

سياق محفز

تُوجد مجموعة من الظروف المُحيطة بالطرفين شكّلت حافزًا لعقد اتفاق للسلام بين الولايات المتحدة وطالبان منها:

  • رغبة الولايات المُتحدة الأمريكية في تحجيم خسائرها المالية والبشرية جراء وجودها على الأراضي الأفغانية في وقت يُعاني فيه الاقتصاد الأمريكي من جائحة فيروس كورونا المُستجد، فمنذُ تدخلها العسكري في أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 حتى توقيع اتفاق سلام مع حركة طالبان في فبراير 2020 تكبدت الولايات المتحدة خسائر بحوالي 2 تريليون دولار في الحرب، فضلًا عن الخسائر البشرية، حيثُ أودت الحرب بحياة أكثر من 2400 جندي أمريكي، و1100 جندي من قوات التحالف، و38000 من المدنيين الأفغانيين، فيما يعيد التذكير بتجربة مُشابهة هي الغزو الأمريكي لفيتنام والتي انتهت بهزيمة وانسحاب القوات الأمريكية بعد تكبدها خسائر مالية وبشرية كبيرة، ومن هنا يأتي حرص الولايات المتحدة الأمريكية على عدم تكرار التجربة مرة أخرى. ولذا سعت إدارة الرئيس الأمريكي “ترامب” إلى تحقيق الانسحاب، وخفض أعداد القوات الأمريكية الموجودة في الأراضي الأفغانية.
  • توجه “ترامب” لنقل الجانب الأكبر من القوات الأمريكية المتواجدة في أوروبا والشرق الأوسط نحو آسيا للتفرغ لمواجهة تصاعد الصين كقوة عظمى تمثل تحديًا للهيمنة الأمريكية على النظام الدولي.
  • رغبة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في تحقيق مكاسب في انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة، فمنذ توليه السلطة وعد بإعادة الجنود الأمريكيين إلى البلاد بعد رحلة طويلة وشاقة في أفغانستان، وعدم الانغماس في حروب لا طائل منها.
  • رغبة الولايات المُتحدة الأمريكية في تحقيق سلام أفغاني–أفغاني لمواجهة التنظيمات الإرهابية، ومن هنا جاء التركيز على إنجاح مفاوضات السلام داخل أفغانستان كجزء من اتفاق السلام بينها وبين حركة طالبان.
  • تستطيع الولايات المتحدة من خلال هذا الاتفاق أن تمارس ضغطًا على إيران، فنجاح الاتفاق بين طالبان والولايات المتحدة يضيق النطاق على إيران في أفغانستان التي تعد ساحة للحرب بالوكالة لإيران. لذا جاء الرفض الإيراني للاتفاق.
  • رغبة طالبان في انتزاع اعتراف أمريكي بشرعيتها من خلال توقيع اتفاق معها في غياب وتهميش للحكومة الأفغانية المعترف بها من الولايات المتحدة الأمريكية، مما يُقوي من موقفها في مفاوضات السلام الداخلية مع الحكومة الأفغانية، في محاولة منها لاستعادة الشرعية لنفسها. وبالمثل، بدا هذا واضحًا في كيفية تعامل طالبان مع تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد، حيث تصرفت كدولة مسئولة عكس ما فعلته الجماعات المتطرفة الأخرى (مثل: “داعش”، “والقاعدة”) التي استغلت الوباء لشن هجماتها. فقد قامت طالبان بإطلاق حملات توعية، وأعلنت استعدادها للتعاون مع المنظمات الدولية الإنسانية، مثل الصليب الأحمر، لمواجهة الأزمة. وهنا تبدو محاولة طالبان انتزاع شرعيتها، وإضعاف شرعية حكومة كابل الرسمية باتهامها بعجزها عن حماية المواطنين.
  • الوصول إلى اتفاق بانسحاب القوات الأمريكية تراه طالبان انتصارًا لها في الحرب الطويلة من وجهة نظرها.

مهدِّدات قائمة

ظهرت مجموعة من الظروف التي مثلت تحديًا كبيرًا لتطبيق اتفاق السلام، أهمها النزاع على السلطة بين الحكومة الأفغانية من جانب وحركة طالبان من جانب آخر، وازداد الأمر صعوبة مع انتشار فيروس كورونا المُستجد؛ حيثُ يُهدد فيروس كورونا اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وطالبان، بعد أن بذلت الولايات المتحدة الأمريكية جهودًا عدة لإنهاء الحرب الدائرة في أفغانستان في محاولةٍ منها للوصول إلى سلام أفغاني-أفغاني من خلال إجراء مفاوضات سلام بين حركة طالبان والحكومة الأفغانية المُعترف بها، وجاء فيروس كورونا المُستجد ليُهدد كل هذه الجهود ويهدد اتفاق السلام بين أمريكا وطالبان وسط مخاوف من انتشاره بالسجون.

فقد دعا الاتفاق بين الطرفين إلى أن تُفرِج الحكومة الأفغانية عن حوالي 5 آلاف سجين ينتمون لحركة طالبان، في مُقابل أن تفرج طالبان عن ألف أسير من الحكومة. ومع تفشي فيروس كورونا المُستجد في أفغانستان، حيث تجاوز عدد الإصابات بالفيروس 39 ألف مُصاب، ظهرت المخاوف الأمريكية من انتشار الفيروس بالسجون، فإذا أُصيب عدد كبير من أسرى الطرفين أو توفوا في السجون جراء انتشار الفيروس سيزداد الأمر صعوبة عند إجراء المفاوضات لتحقيق السلام بين الأفغان.

كما أن انتشار فيروس كورونا المستجد سيدفع الولايات المتحدة وحلف الناتو إلى سحب القوات من أفغانستان قبل المدة المُحددة، وهذا الانسحاب يعني خفض تمويل القوات الأفغانية أو وقفه مما يضعف من قدرة الحكومة الأفغانية على مواجهة هجمات حركة طالبان، وقد يتسبب هذا في فراغ أمني كبير يؤدي إلى تشجيع طالبان على تجاهل اتفاقها مع الولايات المتحدة، وإعادة تصعيد هجماتها العسكرية مرة أخرى، وقد تساعد حالة الفراغ الأمني على تهيئة الظروف لتنظيم “داعش” في خراسان لشن المزيد من هجماته الإرهابية.

من جانب آخر، إذا أخلّت طالبان بشروط اتفاقها مع واشنطن فقد يدفع هذا الولايات المتحدة إلى وقف الاتفاق، وقد يُضطر “ترامب” إلى سحب المساعدات المالية الأمريكية وسحب جميع القوات الأمريكية ليستفيد منها في مواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد، خصوصًا أنه على مشارف انتخابات رئاسية جديدة وهو في أمسّ الحاجة إلى تحسين صورته في الداخل الأمريكي، مما يؤدي إلى استمرار حالة الفراغ الأمني والصراع الدموي في أفغانستان.

تداعيات محتملة

بصورة عامة يُمكن القول إن الاتفاق مُربح للطرفين على المدى القصير، ومُربح أيضًا على المدى البعيد، فالاتفاقية يمكنها أن تُنهي القتال وتحقق عملية السلام في أفغانستان في حال صدقت النوايا وتبعها بخطوات تنفيذية على الأرض من قبل الطرفين، كما أن توقيع الاتفاق يوفر الموارد المالية البشرية التي تم استنفادها طيلة الحرب بين الطرفين.

ولكن في حال عدم التزام الطرفين بتطبيق الاتفاقية فسيكون لذلك تداعيات سلبية كبيرة على أفغانستان، وسيؤدي إلى استمرار الحرب الداخلية، لأن الاتفاق ترك طالبان في وضع أقوى إلى حدٍّ ما، أي منح الشرعية لطالبان التي ذبحت آلاف المدنيين الأفغان، ولم تحترم الدستور الأفغاني فعززت الاتفاقية قدرتها على القتال، كما نجد أن استبعاد الحكومة الأفغانية المُعترف بها عن محادثات الدوحة قد يؤدي إلى تعطيل تنفيذ الاتفاق ما لم تنجح أمريكا في تسوية النزاع الأفغاني-الأفغاني، وتهدئة النزاع بين الحكومة المعترف بها وحركة طالبان.

بالنسبة لعلاقة طالبان بالتنظيمات الإرهابية مثل “داعش” وتنظيم “القاعدة”، فبموجب هذا الاتفاق سوف تقطع حركة طالبان علاقاتها مع “القاعدة” ومع تنظيم “داعش” وباقي التنظيمات الإرهابية الأخرى، حيث إنه بموجب اتفاق السلام بينها وبين الولايات المتحدة تعهدت طالبان بعدم السماح باستغلال أفغانستان كساحة لتنفيذ أنشطة الجماعات الإرهابية التي تؤثر بدورها على الأمن القومي للولايات المتحدة.

مني قشطة
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة