قصة الأمريكان والإخوان

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

العلاقة بين الإخوان المسلمين والولايات المتحدة لا يمكن اختزالها فيما جاء في رسائل البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون، أو الوصول منها لنتيجة أن وصول جو بايدن للبيت الأبيض يعنى بالضرورة العودة لسيناريوهات عام ٢٠١١، حين راهنت إدارة الرئيس السابق أوباما على تيار الإخوان المسلمين وساندت وصولهم للحكم. فقصة الإخوان وأمريكا لها فصول كثيرة، كما أن مياها كثيرة جرت في النهر (مصريا وأمريكيا) أضعفت الرهان على الإخوان في بورصة السياسة، حتى لو تبنته إدارة بايدن. قصة الولايات المتحدة والإخوان بدأت قبل عقود من وصول أوباما للحكم، ومع بدء تصاعد المد الشيوعي، حيث أدركت الإدارات الأمريكية أن الدين (الإسلام) يمكن استخدامه في الحرب…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

العلاقة بين الإخوان المسلمين والولايات المتحدة لا يمكن اختزالها فيما جاء في رسائل البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون، أو الوصول منها لنتيجة أن وصول جو بايدن للبيت الأبيض يعنى بالضرورة العودة لسيناريوهات عام ٢٠١١، حين راهنت إدارة الرئيس السابق أوباما على تيار الإخوان المسلمين وساندت وصولهم للحكم. فقصة الإخوان وأمريكا لها فصول كثيرة، كما أن مياها كثيرة جرت في النهر (مصريا وأمريكيا) أضعفت الرهان على الإخوان في بورصة السياسة، حتى لو تبنته إدارة بايدن.

قصة الولايات المتحدة والإخوان بدأت قبل عقود من وصول أوباما للحكم، ومع بدء تصاعد المد الشيوعي، حيث أدركت الإدارات الأمريكية أن الدين (الإسلام) يمكن استخدامه في الحرب الباردة لاحتواء النفوذ السوفيتي في العالم الإسلامي باعتبار أن أيديولوجيته الشيوعية معادية للدين، ومن ثم قامت بالتوافق مع النظم والتيارات الإسلامية.

الفصل الثاني من القصة بدأ مع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩، والتي نظر قادتها للولايات المتحدة على أنها الشيطان الأكبر، وأدركت واشنطن قوة الإسلام السياسي، وخطأ عدم التواصل مع قادة الثورة قبل اندلاعها، ومن ثم تم توجيه موارد أمريكية ضخمة للدراسة والتواصل مع قوى الإسلام السياسي.

الفصل الثالث من القصة كان أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١، والهجوم الإرهابي على الداخل الأمريكي، والذي أسفر عن تبنى واشنطن لاستراتيجية تغيير النظم في العالم العربي، والتفرقة بين ما سمته بتيار الإسلام الراديكالي (العنيف) وتيار الإسلام المعتدل. وسعت إلى دمج التيار الأخير في النظم السياسية العربية باعتباره فصيلا شرعيا من القوى السياسية، وأن وجوده على السطح سيمنع تحوله إلى العنف، والأهم أنه سيقلل نقمته على أمريكا، واعتبرت الإخوان المسلمين جزءا من هذا التيار، وقد تصاعد التواصل الأمريكي الإخواني بعد ٢٠٠١، وأخذ شكلا علنيا متصاعدا مع تزايد أعضاء الإخوان في برلمان ٢٠٠٥.

الفصل الرابع لقصة الأمريكان والإخوان تبلور مع أحداث يناير ٢٠١١، والتي تعبر رسائل هيلاري كلينتون عن جزء منها، فبعد مرحلة قصيرة من الاضطراب والانقسام داخل صفوف الإدارة الأمريكية حول كيفية التعامل مع هذه الأحداث، تبنى الرئيس أوباما خيار السير في طريق كان معروفا سلفا أنه سوف يؤدى لوصول الإخوان للحكم، وكان مدفوعا لذلك بمجموعة من الشباب الذى يعملون معه داخل البيت الأبيض، وباحثين من مراكز الفكر الليبرالية، كما دخل على المشهد في ذلك الوقت الرئيس التركي أردوغان والذى كان من أصدقاء أوباما وقتها، وساهم في إقناعه بأن الإخوان قد تغيروا وأن الأجيال الجديدة منهم أكثرا اعتدالا وقبولا للتوجهات الغربية مثل أعضاء حزبه في تركيا. وحدث ما حدث، حتى تمت الإطاحة بالإخوان في مصر في يوليو ٣٠١٣، والتي وقفت منه إدارة أوباما موقفا عدائيا.

اليوم ومع احتمال وصول جو بايدن (نائب أوباما) للبيت الأبيض هل يعنى ذلك عودته لرهانات ٢٠١١؟

مياه كثيرة جرت في النهر منذ ذلك التاريخ تجعل صعوبة تكرار ذلك الرهان، أولها رؤية القيادات المصرية الآن للإخوان وللولايات المتحدة والتي تختلف عن تلك التي كانت سائدة في ٢٠١١ وما قبلها، كما أن هناك تيارا واسعا في النخبة الأمريكية يرى أن تجربة حكم الإخوان قد فشلت، والأفضل هو العودة لخيارات ٢٠٠١ وليس ٢٠١١، أي التعامل مع الإخوان كفصيل سياسي وليس كخيار للحكم. ولكن التغير الأهم في السنوات الأخيرة هو أن غالبية الشعب المصري قد ترسخ لديه رؤية سلبية عن فترة حكم الإخوان، وعنهم كفصيل سياسي، وهو ما سيجعل أي رهانات أمريكية بخصوص الإخوان مجرد أفكار نظرية ومنغصات سياسية، في حالة وصول بايدن للبيت الأبيض.

نقلا عن جريدة المصري اليوم، الإثنين ١٩ أكتوبر ٢٠٢٠

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر