إيران، الطائفية والارهاب

عضو الهيئة الاستشارية

تعليقا على مقالي الصادر الأسبوع الماضي بعنوان “داعش.. والعودة الحتمية”، أرسل لي صديق عراقي رسالة يقول فيها ان “داعش” وغيرها ممن اعتبرهم “حركات جهادية” أو التي تزعم انها جهادية لا تعدو كونها مجرد منظمات تخريبية مدعومة من دول اقليمية وأكثر هذه الدول دعما لها هي إيران! وأضاف أن إيران تأوي كل هذه الحركات وتدعمها جميعا لتحقيق حلمها الامبراطوري الذي لم يعد خافيا على أحد. ويقول ان العراقيين عايشوا كل هذه الفوضى وذاقوا ويلاتها ويعرفون الحقائق كاملة ويعرفون، أيضا، ان الميليشيات الشيعية أكثر خطرا من “داعش” وجرما ووحشية. وان التطرف السني في صورة “داعش” هو عمليات ثأرية بحتة للإجرام المفرط من الميليشيات الشيعية…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

تعليقا على مقالي الصادر الأسبوع الماضي بعنوان “داعش.. والعودة الحتمية”، أرسل لي صديق عراقي رسالة يقول فيها ان “داعش” وغيرها ممن اعتبرهم “حركات جهادية” أو التي تزعم انها جهادية لا تعدو كونها مجرد منظمات تخريبية مدعومة من دول اقليمية وأكثر هذه الدول دعما لها هي إيران! وأضاف أن إيران تأوي كل هذه الحركات وتدعمها جميعا لتحقيق حلمها الامبراطوري الذي لم يعد خافيا على أحد. ويقول ان العراقيين عايشوا كل هذه الفوضى وذاقوا ويلاتها ويعرفون الحقائق كاملة ويعرفون، أيضا، ان الميليشيات الشيعية أكثر خطرا من “داعش” وجرما ووحشية. وان التطرف السني في صورة “داعش” هو عمليات ثأرية بحتة للإجرام المفرط من الميليشيات الشيعية وحتى النظامية التي يشكل الشيعة غالبيتها.

لا أحد يختلف مع ما ذهب إليه صديقنا من أن الطائفية السياسية لا تقل فتكا من إرهاب “داعش” وأخواتها، بل هي أحد محركات التطرف والارهاب ليس في العراق فقط ولكن في المنطقة ككل. ولا أحد يختلف أيضا أنه بعد اجتياح العراق عام 2003 جرى تسييس الدستور والهوية الشيعية وتقسيم السكان سياسيا على أساس طائفي بإرادة أمريكية وإيرانية واضحة. ولولا وحشية الميليشيات الشيعية لما رأينا تنظيما مثل “الدولة الاسلامية في العراق” يجند الاف العراقيين السنة والبعثيين في صفوفه، لا لشيء سوى للانتقام لما تعرضوا له من ظلم واقصاء واضطهاد.

الطائفية والإرهاب هما، بلا شك، وجهان لذات العملة، وهما متداخلان ولا يمكن القضاء على أحدهما دون بتر الآخر. فهما يشكلان طيفا متداخلا في السبب والنتيجة إلى الدرجة التي يصعب عندها تحديد من يأتي أولا ومن هو نتيجة للثاني. والطائفية كمحرك والإرهاب كرد فعل (وأحيانا العكس) الاثنين تقتات منهما حركات الإسلام السياسي وسلطة “ولاية الفقيه”، الذي يجمعها تقارب أيديولوجي منذ البداية.

تأثَّرت الثورة الإسلامية الإيرانية بحركات الإسلام السياسي، وتحديدا جماعة الإخوان وأفكار سيد قطب، بحيث أسس مجتبى ميرلوحي، المعروف باسم “نواب صفوي”، جماعة فدائيان إسلام. ولعب دورا مهما في ربط الإسلاميين الشيعة بالحركات الإسلامية في دول أخرى ومنها مصر. وكانت تربطه علاقة بسيد قطب وكان يتقاسم معه الكثير من الآراء والنهج حول الحاكمية والجاهلية والجهاد. أيضا، قام السيد علي خامنئي عام 1966 بترجمة كتاب “المستقبل لهذا الدين”، لسيد قطب للغة الفارسية وكتب مقدمته، وعندما أصبح مرشدا أعلى للثورة الإيرانية بعد وفاة الخميني، أصبحت مؤلفات سيد قطب تدرس في مدارس الإعداد العقائدي لـ”الحرس الثوري الإيراني”. وقد فرضت إيران مفاهيم التشيع السياسي في المنطقة من خلال أذرع وامتدادات فكرية عديدة.

مثلما تأثرت الثورة الإسلامية الإيرانية بالحركات الإسلامية السياسية فقد أثرت فيها وباتت الثورة الإيرانية وتسلُّم الملالي الشيعة للحكم في إيران، وتأسيس سلطة “ولاية الفقيه” مصدر إلهام لإقامة “دولة إسلامية” سنية، على غرار الدولة الإسلامية الشيعية. وكان سبيلها في تحقيق ذلك هو سلاح “الدين” الذي تم تفسيره وتفصيله على مقاس أهدافها الدنيوية، ووسيلتها في ذلك العنف الذي تزايد بوتيرة متسارعة. وتعززت الظاهرة الطائفية بظهور تنظيم القاعدة الذي قدم، منذ ثمانينيات القرن الماضي، تصورا جهاديا سنيا وتمكن من تحقيق حضور عقائدي، حتى في الدول العربية التي لا تعرف تنوعا طائفيا سنيا-شيعيا.

إذا كان الإسلام السياسي وما تمخض من رحمه من جماعات جهادية وارهابية يطمح، بالقوة والعنف، الى إقامة دولة الخلافة والسيطرة على العالم السني، فقد ذهبت إيران ابعد من ذلك، حيث اشار الدستور الإيراني في مقدمته بشكل صريح إلى واجب الدولة في تصدير “الثورة الإسلامية” إلى الإقليم من خلال الحرس الثوري الإيراني. هذا يضمن لإيران الغطاء الدستوري والقانوني للتدخل في الأمور الداخلية للدول المجاورة لها، وتوسيع الثورة الايرانية إلى خارج حدودها المحلية، وانطلاق المد الصفوي لإقامة الهلال الشيعي.

منذ نهاية الحرب العراقية-الايرانية أعدت إيران خطة استراتيجية بأدوات ناعمة وصلبة للانتقام من المعسكر السني العراقي. وقد تسنى لها تحقيق هدفها بعد غزو العراق حيث تمكنت الميليشيات المدربة والمسلحة من قبل إيران، من إعمال أيدولوجيات التقسيم الطائفي من أجل تقسيم البلاد، بتأييد أمريكي.  وتم استغلال العراق كسرداب طائفي تنفذ فيه/من خلاله مخططات إيران التقسيمية. وعلى مدار السنوات، رفعت طهران تدريجيا من سقف تداخلاتها في المنطقة وخارجها محركة وموظفة الحراك الطائفي بهدف إخراجه من مجرد تفريعات مذهبية للديانة الإسلامية، ليصبح اجساما سياسية واجتماعية وثقافية تبغض بعضها البعض وتتقاتل فيما بينها.

هذا الصراع الطائفي أحدث انقساما في عدة مجتمعات عربية، وتسبب في تغيير عميق للأولويات الوطنية والقومية وأدى الى استنزاف مقدرات الدول على حساب الأولويات الداخلية الحقيقية المتمثلة في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة. وإذا استمرت إيران في التعبئة للطائفية تحت ذرائع “المظلومية التاريخية” و”الأقلية المقصاة”، فذلك لن يفضي سوى للمزيد من العنف والإرهاب ويديم الصراع ويجعله أكثر دموية ووحشية. هذا ما تريده إيران وهذا ما يجب ان يتصدى له العالم أجمع!

نقلا عن جريدة الأهرام

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب