تنمية ومجتمع

من الأزمة إلى الوفرة: قطاع الكهرباء في مصر “على الطريق الصحيح”

يُعتبر قطاع الطاقة في مصر حاليًّا وجهة جاذبة للاستثمار وذلك رغم الصعوبات العديدة التي واجهته خلال السنوات السابقة، حتى إن مؤسسة فيتش (Fitch Solution)، قد ذكرت في إصدار نشرته مطلع العام الجاري، أن قطاع الكهرباء في مصر يسير على الطريق الصحيح لتوليد فائض قابل للتصدير، ويتوقع الإصدار زيادة توليد الطاقة في مصر لتصل إلى 265 تيرا وات ساعة خلال ثلاثة أعوام، بدلًا من 231.5 تيرا وات ساعة هذا العام، وستسمح هذه الزيادة بتوليد فائض حتى مع ارتفاع الطلب المحلي إلى 234.9 تيرا ساعة بحلول عام 2023، ويأتي هذا النمو بقطاع الكهرباء مدفوعًا بمحطات الطاقة التي تعمل بالوقود الأحفوري، حيث تنتج…

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

يُعتبر قطاع الطاقة في مصر حاليًّا وجهة جاذبة للاستثمار وذلك رغم الصعوبات العديدة التي واجهته خلال السنوات السابقة، حتى إن مؤسسة فيتش (Fitch Solution)، قد ذكرت في إصدار نشرته مطلع العام الجاري، أن قطاع الكهرباء في مصر يسير على الطريق الصحيح لتوليد فائض قابل للتصدير، ويتوقع الإصدار زيادة توليد الطاقة في مصر لتصل إلى 265 تيرا وات ساعة خلال ثلاثة أعوام، بدلًا من 231.5 تيرا وات ساعة هذا العام، وستسمح هذه الزيادة بتوليد فائض حتى مع ارتفاع الطلب المحلي إلى 234.9 تيرا ساعة بحلول عام 2023، ويأتي هذا النمو بقطاع الكهرباء مدفوعًا بمحطات الطاقة التي تعمل بالوقود الأحفوري، حيث تنتج محطات الغاز والفحم 85٪ من الكهرباء المولدة في مصر. هذا التحسن المتزايد في أداء القطاع يبدو مختلفًا بصورة شبه كلية عن الوضع قبل 6 سنوات، حين عانت مصر بين عامي 2009 و2013 من أسوأ أزمات الطاقة في تاريخها الحديث.

أزمة سابقة

في أواخر العقد الأول وبداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كانت أزمة الكهرباء قد برزت على السطح مع انقطاعات متكررة ممتدة لساعات طويلة في أنحاء الجمهورية. أتى هذا مع تزايد الطلب على الكهرباء بسبب الزيادة السكانية وتطور النشاط الصناعي بما لا يتوافق مع إمكانيات الطاقة بمصر. إذ إن ظروف سوء الإدارة طويل المدى لملف الطاقة وإنتاج الغاز الطبيعي، بالإضافة للتوترات السياسية إبان الثورة، لم تؤدِّ فقط إلى وقف تصدير الغاز بحلول عام 2012، بل إن الإنتاج المحلي من الغاز لم يعد كافيًا لسد احتياجات قطاعي الصناعة وتوليد الطاقة، وفي الوقت نفسه فإن أزمة ميزان المدفوعات جعلت من الصعب استيراد الوقود السائل البديل، وهو ما زاد من حالة الاحتقان الشعبي بعد تدهور الخدمات الرئيسية، وعدم وجود حلول واضحة لدى الحكومة وقتها، خاصة وأنه بنهاية عام 2013 بلغت قدرات توليد الطاقة المصرية 30000 ميجاوات فقط، وهذا رقم ضئيل مقارنة بعدد السكان، وحتى بمقارنته بدول يبلغ عدد سكانها حوالي نصف الشعب المصري، نجد أن 48 مليون جنوب إفريقي يستهلكون 44000 ميجاوات، و49 مليون مواطن بكوريا الجنوبية يستهلكون 80000 ميجاوات.

مع تفاقم الوضع الاقتصادي بالتوازي مع عدم الاستقرار السياسي والأمني، عجزت الحكومة عن دفع مستحقات شركات التنقيب، التي كان من الممكن أن تفيد اكتشافاتها في حل الأزمة، وهو ما ردت عليه الشركات -بدورها- بوقف أنشطتها. إضافة إلى ذلك لم تستطع الدولة بناء محطات جديدة بسبب عدم قدرتها على الحصول على قروض من البنوك الدولية. نتيجة لذلك، تم تشغيل شبكات الطاقة غير الملائمة بكامل قدرتها لتلبية الطلب المتزايد، وتم إلغاء عمليات الإغلاق اللازمة لتنفيذ الصيانات الدورية، وهو ما أدى إلى تدهور الكفاءة وتقليل فترات الاستهلاك.

الخروج من الأزمة

مع بداية عودة الاستقرار للبلاد عام 2014، بدأت الحكومة الجديدة في إدارة المشكلة بصورة أكثر جدية، وتنفيذ حلول قصيرة وطويلة الأجل. حيث تم تخفيض حصة الغاز الموجهة لمصانع الأسمنت والأسمدة من 940 مليون قدم مكعب إلى 350 مليون قدم مكعب يوميًّا، حيث تم توجيه هذه الكميات لمحطات إنتاج الطاقة، وهو ما أدى إلى تقليل العجز إلى 1800 ميجاوات.

واتجهت الحكومة نحو إعادة هيكلة دعم الطاقة، فخفضت دعم الطاقة بنسبة الثلث تقريبًا، ونفذت زيادة تدريجية بنسبة 30 إلى 55٪ في أسعار الكهرباء، تبعًا لفئة الاستهلاك. ورغم أن هذا أدى إلى رفع أسعار الوقود للاستهلاك المنزلي والصناعي، إلا أن الحكومة تبنت هذه الإجراءات كجزء من خطتها لترشيد استهلاك موارد الطاقة وتقليل عجز الموازنة وتأمين بيئة اقتصادية أفضل لاستثمارات البنية التحتية.

استطاعت الحكومة، مع الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد، المضيّ قدمًا في تغطية احتياجاتها وتقليل العجز في زمن قياسي. ففي عام 2015 وقّعت الشركة الصناعية الألمانية سيمنز صفقة بقيمة 8 مليارات يورو مع مصر بهدف تزويدها بمحطات الكهرباء المطلوبة، وهي الصفقة الأكبر في تاريخ هذه الشركة العملاقة. وصرحت سيمنز آنذاك بأن هذه المحطات ستضيف 16400 جيجا إلى شبكة الكهرباء الوطنية المصرية. وشمل الاتفاق إنشاء ثلاث محطات غاز جديدة قالت شركة سيمنز إنها ستكون الأكبر في العالم، وشاركت شركة أوراسكوم للإنشاءات مع سيمنز في بناء محطتين ذات دورتين مشتركتين بطاقة توليد إجمالية تبلغ 9600 ميجاوات بحصة إجمالية من العقود بلغت 1.6 مليار يورو، مولتها الشركة القابضة لكهرباء مصر.

كذلك أدرجت مصر ضمن الصفقة إنشاء 12 مزرعة رياح في منطقتي خليج السويس وغرب النيل، تضم حوالي 600 توربينة رياح وقدرة مركبة تبلغ 2 جيجاوات، مع الاشتراط على الشركة الألمانية ببناء منشأة لتصنيع الشفرات الدوارة، توفر التدريب والتوظيف لألف شخص في عام 2017، ورغم التكلفة الضخمة لهذه الصفقة وغيرها من المجهودات بالقطاع، إلا أنها كانت جزءًا من برنامج ضخم للإصلاح الاقتصادي تبنته الدولة، وظهرت ثماره في إنهاء ذكرى الانقطاعات الطويلة للكهرباء التي امتدت لسنوات.

الاستثمار في الطاقة المتجددة

بالتوازي مع الاستثمار في محطات الوقود الأحفوري، لجأت الدولة إلى زيادة نصيب الطاقة المتجددة في إنتاج الطاقة الكهربية، ومنذ عام 2014 أخذت الدولة في تطبيق حزمة من القوانين المستحدثة، مثل قانون التعريفة الجديد المتعلق بتسعير وشراء الطاقة المتجددة، بهدف تشجيع المستثمرين على اقتحام السوق. وهدفت خطة الحكومة المستقبلية لزيادة حصة الطاقة المتجددة إلى 20% من إجمالي موارد الطاقة بحلول عام 2022.

وقد نجحت هذه الإجراءات في تشجيع الاستثمار وتوفير التمويل اللازم لبناء عدد من مشروعات الطاقة المتجددة، منها إنشاء أكبر محطات العالم المولدة للطاقة الشمسية، وهي محطة بنبان للطاقة الشمسية في أسوان، والتي تضم 32 محطة، مولها البنك الدولي بتكلفة إجمالية 4 مليارات دولار. ومن هذه المشروعات أيضًا مزرعة رياح جبل الزيت بالقرب من الغردقة، التي تم إطلاق مشروعها عام 2015، بقدرة 580 ميجاوات، وإجمالي 300 توربينة رياح، وبتكلفة إجمالية قدرها 670.64 مليون دولار؛ وكذلك مزرعة رياح رأس غارب بقدرة 500 ميجاوات، وأنشأتها شركة أوراسكوم للإنشاءات، ومحطة الطاقة الشمسية كوم أمبو التابعة لشركة أكوا باور بقدرة 200 ميجاوات، ومزرعة ليكيلا باور لطاقة الرياح البالغ تكلتها 325 مليون دولار أمريكي بقدرة 250 ميجاوات.

ومع بداية عام 2019، وصل إجمالي كمية الطاقة المتجددة المولدة إلى 5800 ميجاوات من المتوقع أن تزداد زيادة طفيفة في عام 2020 إلى 6000 ميجاوات. وهو ما يشكل حوالي 11٪ من 55000 ميجاوات يتم توليدها في مصر سنويًّا. ورغم الزيادة الكبيرة في هذه السنوات القليلة والتي وضعت مصر في مكانة الدولة الأولى في مجال إنتاج الطاقة المتجددة بمنطقة الشرق الأوسط؛ إلا أن هذه النسبة لا تزال غير متوافقة مع حصة الـ20٪ المستهدفة لعام 2022 و42٪ في عام 2035.

مشروعات الربط الكهربائي

مع تحقيق الفائض في ميزان العرض والطلب للكهرباء، أعلنت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة أن مصر لديها استراتيجية للتنفيذ في المستقبل القريب لربط الكهرباء مع دول الجوار وعدد من دول العالم, بل وتهدف لأن تكون مركزًا لربط الكهرباء بين الدول العربية والإفريقية والعالم وممرًا للطاقة المتجددة. ووقعت الحكومة المصرية عددًا من العقود لمشاريع الربط،, وتجهز للبعض الآخر في المستقبل القريب.

وتأتي دول السعودية والسودان والأردن وليبيا على رأس القائمة، ومن بعدها القارتان الإفريقية والأوروبية. إذ تم توقيع العقود مع المملكة العربية السعودية خلال العام الجاري، كما تم الربط مع السودان منذ أبريل 2020 بواقع 240 ميجاوات طبقًا لاحتياجات السودان في الفترة الحالية. كما تم تنفيذ شبكات الربط البيني لضخ 500 ميجاوات مستقبلًا، حيث إن الجانب السوداني يعاني من مشاكل فنية في الشبكة، وقد عرضت مصر تقديم خدماتها في هذا الصدد. كما كشف وزير الكهرباء والطاقة المتجددة في 19 يوليو ٢٠٢٠ عن خطة لربط دول القارة الإفريقية كلها كهربيًّا، مشيرًا إلى أن العالم بعد نحو 20 عامًا من الآن سيكون متصلًا بشبكة كهرباء موحدة.

نظرة مستقبلية لقطاع الكهرباء

رغم أن الدولة لم تستكمل بعد كل الإجراءات الإصلاحية في سياسات إدارة موارد الطاقة، ورغم عدم قدرتها على الإيفاء بزيادة حصة الطاقة المتجددة للهدف المعلن بعام 2020, واعتمادها بصورة أساسية على موارد الطاقة الأحفورية؛ إلا أن الوضع المستقبلي يبدو مطمئنًا ومتفائلًا بدرجة كبيرة. خاصة إذا قورنت الحالة التي وصل إليها القطاع بالحالة التي كان عليها منذ 6 سنوات فقط. وهو ما يشكل مناخًا مشجعًا وبيئة اقتصادية أكثر ترحيبًا بالمستثمر.

وقد توقع إصدار وكالة “فيتش” المشار إليه سلفًا إلى أن تكون مصادر الطاقة المتجددة هي القطاع الأسرع نموًّا حتى عام 2028، مع زيادة السعة بأكثر من 8500 ميجاوات، بمعدل متوسط ​​22.1% نموًا سنويًا بين عامي 2019 و2028، وذلك بسبب توافر إمكانات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وانخفاض تكاليف المعدات والتقنية، الأمر الذي سيؤدي إلى إنتاج كهرباء بأسعار تنافسية مقارنة بمتوسط أسعار الطاقة الأحفورية، وسيساعد هذا على جلب استثمارات القطاع الخاص، والتي اعتبرها التقرير ضرورية لتنمية القطاع.

وات: وحدة لقياس القدرة الكهربائية. وتعبر عن القدرة التي يبذلها تيار ثابت قيمته أمبير واحد بجهد كهربائي قيمته فولت واحد.
ميجاوات: تساوي 106 وات.
تيراوات: تساوي 1012 وات.
وات ساعة: هي وحدة لقياس الطاقة، تعبر عن مقدار العمل المبذول لتوفير وات من الكهرباء لمدة ساعة.

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة