تنمية ومجتمع

“لأجل الإنسانية”: لقاحات كورونا وحوافز التطوع في التجارب السريرية

وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، في مطلع شهر أكتوبر 2020، يعكف الباحثون في مختلف المراكز البحثية العالمية، علي تطوير ما يزيد عن 190 لقاحاً ضد فيروس كورونا المستجد، نجح اثنان وأربعون لقاحاً فقط، من إجمالي تلك اللقاحات المقترحة للفيروس، في الوصول إلي مرحلة الاختبارات السريرية، منها ثلاثون لقاحاً في المرحلة الاولي، ولقاحان في المرحلة الثانية، وعشرة لقاحات في المرحلة الثالثة والأخيرة من التجارب السريرية. يتم إجراء تلك التجارب السريرية على اللقاحات بالاستعانة بعدد كبير من المتطوعين الأصحاء، والذين تزيد أعمارهم عن 18 عاماً؛ أي أن تطوع الأفراد للمشاركة في هذه التجارب هو الأساس في عملية التوصل للقاح…

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة

وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، في مطلع شهر أكتوبر 2020، يعكف الباحثون في مختلف المراكز البحثية العالمية، علي تطوير ما يزيد عن 190 لقاحاً ضد فيروس كورونا المستجد، نجح اثنان وأربعون لقاحاً فقط، من إجمالي تلك اللقاحات المقترحة للفيروس، في الوصول إلي مرحلة الاختبارات السريرية، منها ثلاثون لقاحاً في المرحلة الاولي، ولقاحان في المرحلة الثانية، وعشرة لقاحات في المرحلة الثالثة والأخيرة من التجارب السريرية.

يتم إجراء تلك التجارب السريرية على اللقاحات بالاستعانة بعدد كبير من المتطوعين الأصحاء، والذين تزيد أعمارهم عن 18 عاماً؛ أي أن تطوع الأفراد للمشاركة في هذه التجارب هو الأساس في عملية التوصل للقاح ضد هذا الفيروس القاتل، فما الذي يحفز الأفراد على المشاركة في التجارب السريرية، وهل يجب أن تكون هذه المشاركة تطوعية بالكامل، أم من الممكن أن تتضمن عدد من الحوافز التي تقدم للمتطوعين؛ تقديراً لهم علي المشاركة؟

مراحل اجراء التجارب السريرية على اللقاحات

يمر تطوير وانتاج اللقاحات بعملية دقيقه ومعقدة للغاية، تتكون من عدة مراحل، قبل أن يتم اعتماده رسمياً وبدء انتاجه. فبعد أن يتم التأكد من فعالية اللقاح مختبرياً يتم تجربته على حيوانات التجارب، ويطلق علي هذه المراحل الاختبارات ما قبل السريرية للقاح. ثم يتم اختبار اللقاح سريرياً على البشر علي ثلاث مراحل، وهي الخطوة التي تستغرق سنوات عدة قبل اتمامها بالكامل، فأسرع مدة تم خلالها انتاج لقاح ضد فيروس بلغت أربعة سنوات، فيما تستغرق عمليه انتاج معظم اللقاحات عادة من عشرة إلى خمسة عشرة عاماً. يجري في المرحلة الأولى من التجارب السريرية تقييم درجة أمان اللقاح، وفيها تجرى الاختبارات على مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين يتمتعون بصحة جيدة؛ لمعرفة تأثيرات اللقاح على البشر، بما في ذلك التأثيرات العلاجية، والجرعات الآمنة منه. وفي حال أظهرت نتائج المرحلة الأولى سلامة اللقاح، يتم البدء في تجارب المرحلة الثانية، والتي تتم على مجموعة أكبر من الأشخاص لتحديد مدى فعاليته. وإذا أظهرت نتائج اختبارات المرحلة الثانية أن اللقاح المقترح آمن وفعال، تبدأ اختبارات المرحلة الثالثة من التجارب السريرية؛والتي يتم خلالها تجربة اللقاح على مجموعة أكبر من المشاركين.

أنواع ودوافع المشاركة في التجارب السريرية

يمكن تقسيم التجارب السريرية للتدخلات العلاجية إلي نوعين رئيسيين. النوع الأول، هو التجارب السريرية المدفوعة؛ ويتم اجراؤها عادة على متطوعين أصحاءتزيد أعمارهم عن ثمانية عشر عاماً، على سبيل المثال، خلال المرحلة الأولي من التجارب السريرية للتدخلات العلاجية أو خلال المراحل الثلاث للتجارب السريرية علي اللقاحات. ويحصل المشاركون في هذه التجارب علي تعويض في مقابل نفقات الانتقالات، والوقت المُهدر،والمجهود المبذول خلال المشاركة؛ وقد يكون هذا التعويض في شكل قسائم شرائية أو تذاكر طيران مجانية أو مبالغ نقدية. وفي بعض الاحيان، قد يشارك في هذه التجارب السريرية متطوعين أصحاء دون مقابل علي الاطلاق؛ بدافع الايثار والرغبة في المساهمة في انتاج علاجات جديدة تخدم الإنسانية.

أما النوع الثاني، فهو التجارب السريرية غير المدفوعة؛ أي أن المشاركين بها لا يتلقون أي نوع من أنواع التعويض من أجل الخضوع لتلك التجارب. وتُجري هذه التجارب عادة علي المرضي الذين يعانون من أمراض لا يتوفر لها أي علاجات، أو يوجد لها علاجات ولكنها باهظة الثمن مثل علاجات الأمراض السرطانية، وبالتالي يلجأ المرضى للمشاركة في هذه التجارب آملين في الشفاء بالمجان.

وتعد التشريعات المُنظمة للتجارب السريرية هي الأساس في تحديد نوع التجارب التي يتم اجراؤها في أي بلد. وفي أغلب البلدان تُقر التشريعات بأن المسئول الرئيسي عن تحديد المقابل المادي من عدمه في هذه التجارب،هو مركز الأبحاث القائم على التجربة، وذلك وفقاً لنوع وطبيعة التدخل العلاجي قيد التجربة.ولكن في أغلب المراكز البحثية على مستوى العالم، يُفضل الباحثون الاعتماد علي اجراء التجارب السريرية المدفوعة؛ نظرا لما يكفله هذا النوع من سهولة وسرعة في الوصول إلىمتطوعين للمشاركة في التجارب، بالإضافة الي ضمان حرص المشاركين علي اكمال التجارب السريرية حتي نهايتها، مع الإبلاغ عن تأثيرات التدخل العلاجي أولاً بأول لارتباط ذلك بحوافز المشاركة.

التجارب السريرية العالمية علي لقاحات فيروس كورونا

تسارعت الجهود الدولية لإيجاد لقاح لفيروس كورونا المستجد عقب نشر الباحثين الصينيين التسلسل الجيني للفيروس. كما بدأت السلطات الصحية، في أغلب البلدان، بتدشين مواقع الكترونية؛ لحث المواطنين علي تسجيل بياناتهم للتطوع والمشاركة في التجارب السريرية على اللقاحات التي سيتم تطويرها ضد الفيروس،مع التأكيد علي نقطتين رئيسيتين؛ أولهما: لا بد أن يستكمل المتطوعون التجربة إلى نهايتها من أجل التوصُّل إلى علاجٍ أو حل كامل لهذه الجائحة. والنقطة الثانية، أن ثمة فرصة مواتية، تتمثل في أنه إذا كان العقار الخاضع للاختبار هو فعلا اللقاح النشط، فإن المتطوعين للمشاركة في التجربة سيكونون أول من تحصَّن بالفعل ضد المرض.

وتطبق البلاد المختلفة أساليب متنوعة في تشجيع وتنظيم التطوع للمشاركة في التجارب السريرية. ففي بريطانيا، أنشأت هيئة الخدمات الطبية البريطانية، قاعدة بيانات لأبحاث اللقاحات،لتسجيل الأشخاص المًهتمين بالمشاركة في التجارب السريرية، وأيضاً لتسهيل تواصلهم بالباحثين لمعرفة كافة التفاصيل المتعلقة بالتجربة. وسجَّل بالفعل علي هذا الموقع أكثر من 100 ألف شخص للمشاركة في تجارب اللقاحات، والتي يتم اجرؤاها حالياً في جامعة أوكسفورد، وجامعة إمبريال كوليدج لندن، ومستشفى جامعة ساوثهامبتون. ويحصل المتطوع في تجارب اللقاحات، في تلك المراكز البحثية، على مبالغ مالية تتراوح بين 190 جنيها إسترلينيا و625 جنيها إسترلينيا؛ مقابل وقته وسفره وإسهامه في التجربة.ولا تزال الحكومة البريطانية تدعو مزيداً من المتطوعين للإنضمام والمشاركة في التجارب السريرية المتواصلة.

وفي الولايات المتحدة الامريكية، بدأ العمل في تنفيذ التجارب السريرية في السابع والعشرين من يوليو 2020، حيث استهدف مطورو اللقاح استقطاب 60 ألف مواطن أمريكي، لإشراكهم في التجارب السريرية للقاحين، أحدهما تُعِده شركة “فايزر” (Pfizer) الأمريكية وشركة “بيو إن تك” (BioNTech) الألمانية، والآخر تُعِده شركة “موديرنا” (Moderna)، الشركة الناشئة المتخصصة في مجال التكنولوجيا البيولوجية. وفي مطلع شهر أغسطس 2020، كشف مدير المعهد الوطني الأميركي للحساسية والأمراض المعدية، أن 250 ألف شخصا قد سجلوا أسماءهم في الموقع الإلكتروني التابع للمعاهد الوطنية للصحة للمشاركة في تجارب اللقاحات. ويحصل المتطوعون في تلك التجارب على مبالغ مالية تتراوح بين 1200 الي 2000  دولار أمريكي على مدى فترة التجارب، والتي تبلغ عامين، تعويضًا عن الوقت ونفقات السفر.

أما في العالم العربي، فشهدت الإمارات العربية المتحدة، في 17 يوليو 2020، إطلاق أول موقع إلكتروني متخصص لتسجيل المتطوعين الراغبين بالمشاركة في المرحلة الثالثة من التجارب السريرية للقاح شركة سينوفارم الصينية،  تحت عنوان”  4humanity.ae”. ويوفر هذا الموقع كافة التفاصيل المتعلقة بالموافقة المستنيرة الخاصة بالتطوع في التجربة، والتي تتضمن المخاطر المتعلقة بالدراسة، واتفاقيات الخصوصية والانسحاب من الدراسة في أي وقت، والفوائد والمقابل المادي، والمتمثل في قسائم شراء بقيمة 1000 درهم اماراتي،إلي جانب هدايا عينية أخري يحصل عليها المتطوع خلال فترة المشاركة. وأعلنت دائرة الصحة في أبوظبي عن تسجيل 5000 متطوع ومتطوعة للمشاركة خلال أول 24 ساعة بعد إطلاق الموقع. وتجري هذه التجربة بالمشاركة مع العديد من دول العالم في مختلف القارات، تحت شعار “لأجل الإنسانية”،وتشارك ثلاث دول عربيةأخري فيها بجانب الامارات المتحدة، وهي البحرين والأردن ومصر.

التجارب السريرية للقاحات كورونا في مصر

انضمت مصر، في مطلع شهر سبتمبر 2020، للمرحلة الثالثة من التجارب السريرية علي لقاح شركة سينوفارم الصينية، في إطار التعاون مع الحكومة الصينية، وشركة G42 الإماراتية للرعاية الصحية.وأطلقت وزارة الصحة والسكان، موقعا الكترونيا لعرض التفاصيل الخاصة بكيفية وإجراءات المشاركة في التجربة السريرية، ونشرتها على موقع أعد خصيصا هو”covactrial.mohp.gov.eg”. وتستهدف مصر أن يشارك في هذه التجارب ستة الاف متطوع مصري، من اجمالي 45 الف متطوع حول العالملتجارب لقاح شركة سينوفارم.أما فيما يخص اجراءات التجربة، فبعد قيام المتطوع بالتوقيع على نموذج الموافقة على خوض الدراسة، يقوم الطبيب بإجراء فحص بدني مع أخذ العينات اللازمة لإجراء الفحوصات الطبية للمتطوع، وبعد اجتياز عملية الفحص يتم إدراج المتطوع كمشارك في الدراسة بنمط عشوائي على أن يحصل على رقم تعريفي بشكل تسلسلي.  ويتم أخذ عينةدم من المتطوع لإجراء فحص الأجسام المضادة، وبعدها يتلقى المتطوع (اللقاح) أو (الدواء الوهمي) المطور من قبل شركة سينوفارم، وفقاً لرقم تعريف المشارك، وتبلغ نسبة عدد اللقاحات المعطاة مقارنة بالدواء الوهمي 2 إلى 1.

ووفقاً لتصريحات وزارة الصحة والسكان، وصل إجمالي عدد المُسجلين للمشاركة بتجربة سينوفارم السريرية حتى منتصف أكتوبر 2020 حوالي 2268 متطوع، تم استبعاد 498 فرد منهم، ليصل عدد من تلقوا اللقاح فعلياً 1770 متطوع (ثُلث العدد المطلوب فقط من المتطوعين لإتمام هذه التجربة)، وذلك بعد حوالي شهر من اطلاق الموقع الرسمي للقاح. يثير هذا البيان التساؤل حول تأثير غياب الحوافز التقديرية للمشاركة في طول المدة اللازمة لإيجاد متطوعين لها؟ حيث أن المشاركة في التجربة السريرية للقاح “سينوفارم”هي طوعية بالكامل دون أي مقابل مادي أو عيني، وفقاً للتشريعات الجديدة التي أقرها مجلس النواب، في شهر أغسطس 2020، لتنظيم إجراء التجارب السريرية؛لذا هناك حاجة لدراسة هذا التأثير من أجل تحقيق أقصي استفادة من تجربة لقاح “سينوفارم” مع التقييم العملي لفعالية التشريعات الجديدة في تسهيل اجراء التجارب السريرية العالمية في مصر، وتعديلها إذا ظهرت الحاجة الي ذلك، قبل أن يتم اعتماد التشريعات رسمياً من قبل رئيس الجمهورية.

المصادر:

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة