أكتوبريات؟!

رئيس الهيئة الإستشارية

بات لشهر أكتوبر مكانة في النفس لا يضاهيها شهر آخر؛ هو بداية الخريف نعم وما يأتي معه من لطافة في الطقس وابتعاد لحرارة قيظ صيف بات في السنوات الأخيرة طويلا حتى ابتلع سبتمبر في ثنائية السخونة والرطوبة في آن واحد. الشهر فوق ذلك هو نقطة فارقة في تاريخ جيلنا الذي ابتلي في لحظة بنكسة لكثير من الأحلام والآمال العظيمة للوطن بقدر ما هي للفرد التي قال عنها نجيب سرور أنه كان بمقدورنا أن نخدش وجه السماء ونضرب بالكف وجه الأسد. ولكن بقدر ما عشنا وكتبنا عن لحظة الابتلاء فإن المسيرة بعدها كانت فيها تجليات موحية بالقدرة والعزم على تجاوز الجروح…

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

بات لشهر أكتوبر مكانة في النفس لا يضاهيها شهر آخر؛ هو بداية الخريف نعم وما يأتي معه من لطافة في الطقس وابتعاد لحرارة قيظ صيف بات في السنوات الأخيرة طويلا حتى ابتلع سبتمبر في ثنائية السخونة والرطوبة في آن واحد. الشهر فوق ذلك هو نقطة فارقة في تاريخ جيلنا الذي ابتلي في لحظة بنكسة لكثير من الأحلام والآمال العظيمة للوطن بقدر ما هي للفرد التي قال عنها نجيب سرور أنه كان بمقدورنا أن نخدش وجه السماء ونضرب بالكف وجه الأسد. ولكن بقدر ما عشنا وكتبنا عن لحظة الابتلاء فإن المسيرة بعدها كانت فيها تجليات موحية بالقدرة والعزم على تجاوز الجروح العميقة في القلب والروح. أكتوبر بات تجربة شخصية فيها الكثير من الاختبار لمدي القدرة على تحمل أعوام من التجنيد والحياة العسكرية بعد سنوات من العرف الذي جري عن خدمة عسكرية لسنة واحدة فقط للمؤهلات العالية فإذا بها وقد دعا الداعي إلى تغيير سمات الجندي المصري، تمتد لسنوات سبع لبعضنا، وبالنسبة لي كانت أربعة سنوات كان أكثر من نصفها على الجبهة، والنصف الآخر كان إما للتدريب في معاهد عسكرية أو للمكوث في وحدات صحراء القاهرة. جاء الاختبار لما ذكرناه في هتافاتنا من دعوة إلى الحرب وغسل عار وتجاوز هزيمة، رفعت كلها في سلسلة المظاهرات التي جرت اعتبارا من فبراير ١٩٦٨ التي جاءت احتجاجا على أحكام الطيران وحتى شتاء ١٩٧٣ بشكل متقطع أحيانا ومتواصل أحيانا أخري. كان الشباب المصري مختلفا عن كل شباب العالم الذي خرج ثائرا على الحرب الفيتنامية، والتحقت بها قضايا اجتماعية وثقافية أخري، كلها أكدت أن “الحب” أهم من “الحرب”؛ وبالنسبة لنا كانت “الحرب” أهم من كل شيء آخر. كانت اللحظة فارقة ليس فيها مساومة ولا خلاف؛ وعندما مضي عام ١٩٧١ دون حرب خرجت مظاهرات الطلبة مرة أخري ترفض الانتظار بينما كان الرئيس السادات يضع الوطن كله على طريق المعركة الكبرى. 

كان الاختبار للتحمل ليس فقط البدني وإنما أيضا العقلي بعد حياة اجتماعية مدنية ناعمة بكل المقاييس التي جاءت بعدها، حتى عندما بات ضروريا الحصول على فرقة للحرب الكيماوية، وأخري للتوجيه المعنوي (وهذه كانت لها الثقة الأوثق بالدراسة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية)، والثالثة في المساحة العسكرية وفي حقيقتها كانت تدريب على عربة جيب جديدة تستطيع بالخرائط تحديد المواقع بدقة. كانت GPS ذلك العصر وعنوانا على أشكال جديدة من التقدم التكنولوجي. كانت الكتيبة ٦٤٥ مقذوفات موجهة مضادة للدبابات التي كانت معلومة بأنها م.م.م.د، واختصارها م.د وكفي. وكما علمنا فيما بعد أن هذه الصواريخ كانت انقلابا في العلم العسكري والاستراتيجي الذي ربما بدأ بأول صاروخ بحري عرفه التاريخ عندما انطلق من زورق صواريخ مصري إلى المدمرة الإسرائيلية إيلات ويغرقها ولم ينتهي حتى الآن. كانت حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر مجمعا كبيرا للتجديد في علوم الحرب والمفاجأة الاستراتيجية والتفاوض السياسي. قبلها كان ميزان القوي العسكري يقوم على الأسلحة الثقيلة من مدفعية ومدرعات وبالطبع الطائرات وكان لدي إسرائيل منها نوعيات متقدمة وثقيلة النيران. الدرس المصري الأعظم في الحرب كان القرار بالقتال مستخدمين ما هو متاح من سلاح، وحتى يكون ذلك كذلك فلا مناص من كون الأسلحة الدفاعية أسلحة هجومية في نفس الوقت. وهكذا كانت وحدتنا الكتيبة التي يقودها المقدم جميل حفيظ ورئيس عملياتها الرائد محمد عبد الوارث هي التي عليها المشاركة في هجوم الفرقة ١٦ مشاة بكامل هيئتها المدرعة والصاروخ من نوع “مالوتيكا” الذي مداه ثلاث كيلومترات ويحمل على الأفراد والعربات الجيب والعربات المدرعة. كنت رقيب الاستطلاع في هذا النوع الأخير الأكثر تقدما، وكانت الوظيفة فضلا عن مراقبة احتمال استخدام الحرب الكيماوية، تحديد الأهداف وإرسالها عبر اللاسلكي إلى قادة العربات المدرعة والموجهين فيها الذين بات عليم اصطياد مدرعات العدو. في نهاية الحرب كانت كتيبتنا قد دمرت ٥٤ وحدة عربة مدرعة منها ٤٠ دبابة، وحصل أحد موجهينا علي نجمة سيناء (الرقيب محمد صادق)، وآخر علي وسام الجمهورية. كان من واجباتي أيضا كتابات يوميات الحرب، ليس يوما بعد يوما، وإنما ساعة بعد ساعة، ولحظة بعد لحظة. 

التجربة ليست مثل أي من التجارب الأخرى في الحياة الإنسانية، الحرب دراما عظمي تبدأ من قرار الحرب وحتى قرار صنع السلام، وما بينهما تصعد دول وتزول إمبراطوريات، وكان نصيبنا أن نضع حدا لتوسع الإمبراطورية الإسرائيلية. ولعلها لم تكن صدفة أن اليوم الكبير السادس من أكتوبر كان يوما للعبور ويوما لشهادة قائد عظيم رئيس الدولة محمد أنور السادات. في يوم واحد جري تلخيص طبيعة التحدي التاريخي المصري في أنقي وأصفي لحظاته على القدرة وعلى الفداء؛ وهو تحدي يظهر فيه التناقض الحاد والصارم بين الخير والشر، والبطولة والجبن. لم يكن اغتيال الرئيس السادات مجرد مقتل لزعيم شجاع، وإنما هو كان الحد الفاصل ما بين القدرة على اختراق المستقبل بروعة أداء القوات المسلحة؛ ولا يقل عن ذلك أهمية شجاعة التعامل معه. المستقبل ليس مجرد كلمة تصف الزمن القادم، وإنما هي مفهوم يعني تحرك كل عناصر القوة والتغيير لكي تجعل ما مضي ماضيا وما سوف يأتي مضيئا لامعا يكون عنده دوام اختبار النصر. بشكل أو بآخر كان الرئيس السادات هو الذي وضع البذور الخصبة لأن تكون مصر جزءا من عصرها، وطرفا في جانب المنتصرين، وتنمية تبدأ تلك الرحلة الصعبة نحو التنمية الاقتصادية بالخروج من وادي النهر الضيق إلى فضاء البحر الشاسع؛ ولا تنتهي بإقامة نظام سياسي جديد يقوم على تعدد الأحزاب والحفاظ على الحريات العامة. اغتيال الرئيس كان اغتيالا لفرصة كبيرة في التاريخ المصري قام بها القوي الفاشية التي ظلت تطارد المستقبل المصري علي مدي ثلاثة عقود حتى جاء انفجار كبير سرعان ما أتاح ثورة يونيو التي فتحت الأبواب على مصراعيها لمستقبل جديد. رحم الله الزعيم وجميع شهداء مصر الأبرار.   

نقلا عن جريدة الأهرام، الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٠ 

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

البعث