مقال تحليلي

حسابات خاطئة: العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا والإخوان المسلمين

لم يربط الغرب، أو للدقة التيار الرئيسي في الغرب، بين إخوان تركيا وإخوان الشرق الأوسط إلا منذ سنوات قليلة، وذلك بعد أن أفصح الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” عن أيديولوجيته وبدأ في تنفيذها على الأرض. وبعد تحالف إخوان تركيا مع إخوان الشرق الأوسط، انتقل الموقف إلى ما يمكن أن نطلق عليه “مشروع عداء”. في البداية، كان هناك توازٍ، ولم يكن هناك ربط، ويشير “دانيال بايبس” (Daniel Pipes)، مدير “منتدى الشرق الأوسط” بواشنطن (the Middle East Forum)، إلى أنه عندما وصل “أردوغان” وحزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 وحتى عام 2016 تقريبًا، كان الجدل بين المراقبين محتدمًا، ويدور حول تساؤل…

سعيد شعيب

لم يربط الغرب، أو للدقة التيار الرئيسي في الغرب، بين إخوان تركيا وإخوان الشرق الأوسط إلا منذ سنوات قليلة، وذلك بعد أن أفصح الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” عن أيديولوجيته وبدأ في تنفيذها على الأرض. وبعد تحالف إخوان تركيا مع إخوان الشرق الأوسط، انتقل الموقف إلى ما يمكن أن نطلق عليه “مشروع عداء”. في البداية، كان هناك توازٍ، ولم يكن هناك ربط، ويشير “دانيال بايبس” (Daniel Pipes)، مدير “منتدى الشرق الأوسط” بواشنطن (the Middle East Forum)، إلى أنه عندما وصل “أردوغان” وحزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 وحتى عام 2016 تقريبًا، كان الجدل بين المراقبين محتدمًا، ويدور حول تساؤل مؤداه: هل لا تزال أنقرة حليفة، كما كانت من قبل؟ وقد استمر هذا النقاش لفترة طويلة رغم أنه كان واضحًا أن “تركيا لم تعد حليفة”، وتم إغلاق هذا النقاش، وتغير السؤال ليصبح، كما يقول “بايبس”: هل عداء تركيا للغرب هو انحراف مؤقت أم إنه الوضع الطبيعي الجديد القائم على المدى الطويل؟[1].

الترويج للنموذج الإسلامي الليبرالي

 قبل الإجابة عن التساؤل السابق، من المهم العودة إلى الخلف قليلًا. بعد الحرب العالمية الثانية، قدمت حكومة الرئيس “عصمت إينونو” النموذج التركي الأول، والذي يطرح تركيا كدولة في الشرق الأوسط تعمل ضد الشيوعية السوفيتية، ومتحمسة لتسهيل الدبلوماسية الغربية في منطقة متقلبة، ودفعت الإدارة الأمريكية ومن ورائها الغرب، إلى تسويق هذا النموذج أملًا في محاكاته من باقي دول الشرق الأوسط وقتها[2]. استغرقت الفترة الممتدة من انضمام تركيا إلى الناتو عام 1952 إلى الانتخابات الرئيسية لعام 2002 جولة مدتها50 سنة، لم تخلُ العلاقات خلالها من العوائق (أبرزها الغضب المتبادل بشأن احتلال قبرص في عام 1964)، لكن في رأي “بايبس” كانت العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا بشكل عام بسيطة وجيدة، فقد كانت واشنطن تقود وتتبعها أنقرة[3]. وبحلول عام 1991، وعقب انهيار الاتحاد السوفيتي، برزت الحاجة لنموذج جديد، وكانت تركيا جاهزة لتمثل هذا النموذج، وبدأت تركيا بنشاط في تقديم نفسها في عهد رئيس الوزراء التركي آنذاك “سليمان ديميريل” كدولة ذات أغلبية مسلمة، تمثل “نموذجًا للديمقراطية والعلمانية واقتصاد السوق الحر”، وتسعى بالطبع للحصول على دعم الغرب[4].

“أردوغان” وبداية تحول المسار

بدأت نقطة التحول المحورية في العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا مع تولي حزب الحرية والعدالة السلطة عام 2002، ففي مارس 2003 رفض البرلمان التركي السماح للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي التركية كقاعدة للحرب ضد نظام “صدام حسين” في العراق. لكنْ تجاهل المسئولون الأمريكيون هذا الرفض. وواصل الرئيس “جورج دبليو بوش” علاقاته الوثيقة مع “أردوغان”، بل وساعده شخصيًّا في تجاوز الحظر القضائي ليصبح رئيسًا للوزراء. ووصف “باراك أوباما” “أردوغان” بأنه أحد زعمائه الخمسة المفضلين، وامتدحه “دونالد ترامب” واسترضاه. وقد يدل الود الدائم لهؤلاء الرؤساء الثلاثة غير المتماثلين على إحجام البيت الأبيض عن الاعتراف بالتغيرات الكبيرة التي حدثت في تركيا.[5]

وقد زاد الاحتياج إلى النموذج التركي بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. فبينما كانت إدارة “جورج دبليو بوش” تتابع الحرب في أفغانستان، وتخطط لغزو العراق؛ كان الغرب بحاجة لأن يفصل محاربته للإرهابيين المسلمين عن “الإسلام”، وهنا تقدم “أردوغان” ومن معه ليقدموا أنفسهم باعتبارهم الحكام المسلمين “المتدينين” الذين لا يعادون الغرب، ويحاربون الإرهاب، وهو ما فعله الإخوان في الشرق الأوسط في الوقت نفسه، عندما قدموا أنفسهم بوصفهم البديل “الإسلامي” للتنظيمات الإرهابية، فظهرت تركيا في صورة الدولة العلمانية والديمقراطية ذات الأغلبية المسلمة، بينما أظهر تيار الإخوان قبوله للديمقراطية وعدم عدائه لإسرائيل، واستعداده لتحقيق مصالح الغرب. وبالفعل، اقتنع التيار الرئيسي في الغرب بأنهم البديل الإسلامي المعتدل في الشرق الأوسط.

في ديسمبر عام 2002، قال نائب وزير الدفاع الأمريكي السابق “بول وولفويتز” (Paul Wolfowitz): “تُظهر تركيا الحديثة أن النظام الديمقراطي متوافق بالفعل مع الإسلام”، وأضاف: “الأشخاص الذين يتشاركون قيم الحرية والديمقراطية التي نشأت عن الحضارة الأوروبية يرون بشكل متزايد أن هذه ليست مجرد قيم غربية أو قيم أوروبية، إنها قيم إسلامية وآسيوية أيضًا”.

وفي يوليو عام 2011، قالت وزيرة الخارجية “هيلاري كلينتون” إن الإدارة الأمريكية “ترحب بصعود تركيا كقائد في المنطقة وخارجها، وكحليف مهم في التحديات العالمية الأكثر إلحاحًا”. لقد كانت إدارة الرئيس “باراك أوباما” تأمل في التأكيد على التطور الديمقراطي لتركيا كنقطة مرجعية إقليمية وإضافة أساسية للتحالف المناهض لتنظيم “داعش”.

النخبة الأمريكية والنموذج التركي

في وسائل الإعلام الغربية، كان النموذج التركي يعني أشياء مختلفة لكتاب مختلفين: “زواج الحريات الديمقراطية بالدين”، التعايش بين الإسلام السياسي والجيش العلماني المتحالف مع الناتو. وفي عام 2002، وصل الأمر بصحيفة “وول ستريت جورنال” إلى النظر لتركيا باعتبارها “نموذجًا للتقدم”، فقد كتب “هيو بوب”، مراسل صحيفة “وول ستريت جورنال” في تركيا في ذلك الوقت، حول زيارة رئيس الوزراء التركي “بولنت أجاويد” في يناير 2002 إلى واشنطن العاصمة، قائلًا: “تتوج إعادة اكتشاف القيمة الاستراتيجية لتركيا”. وباستخدام القواعد الجوية للحرب في أفغانستان، روجت حكومة “أجاويد” بسهولة اللغة المناسبة لتأمين الدعم المالي الأمريكي خلال الأزمة الاقتصادية في تركيا، وهذا ما وصفه الكاتب والباحث “دوف فريدمان” قائلًا: “بلا خجل اعتبروها طريقة فعالة لمحاربة التطرف الإسلامي”[6].

لم يقتصر هذا الإعجاب بالنموذج الإسلامي الإخواني التركي فقط على النظرة البراجماتية لأغلب النخب السياسية في الغرب، ولكنه طال بالطبع قبلهم أغلب أوساط اليسار الغربي، وخاصة الأكاديمية منها، فهناك من استخدم تعبيرات مشابهة لوصف جماعة الإخوان المسلمين في مصر، كونها ستتبع في الغالب خطى حزب العدالة والتنمية التركي كنموذج “الإسلاموية الليبرالية”، وأشارت الكاتبة “جوليانا ديفريس” (Juliana DeVries)، التي تصف نفسها بأنها يسارية، إلى أنه: منذ أن وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة لأول مرة في عام 2002، اتخذ موقفًا أكثر براجماتية من الأحزاب الإسلامية التركية في الماضي”، وتضيف: “في الواقع، لم يصف العديد من الأتراك حزب العدالة والتنمية بأنه حزب إسلامي على الإطلاق، لأنه غالبًا ما يتماشى مع تقليد يمين الوسط التركي. الحزب نفسه يقاوم اللقب الإسلامي، خاصة عندما يكون ذلك في مصلحته الانتخابية”[7].

هذا بالضبط ما التقطه إخوان تركيا بقيادة “أردوغان”، الذي قدم نفسه بوصفه “حلًّا” لمشكلة، أو نموذج “الحاكم المسلم العلماني الديمقراطي” الذي يحتاجه الغرب، وكان المقابل الذي حصل عليه هو الدعم الاقتصادي والسياسي، والأهم هو المساعدة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فقد كان “أردوغان” يدرك أن سعيه لتنفيذ شروط الحصول على عضوية الاتحاد ستحقق له هدفه بإزاحة الجيش من المجال العام، وإزاحته من دوره الدستوري في حماية “علمانية أتاتورك”، فهناك شرط عدم تدخل الجيش في السياسة. وبالفعل، ضاعف الرئيس الأمريكي “بوش” ووزير خارجيته “كولن باول” جهودهما لمساعدة تركيا في بدء محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ذكرت صحيفة “فاينانشيال تايمز” (Financial Times) أن إدارة بوش “استثمرت الكثير في نجاح الحكومة التركية الجديدة، والتي يجب أن تتمسك بها الدول الأخرى في جميع أنحاء العالم الإسلامي كنموذج للإدارة الإسلامية في ديمقراطية علمانية”. بينما أكد “مارك جروسمان” (Marc Grossman)، وكيل وزارة الخارجية للشئون السياسية وقتها والسفير الأمريكي السابق في تركيا، على هذه الرؤية الأمريكية لتركيا، بأن تكون: “ديمقراطية، وعلمانية، وإسلامية”.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أنه بالتزامن مع ذلك حدث التحول ذاته مع إخوان الشرق الأوسط، وخاصة مصر، فقد حدث التحالف معهم ومع حكومات في الشرق الأوسط -مثل السعودية ومصر- للحرب ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، باعتباره كافرًا وعدوًّا للإسلام. وبعد الحادي عشر من سبتمبر 2011، تقدم الإخوان المسلمون في الشرق الأوسط مثل إخوان تركيا، باعتبارهم البديل للأنظمة الحاكمة، فصوروا أنفسهم بوصفهم “نموذج المسلم المعتدل الديمقراطي”، في مواجهة “طالبان” و”القاعدة” وغيرهم من “المتطرفين والإرهابيين”. ومن هنا تم توجيه الدعم لهم لكي يحكموا دول الشرق الأوسط بعد “الربيع العربي”، مثل مصر وسوريا وليبيا.. إلخ.

حسابات خاطئة

لقد كان واضحًا منذ وقت مبكر خطأ هذه الحسابات، وبدا هذا الخطأ بوضوح مع انطلاق مجموعة من المشكلات، بدأت في عام 2003 عندما ضغطت الولايات المتحدة على تركيا لاستخدام أراضيها في إسقاط نظام “صدام حسين” وغزو العراق، تمامًا كما فعلت تركيا خلال حرب الخليج عام 1991. لم يكن الدعم التركي مهمًّا فقط لمتابعة الحرب نفسها، ولكن الرسالة السياسية التي يمكن أن تساعد في إضفاء الشرعية على سياسة إدارة “جورج دبليو بوش” لأنها “بلد إسلامي”، وبالتالي فهي ليست حربًا ضد الإسلام. وعلى الرغم من أن حكومة حزب العدالة والتنمية وعدت في البداية بتقديم الدعم اللوجستي التركي؛ إلا أنها تراجعت عن القرار ردًّا على معارضة واسعة النطاق من كل من الجمهور والبرلمان[8].

اتضح بعد ذلك أن تركيا يحكمها رجل إسلامي قوي سيطر على أقوى المؤسسات في تركيا: الجيش، المخابرات، الشرطة، القضاء، البنوك، الإعلام، المجالس الانتخابية، المساجد، والنظام التعليمي. قام “أردوغان” بتطوير جيش سري خاص “سادات”، يلاحق من يخالفه علانية، ومع تضاؤل ​​شعبيته اعتمد “أردوغان” بشكل متزايد على الاحتيال الانتخابي، وسجن زعماء المعارضة، وجعل رجاله يهاجمون مكاتب الأحزاب المتنافسة. لم يقتصر “أردوغان” وحزب العدالة والتنمية على ترسيخ وجودهما في السلطة، ولكنهما قاما بتشكيل جيل كامل يهدفان من خلاله لتغيير البلاد. لقد كان من المفيد رؤية تركيا وهي تقدم نسخة من الثورة الإسلامية الإيرانية، نحن نشهد حركة تحول بطيئة تجاه قيام إيران ثانية، أقل عنفًا ودرامية، وأكثر تعقيدًا وأكثر احتمالًا[9].

كما قمع “أردوغان” الصحافة التركية، وحطم الضوابط المؤسسية المفروضة على سلطة رئيس الوزراء. بحلول عام 2013، أدت احتجاجات “غيزي بارك” إلى الكشف عن الفساد المتفشي في الحكومة التركية، والتأكيد الصارخ على رفض حزب العدالة والتنمية للإصلاحات الديمقراطية وسيادة القانون. وبحلول عام 2014، نأت إدارة “أوباما” بنفسها عن الحكومة التركية التي كانت في وقت ما من أقرب الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة، وتحولت العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا إلى التعامل الذي يتسم بالصرامة.

اللافت هنا هو أن هذا التغيير جعل صانعي السياسة في الغرب مترددين في انتقاد تركيا، خشية أن يتم النظر إلى “نموذجهم” السابق باعتباره فاشلًا، وكل ما فعلوه هو تجنب مواجهة التعقيد التركي، والتوقف عن ترويج نموذج “الديمقراطية التركية” بتفاؤل غير مبرر.[10] لكن الأمر ازداد سوءًا، وتبعه تحول هائل في المواقف التركية تجاه الغرب بشكل عام، والولايات المتحدة بشكل خاص. في عام 2000، قبل وقت قصير من تولي “أردوغان” منصبه، أظهرت استطلاعات الرأي أن أكثر من نصف الأتراك بقليل مؤيدون لأمريكا. لكن هذه النسبة قد انخفضت إلى 18% خلال فترة ولايته. وانتشرت معاداة أمريكا الآن في السياسة، ووسائل الإعلام، والأفلام، والكتب المدرسية، وخطب المساجد، وما بعدها.

لقد أصبح العداء متبادلًا، ودفع الغضب من شراء تركيا نظامَ الصواريخ الروسي (S-400) الكونجرس إلى استبعادها من برنامج (F-35). وبعد عقود من تجنب التصويت على قرار الإبادة الجماعية الأرمني بدافع القلق على الحساسيات التركية، صوت مجلس النواب في عام 2019 لصالح القرار. ليس هناك ما يدعو الآن لأن يتوقع الأمريكيون استقبالًا أكثر ودية في أنقرة بعد رحيل “أردوغان”. نعم، يبلغ من العمر ستة وستين عامًا، ويعاني من أمراض مختلفة. لكن المرشحين الذين تم اختيارهم لخلافته (مثل “سليمان سويلو”) يلتزمون منهجه. علاوة على ذلك، فإن المسارات السياسية الرئيسية الأخرى في تركيا (من القوميين واليساريين) أكثر عدائية من حزب “أردوغان”.[11]

زاد تفاقم الأمر باتهام تركيا بأنها شريك غير موثوق به للولايات المتحدة والغرب في حربها ضد التطرف الإسلامي. لقد رفض “أردوغان” الانضمام إلى التحالف بقيادة الولايات المتحدة للقضاء على تنظيم “داعش” في العراق وسوريا، بل وأصبحت تركيا مركز تجنيد لمقاتلي “داعش”. لقد كان الإرهابيون يعبرون الحدود إلى سوريا بشكل منتظم، ولم تتمكن الولايات المتحدة من إقناع تركيا بمنع تنظيم “داعش” من بيع النفط في السوق السوداء التركية. ومن المفارقات أن الإدارة الأمريكية كانت -وربما لا تزال- تعتبر قطر وتركيا حليفين قويين في الحرب ضد الإرهاب[12]“.

المصادر

[1]Daniel Pipes.Erdoğan’s Turkey Is Not Coming Back. April 20, 2020, available at:

http://www.danielpipes.org/19391/erdogan-turkey-is-not-coming-back

  •  

[3]Daniel Pipes, Op.cited.

[4]Dov Friedman, Op.cited.

[5]Daniel Pipes, Op.cited.

[6]Dov Friedman, Op.cited.

[8]Ibid

[9]Daniel Pipes, Op.cited.

[10]Dov Friedman, Op.cited.

[11]Ibid

سعيد شعيب