تنمية ومجتمع

لماذا تتوسع الحكومة المصرية في إنشاء مدارس دولية؟

تتوسع الحكومة المصرية -في الوقت الراهن- في إنشاء المدارس الدولية بعد أن كان الاستثمار فيها مقتصرًا على القطاع الخاص حتى عام 2010، حين قررت الحكومة المصرية إنشاء “مدارس النيل”، التي تقدم مناهجها باللغة الإنجليزية، بالتعاون مع “كامبريدج”، وتمنح خريجيها شهادات معتمدة دوليًا. وعلى الرغم من البدء في تطوير نظام التعليم المحلي منذ العام الدراسي 2018/2019، إلا أن الحكومة ما زالت تتوسع في إنشاء مدارس دولية أمريكية وبريطانية ويابانية وغيرها. ويحاول التحليل التالي عرض دوافع هذا التوسع والعائد منه، كما يتطرق لتطور المدارس الدولية في مصر. نشأة المدارس الدولية في مصر تطورت المدارس الدولية، وهي فئة فرعية من المدارس الخاصة في…

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة

تتوسع الحكومة المصرية -في الوقت الراهن- في إنشاء المدارس الدولية بعد أن كان الاستثمار فيها مقتصرًا على القطاع الخاص حتى عام 2010، حين قررت الحكومة المصرية إنشاء “مدارس النيل”، التي تقدم مناهجها باللغة الإنجليزية، بالتعاون مع “كامبريدج”، وتمنح خريجيها شهادات معتمدة دوليًا. وعلى الرغم من البدء في تطوير نظام التعليم المحلي منذ العام الدراسي 2018/2019، إلا أن الحكومة ما زالت تتوسع في إنشاء مدارس دولية أمريكية وبريطانية ويابانية وغيرها. ويحاول التحليل التالي عرض دوافع هذا التوسع والعائد منه، كما يتطرق لتطور المدارس الدولية في مصر.

نشأة المدارس الدولية في مصر

تطورت المدارس الدولية، وهي فئة فرعية من المدارس الخاصة في مصر، بعد السماح للأجانب بالاستثمار في التعليم، الأمر الذي أدى إلى زيادة انتشار النظم التعليمية الأجنبية ممثلةً في المدارس الأمريكية والإنجليزية والكندية والفرنسية والألمانية في مختلف محافظات مصر، حيث صدر قرار رئيس الوزراء في عام 2002 لتشجيع إنشاء المدارس الدولية، وتم بالفعل افتتاح أول مدرسة لتدريس المنهج الكندي في نهاية ديسمبر 2002، ثم توالى بعد ذلك إنشاء المدارس الدولية المستقلة ومدارس اللغات التي تضم أقسامًا دولية.

ويتمثل الاختلاف الرئيسي بين المدارس الدولية ونظيرتها المحلية في “المنهج الدراسي” الذي تقدمه، واللغة المستخدمة في التدريس. فالمدارس الأمريكية والبريطانية والكندية تقدم التعليم باللغة الإنجليزية، أما المدارس الألمانية والفرنسية فتقدم التعليم بلغتها الأم. وبالرغم من وجود عدد من المدارس الفرنسية والألمانية والكندية، إلا أن المدارس الأمريكية والبريطانية هما الأكثر انتشارًا في مصر، ويرجع ذلك إلى أن اللغة الإنجليزية هي الأكثر شيوعًا بين المصريين كلغة ثانية بعد العربية. وقد اكتسبت المدارس البريطانية شهرةً بأنها تُكسب طلابها أساسًا سليمًا من المعارف والمهارات لاستكمال الدراسة الجامعية، أما المدارس الأمريكية فقد جذبت أعدادًا كبيرة بسبب الاعتقاد السائد بأنها أسهل من حيث طريقة التقييم، وقلة عدد المواد المطالب التلميذ بدراستها.

أعداد المدارس الدولية في مصر

شهدت أعداد المدارس الدولية في مصر زيادة ملحوظة منذ العام 2011 وحتى الوقت الراهن، فقد بلغ إجمالي المدارس الدولية في مصر في عام 2011 حوالي 168 مدرسة موزعة في عشر محافظات، تتركز معظمها في محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية، ولكن بحلول عام 2017، بلغ عدد المدارس الدولية 589 مدرسة في 14 محافظة، وارتفع العدد إلى 795 مدرسة في عام 2020. ويوضح الجدول التالي التطور في عدد المدارس الدولية في مصر في أعوام 2011، و2017، و2020.

تطور أعداد المدارس الدولية في مصر في أعوام 2011، 2017، 2020

المصدر: مركز معلومات وزارة التربية والتعليم، دليل المدارس المصرية.

وتأتي محافظة القاهرة في مقدمة محافظات مصر في عدد المدارس الدولية لتضم ما يقرب من 48% من إجمالي المدارس الدولية في مصر، حيث بلغ عدد المدارس البريطانية فيها 147 مدرسة، والمدارس الأمريكية 195 مدرسة، والفرنسية 20 مدرسة، والألمانية 11 مدرسة، والكندية 6 مدارس فقط. وجاءت محافظة الجيزة في المرتبة الثانية من حيث عدد المدارس الدولية برصيد 172 مدرسة تقدم مناهج دولية مختلفة، ثم تلتها محافظة الإسكندرية برصيد 137 مدرسة، لتستحوذ بذلك المحافظات الثلاث على 688 مدرسة دولية بنسبة 86.5% من إجمالي المدارس الدولية في مصر.

الدور الحكومي في التعليم الدولي

بدأت الحكومة المصرية في تقديم تعليم دولي بمدارس حكومية من خلال صندوق تطوير التعليم التابع لمجلس الوزراء، تمثل في البداية في “مدارس النيل” التي تحولت تبعيتها بعد ذلك إلى وزارة التربية والتعليم، تلتها تجربة جديدة تمثلت في افتتاح مدارس حكومية لتقديم مناهج البكالوريا الدولية (IB)، وأخرى لتقديم المناهج البريطانية (IG)، وأخيرًا بدأت الوزارة في افتتاح عدد من المدارس اليابانية بالتعاون مع منظمة “جايكا”.

وينظم عمل هذه المدارس على اختلاف أنواعها قرارات وزارية منفصلة، حيث ينظم القرار الوزاري (159) لسنة 2017 عمل المدارس المصرية اليابانية، وينظم القرار (289) لسنة 2016 عمل المدارس الدولية الرسمية، بينما ينظم القرار (271) لسنة 2014 والمعدل بالقرار (17) لسنة 2015 العمل بمدارس النيل. وفيما يلي عرض موجز لنشأة ونشاط عدد من المدارس الدولية، ممثلة في:

مدارس النيل: هي مدارس مصرية دولية، بدأت نشاطها عام 2010، لتقديم خدمة تعليمية دولية مقابل مصاريف سنوية مخفضة بالمقارنة مع المدارس الدولية الخاصة. وتقوم على إدارة المدارس مؤسسة مصر للإدارة التعليمية التي تأسست في إبريل 2017 بناء على البروتوكول الموقع بين هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، ووحدة شهادة النيل التابعة لصندوق تطوير التعليم التابع لمجلس الوزراء، والشركة القابضة للاستثمارات المالية التابعة لبنك الاستثمار القومي ووزارة التخطيط، ويقوم بتمويلها هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التابعة لوزارة الإسكان والمرافق، وصندوق دعم وتمويل المشروعات التعليمية التابع لوزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، وصندوق تحيا مصر. وقد بلغ عدد هذه المدارس تسع مدارس، وتتراوح مصروفاتها بين 11 و15 ألف جنيه وفقًا للمرحلة الدراسية.

المدارس الدولية الرسمية: هي مدارس دولية تخضع لإشراف وزارة التربية والتعليم بالشراكة مع بعض المؤسسات الدولية، وتنقسم إلى مدارس تمنح طلابها شهادة البكالوريا الدولية (IB)، وأخرى تمنح طلابها الشهادة العامة لإتمام الثانوية العامة البريطانية (IGCSE)، وقد بدأت الوزارة في افتتاح هذا النوع من المدارس منذ العام الدراسي 2014/2015، وبلغ عددها إحدى عشرة مدرسة، وتبلغ مصروفاتها 16 ألف جنيه تقريبًا.

المدارس اليابانية: هي مدارس تقدم المنهج المصري (2.0) باللغة الإنجليزية، وتستخدم أنشطة “التوكاتسو” اليابانية لتربية الأطفال. وقد بدأت الحكومة هذه التجربة منذ العام الدراسي 2018/2019 حين افتتحت 35 مدرسة، ثم ارتفع العدد في العام الماضي إلى 40 مدرسة، ومن المخطط أن يتم افتتاح 3 مدارس أخرى في العام الدراسي 2020/2021.

بذلك، تكون المدارس الدولية التابعة للحكومة المصرية قد تطورت من خمس مدارس في 2010 إلى 60 مدرسة في 2020.

دوافع التوسع الحكومي في إنشاء مدارس دولية

قد يرى البعض تناقضًا بين إعلان الحكومة عن برنامج تطوير نظام التعليم المصري ليواكب نظم التعليم العالمية وتوسعها في إنشاء مدارس دولية، كما يمكن أن يذهب البعض إلى أن الحكومة تهدف إلى تحقيق أرباح من وراء إنشاء هذه المدارس، ولكنها واقعيًا مؤسسات غير هادفة للربح، ويتم إنفاق إيراداتها بالكامل على تشغيل المدارس بمعايير وبرامج دولية، وتحسينها وتطويرها، واستقطاب معلمين متميزين للعمل بها. ويمكن تلخيص دوافع الحكومة للتوسع في المدارس الدولية في النقاط التالية:

١- تطوير نظام التعليم بشكل كامل ما زال يتطلب مزيدًا من الوقت:

رغم الجهد المبذول في إصلاح نظام التعليم المصري، إلا أن هذا البرنامج ما زال يحتاج إلى مزيد من الوقت حتى يصل إلى مستوى الكفاءة المستهدف، فتطوير نظام التعليم للتعليم الأساسي بمرحلتيه الابتدائية والإعدادية لن يتم بالكامل قبل 2027، ويقابل ذلك ارتفاع مستوى طموح الآباء لتوفير بيئة تعليمية صحية لأبنائهم، وإقبالهم على التعليم الدولي.

٢- ضبط أسعار المدارس الدولية التي ارتفعت بشكل مبالغ فيه:

يتمثل الدافع الثاني لإنشاء مدارس دولية حكومية في محاولة الحكومة ضبط أسعار المدارس الدولية التي ارتفعت بشكل كبير، حيث يصل أقل سعر لمصروفات المدارس الدولية في القاهرة إلى أكثر من خمسين ألف جنيه سنويًّا، وهو سعر أعلى من كل عواصم الشرق الأوسط التي اشتمل عليها تقرير (International Schools Database) الصادر في 2019، ولم يسبقها في أعلى سعر سوى دبي كما هو موضح بالجدول التالي.

جدول أسعار المدارس الدولية في منطقة الشرق الأوسط (بالدولار الأمريكي)

Source:https://www.international-schools-database.com/articles/the-cost-of-international-education-around-the-world-in-2019

في مقابل هذه التكلفة المرتفعة للمدارس الدولية الخاصة، تقدم المدارس الدولية الحكومية خدمة تعليمية مشابهة بتكلفة لا تتجاوز 16 ألف جنيه، أي 33% من أقل قيمة تتقاضاها نظيرتها الخاصة. وقد يسهم هذا في تقليل أسعار المدارس الخاصة، أو على الأقل تثبيتها عند معدلاتها الحالية، بشرط بمواصلة توسع الحكومة في إنشاء هذه المدارس لمواجهة الطلب المتزايد عليها.

٣- تنوع النظم التعليمية يساهم في زيادة التنافسية وتحسين الخدمة:

قد يرى البعض أن تعدد أنواع المدارس واختلاف مناهجها لا يخدم نظام التعليم، أو أنه يخلق فروقًا كبيرة بين أبناء المجتمع، ولكن هذا التنوع الكبير بين مدارس تقدم المناهج الحكومية باللغة العربية، وأخرى تقدمه باللغة الإنجليزية، وثالثة تقدم المناهج المتبعة في دول أخرى؛ يسهم في تحسين جودة المخرج التعليمي. فالتنافس بين المؤسسات التعليمية باختلاف أنواعها يتيح الوصول إلى مستوى أعلى من الجودة.

استنادًا إلى ما سبق تتوسع الحكومة -إذن- في افتتاح مدارس دولية تابعة لها، استجابة للطلب المتزايد على هذا النوع من الخدمة التعليمية، ولضبط آليات تقديم هذه الخدمة. ورغم أهمية هذا الجهد، إلا أنه يظل يمثل حلًّا مساعدًا يتم العمل به تمهيدًا لاستكمال تنفيذ مشروع إصلاح التعليم.

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة