loader

أزمة العقل الإسلامي الوضعي وليست أزمة الإسلام

في عام المابعديات والسيولة وعدم اليقين، وبدايات مرحلة ما بعد الإنسان، تطرح أسئلة وإشكاليات فلسفية ووجودية على العقل الفلسفي، والسياسي، والديني حول مركزية الإنسان الفرد، والفردانية ففي عالمنا، وحول الوجود الإنساني ذاته، وفى علاقة الوضعي وميراثه، والمتياوضعي والديني في التراثات الدينية جميعها، لاسيما السماوية، في ظل أسئلة ومشكلات الوجود في ظل عالم الروبوتات، والذكاء الصناعي، وتداخل الرقمنة مع هذه التغيرات وتأثيرها على الحضور الإنساني ذاته. هذه الأسئلة بالغة الأهمية والخطورة على تطور العقل الديني، والمواريث الفقهية والوعظية واللاهوتية السائدة في عالمنا، وهذا لا يعنى أن هذه الأديان في أزمة، وإنما العقل الديني لاسيما التقليدي، الذي لا يزال يعيد إنتاج موروثه…

نبيل عبد الفتاح
خبير في شئون الحركات الإسلامية

في عام المابعديات والسيولة وعدم اليقين، وبدايات مرحلة ما بعد الإنسان، تطرح أسئلة وإشكاليات فلسفية ووجودية على العقل الفلسفي، والسياسي، والديني حول مركزية الإنسان الفرد، والفردانية ففي عالمنا، وحول الوجود الإنساني ذاته، وفى علاقة الوضعي وميراثه، والمتياوضعي والديني في التراثات الدينية جميعها، لاسيما السماوية، في ظل أسئلة ومشكلات الوجود في ظل عالم الروبوتات، والذكاء الصناعي، وتداخل الرقمنة مع هذه التغيرات وتأثيرها على الحضور الإنساني ذاته. هذه الأسئلة بالغة الأهمية والخطورة على تطور العقل الديني، والمواريث الفقهية والوعظية واللاهوتية السائدة في عالمنا، وهذا لا يعنى أن هذه الأديان في أزمة، وإنما العقل الديني لاسيما التقليدي، الذي لا يزال يعيد إنتاج موروثه التاريخي الوضعي محمولا على أسئلة ومشكلات الماضي التاريخي، للمدارس الفقهية واللاهوتية في العالم، لاسيما المشرق العربي، والأرثوذكسية القبطية والمشرقية. الانفصال التاريخي والموضوعي، بين العقل الديني المسيطر، وبين الواقع الموضوعي الراهن والمستقبلي، تشكل أحد مصادر أزمة العقل والمؤسسات الدينية التقليدية، ورجال الدين التقليديين، ومرجع ذلك  أولا : نظام التعليم والتكوين الديني، ومناهجه، واعتماده على العنعنة، والشروح على المتون الفقهية واللاهوتية التأسسية للمذاهب الدينية، الشروح على الشروح، بل وتدهور مستويات بعض الشروح من حيث اللغة والسرود  والتحليل عن الأجيال السابقة من رجال الدين التقليديين الكبار، على الرغم من طابعهم المحافظ، إزاء بعض قضايا وأسئلة عصرهم، كانت بعض مؤلفاتهم ذات مستوى رصين من حيث المقاربة واللغة الرفيعة، والاستيعاب العميق للموروث، والسعي إلى حضوره في الحياة، كأداة للتماسك الاجتماعي، ودفاعاً عن تصوراتهم للهوية الدينية، كإطار جامع للهوية الوطنية. نظام التعليم وارتكازه على الحفظ والتكرار أدى إلى تكريس الجمود الفقهي والوعظي، كما يتجلى في غالب الخطابات الدينية المسيطرة.

كرست الدول والأنظمة السياسية الشمولية والتسلطية منذ الاستقلال تأميم المجال الديني مع المجال العام السياسي، و السيطرة على المؤسسات الدينية الرسمية، على نحو أدى إلى خضوعها للسلطات السياسية الحاكمة، وتلعب وظائف التعبئة السياسية والاجتماعية، والتبرير وأحد أدواتها في السيطرة السياسية، وقمع الاتجاهات السياسية المعارضة، على نحو أنتج نمط من التسلطية الدينية، تابع للتسلطية السياسية، على نحو ساهم في بروز فجوات ثقة بين بعض القطاعات الاجتماعية، وبين المؤسسات الدينية العربية ، وهو ما أدى إلى تمهيد الواقع الاجتماعي لحركة الجماعات الإسلامية السياسية، والراديكالية والسلفية، خاصة في ظل تراجع دور السياسات الاجتماعية في إطار سياسات الخصخصة وفساداتها، وتزايد الفجوات الاجتماعية منذ منتصف عقد السبعينيات من القرن الماضي، مما أدى إلى تمدد هذه الجماعات وسط فئات اجتماعية معسورة، وبعضها يدخل فيما وراء خط الفقر، من خلال تقديم بعض الخدمات الاجتماعية لهم. لا شك أن المناورات والتوظيفات السلطوية لبعض هذه الجماعات الإسلامية السياسية في الصراع السياسي والاجتماعي، ودمج بعضها في إطار بعض المؤسسات السياسية، كان تعبيراً عن أزمة الشرعية، والضعف الرمزي والإيديولوجي للنظام ومؤسساته وأجهزته الإيديولوجية.

ارتكزت استراتيجيات هذه الجماعات الإسلامية السياسية والسلفية على الدمج بين العمل الدعوى والخدمي، للتغلغل وتجنيد العناصر من داخل هذه الأوساط، ثم العمل على الدعوة داخل الجامعات، ولاسيما الكليات العملية، ثم التحرك وسط المعلمين والمعلمات، نقلا عن استراتيجية الجهاد الأكبر لحسن الترابي في السودان، والأخطر التغلغل وسط الكليات الدينية –الأزهر، والزيتونة فى تونس على سبيل المثال-، وبين أساتذة هذه الجامعات والكليات الدينية والعلمية. من هنا سادت أفكار بعض الجماعات التكفيرية والسلفية الجهادية وسط بعض هؤلاء، وساعد على ذلك أن نمط الخطاب النقلي والسلفي المتشدد ذو الأبعاد السياسية كان يلقى رواجا ودعما من الدول العربية، النفطية في منطقة الخليج، وخاصة في السوق الديني الإقليمي في المساجد، والكليات، والصحافة والإعلام المرئي، وخاصة بعد ظهور الفضائيات وتكاثرها. هذا التيار العارم، أدى إلى ظهور تنظيم القاعدة، و تجنيد الكوادر من بعض العاطلين وغيرهم للذهاب إلى مراكز التدريب في بيشاور بباكستان للقتال في أفغانستان ضد القوات السوفيتية آنذاك، بدعم وتمويل من هذه الدول والولايات المتحدة، وهى حالة أدت في ظل الانسداد السياسي والتاريخي لهذه الأنظمة الشمولية والتسلطية إلى انخراط بعض أبناء الطبقات العليا، والمتوسطة في السعودية ودول الخليج، ومصر إلى القاعدة، وتطويرها تنظيميا، وشبكياً، على نحو أدى إلى مساوقة العقل الإسلامي الراديكالي للعقل التقني الغربي ، ووصوله الي ذروة الخيال الإرهابي، ومسلحاً بأدوات التفكير والمقاربات التقنية والتخطيط والخيال العملي علي نحو ادي إلى التطور المتنامي من عمليات إرهابية في مواقع حساسة وغير متوقعة استخباراتيا وأمنياً، في أفريقيا، وتوجت بالعمل الإرهابي الضخم في تدمير أيقونات القوة الرمزية الأمريكية في أحداث 11 سبتمبر لبرجي التجارة. نظرية العدو البعيد، وانخراط بعض ابناء الجيل الثالث والرابع في الحركة الإسلامية الراديكالية، شكل عامل جذب لعناصر جديدة متعلمة إلى دوائر المنظمات الإسلامية السياسية الراديكالية، ثم نشأ تنظيم الدولة الإسلامية بعد الفوضى في سوريا والعراق، وبدعم من دول نفطية عربية، وتوظيف سياسي أمريكي إلى أن تصادمت مع داعش في العراق وسوريا. هذه البيئة التكوينية والعملياتية للسلفيات السياسية الراديكالية هي نتاج لكسر هذه الجماعات احتكار السلطات والمؤسسات الدينية والسياسية للإسلام وتوظيفاته السياسية، على نحو أدى إلى تمدد العقل السلفي الراديكالي تحت راية الجهاد!

ساهم العقل السياسي السلطوي، ومؤسساته الدينية، في بروز  أزمة كبرى للعقل الإسلامي من خلال سياسات دينية في العالم العربي، تغطى على القيود والقمع السياسي وإغلاق المجال العام بتوظيف الدين وجماعاته، واعلي رأسها الجماعات السياسية الإسلامية كجماعة الإخوان المسلمين، ثم الصراع معها، وتوظيف الجماعات السلفية لصالحها كما في حالة تونس تحت حكم الجنرال زين العابدين بن على، على نحو أدى إلى تمدد السلفية السياسية الراديكالية في نهايات عهده، ثم تحول بعضها إلى جزء من تكوين تنظيم جماعة النهضة التونسية، التي فشلت ومعها النخبة السياسية في إدارة مراحل الانتقال السياسي بعد انتفاضة نوفمبر 2011. الأزمة ليست في الإسلام يا سيد ماكرون وخطابك الذي يغازل اليمين المتطرف واليمين قبل الانتخابات الرئاسية القادمة بعد فشلك في إدارة أزمة كرونا، وضرائب القيمة المضافة، وقانون المعاشات، وإنما في توظيفات إدارتكم التي دعمت النهضة في تونس ما بعد بن على، وكانت نتائجها فشل سياسي واقتصادي، وعسر الحياة للأغلبية الشعبية في وسط وجنوب تونس.

الأزمة في العقل الإسلامي السياسي الراديكالي والسلطوي التابع، في العالم العربي. أزمة تحتاج إلى حلقة حوارية ضيقة العدد من كبار العقول المصرية، يدعو لها الأستاذ الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، وبعيداً عن الإعلام، لمناقشة أبعاد الأزمة، وطرائق الخروج منها على نحو ما تم في الحوارات التي أدارها بحكمة ورصانة بين بعض كبار المثقفين، وعلماء الأزهر. 

نقلا عن جريدة الأهرام، الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٠.

نبيل عبد الفتاح
خبير في شئون الحركات الإسلامية