على الطريق الصحيح للدستور الليبي

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

استضافت القاهرة، الأسبوع الماضي، أهم الجولات التفاوضية الليبية، وهي الجولة المعنية ببحث مستقبل الدستور الليبي الدائم، عُقدت الجلسات برعاية البعثة الأممية الخاصة بليبيا، وشارك فيها العديد من الأطراف ممثلين عن البرلمان والمجلس الأعلى، والبعض من الهيئة التأسيسية التي قامت بالعمل على مشروع الدستور الذي جرى الانتهاء منه عام 2017. ورغم خروج الجولة بنتائج ذهبت إلى إرجاء أمر التوافق بينهم إلى جولة قادمة تعود إلى القاهرة مرة أخرى خلال أسابيع، إلا أن هناك العديد من الإيجابيات التي بدت في طيات اجتماعات الأطراف، التي تضمهم للمرة الأولى تحت عنوان التباحث حول دستور الدولة الليبية. كما كان بارزاً حجم الدعم المصري الذي يوليه…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

استضافت القاهرة، الأسبوع الماضي، أهم الجولات التفاوضية الليبية، وهي الجولة المعنية ببحث مستقبل الدستور الليبي الدائم، عُقدت الجلسات برعاية البعثة الأممية الخاصة بليبيا، وشارك فيها العديد من الأطراف ممثلين عن البرلمان والمجلس الأعلى، والبعض من الهيئة التأسيسية التي قامت بالعمل على مشروع الدستور الذي جرى الانتهاء منه عام 2017. ورغم خروج الجولة بنتائج ذهبت إلى إرجاء أمر التوافق بينهم إلى جولة قادمة تعود إلى القاهرة مرة أخرى خلال أسابيع، إلا أن هناك العديد من الإيجابيات التي بدت في طيات اجتماعات الأطراف، التي تضمهم للمرة الأولى تحت عنوان التباحث حول دستور الدولة الليبية. كما كان بارزاً حجم الدعم المصري الذي يوليه لهذا الاستحقاق الاستراتيجي الذي يمثل المظلة الجامعة لجميع المسارات الأخرى؛ السياسية، والعسكرية والأمنية، والاقتصادية، باعتبار الوثيقة الدستورية هي الوثيقة الأم للدولة، تعرفها، وتحدد ملامحها وهويتها، وأركانها، وتحدد بدقة جميع المسئوليات والواجبات التي ستضطلع بها مؤسسات الدولة المختلفة.

في استعراض سريع لوجهات النظر التي ارتأتها الأطراف الليبية، والتي عبر عنها البعض في بيانات وتصريحات أثناء وبعد تلك الجولة، يبدو الأمر في حاجه ماسة إلى التحلي بأكبر قدر من سعة الصدر، ونفاذ الرؤية إلى المستقبل من جانب جميع الأطراف كي يصل هذا المسار إلى مبتغاه. فهناك وجهة نظر تتبنى ضرورة استحضار الدستور الذي جرى إنجازه في العام 2017، باعتبار هيئته التأسيسية التي تتألف من 60 عضواً يمثلون أقاليم ليبيا الثلاثة بالتساوي، ولا تتبع أي سلطة في البلاد، فضلاً عن أنها هيئة منتخبة من الشعب. ويطرح أصحاب وجهة النظر تلك أن المنجز الدستوري يجب الحفاظ عليه، ولا يحق لأي جهة كانت، سواء داخلية أو خارجية، الالتفاف أو العدول عن هذا الاستحقاق، الذي يمكّن الشعب الليبي من الاستفتاء على مشروع الدستور، وحقه في تقرير مصيره بنفسه، إما بالموافقة عليه في الاستفتاء بكلمة (نعم)، حينها يجرى اعتماده دستوراً دائماً للبلاد، وإما بكلمة (لا) فيتم إعادة المشروع للهيئة لتعديله، وفقاً لإرادة الشعب الليبي عبر عملية استفتاء شعبي حرة ونزيهة. ويرى الطرف الذي يتبنى ذلك الأهمية الكبيرة لتدعيم فكرة ممارسة الشعب الليبي لحقه في بناء المستقبل، وأنها نقطة تأسيسية للمضي قدماً بهذا الاتجاه.

وجهة النظر المقابلة لهذا الطرح، قد تتفق على نحو كبير مع تلك المبادئ التي تعزز من المشاركة الشعبية، وترى قدر أهميتها، بل واعتبارها العامل المرجح بالتأكيد. لكنها تعتبر ذلك السياق الذي جرى طرحه، يعد نظرياً إلى حد بعيد بالنظر للأوضاع على الأرض الليبية، فالسياق العام الذي يجرى فيه طرح هذه الآلية مزدحم بالتحديات، التي قد تتسبب في إجهاضه والعودة بالمسار الدستوري للدوران في حلقة مفرغة. أبرز تلك التحديات يطل التحدي الأمني ليمثل إشكالية كبيرة، في ظل سيولة واسعة تتمدد على مساحات ومناطق عدة، قد يكون إجراء الاستفتاء فيها شبه مستحيل. بجوار الفوضى الأمنية والانتشار غير المنضبط للسلاح غير الشرعي، يأتي التحدي اللوجيستي ليشكل هو الآخر عامل ضغط حقيقي على فرضية الاحتكام للاستفتاء الشعبي، فقاعدة البيانات التي يجب العودة إليها في مثل تلك الاستحقاقات أصابها تدمير هائل، فضلاً عن العدد الذي يقدر بالمليون لأبناء الشعب الليبي المخاطب بهذا الطرح، وهو ما بين مغادر لليبيا إلى بلدان الجوار وغيرها أو اضطر للنزوح القسري، تحت وطأة التهديد الأمني.

وتبقى إشكالية لا تقل أهمية عما سبق، وهي الأكثر ارتباطاً بالواقع الليبي والخريطة الزمنية التي مر بها خلال الثلاث سنوات الماضية، حيث جرت في نهر الأحداث العديد من المتغيرات المتراكمة، وهي بجانب فعل التراكم اتسمت أيضاً بالتفاعل النشط، الذي أنتج واقعاً أبعد ما يكون عن عام 2017، عام إنجاز الوثيقة المطروح مصيرها للنقاش اليوم. ربما الجانب الإيجابي فيه أن جميع الأطراف الليبية اكتسبت قدراً من النضوج ووضوح الرؤية، يصبح من الأوفق استثماره وتفعيل مخرجاته، التي تجلت بداية في ذهاب ذات الأطراف المعنية إلى موائد الحوار والتوافق، بديلاً عن فرض الحلول باستخدام القوة، كما راهن البعض على ذلك قبلاً. ويسمح هذا النضوج اليوم بتبصر ليبي واقعي للتحديات والمهددات، التي تراوح المرحلة الانتقالية القادمة، حتى لا تسقط في فخ إعادة إنتاج الصراع، حال استغراق الأطراف في البحث عن المكاسب أو الانزلاق وراء شهوة الإقصاء والاستحواذ. وقد يسمح التراكم أيضاً بالقدرة على الإمساك بالمفخخات، وتفكيكها بهدوء ورويّة، وعدم السماح باختبارها مرة أخرى على الأرض، ظناً أنها يمكن أن تنتج فعلاً مختلفاً، فاليوم تحصين عملية بناء المرحلة الانتقالية وتدعيم خطوات التفاوض بما يحميها، تبدو هي فرض العين على جميع الأطراف الليبية، حتى قبل تناول مضمون الخطوات ذاتها

لذلك قد يكون من الأوفق، فيما يخص المسار الدستوري، البحث عن المهام اليسيرة والمختصرة والواضحة، التي قد تساعد الأطراف في إنجاز وتأسيس المسارات الأخرى على نحو توافقي، بدلاً من تحميل المشهد أعباء الطعن في مشروعية الخطوة، حيث تظل حلاً سهلاً للطرف الذي لن يجد ضالته فيما أنجز، أو وجد المسار ينحرف متجاهلاً مثلاً أن هناك العديد من الطعون القانونية قدمت بحق تشكيل وعمل الهيئة التأسيسية وبحق المحتوى القانوني للوثيقة، في الوقت الذي لم يفصل القضاء الليبي في أي منها. وهي مؤاخذات قانونية يصعب تجاوزها، ومن الواجب الالتفات إليها حتى وإن ظل المنتج الدستوري المشار إليه مجمداً خلال فترة الثمانية عشر شهراً على سبيل المثال، لحين إخضاعه للتنقيح والتعديل قبل الطرح وليس بعده. فهذه من خطوات تعزيز وبناء الثقة، التي على قدر من الأهمية وواقعية التعامل مع متطلبات كل طرف، قبل الذهاب إلى الحوار السياسي الشامل، الذي أصبح مؤخراً يتمتع بزخم ودعم دولي وإقليمي كبير، يجعل السماح بانتكاسة من أي طرف خطيئة وطنية بحق الشعب الليبي، المرهق من تداعيات سنوات الانقسام، ومن مطامع القوى التي لا يهمها سوى إطالة أمد الصراع.

نقلا عن جريدة الوطن، الإثنين ١٩ أكتوبر ٢٠٢٠

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب