وحدة الدراسات الأفريقية

عودة سد النهضة إلى الواجهة: رسائل متناقضة وتوظيف سياسي

بعد أسابيع من التراجع، عادت الحكومة الإثيوبية لدفع ملف النهضة للواجهة كورقة سياسية تستخدم في الداخل والخارج على السواء، ففي وقت وجيز تتابعت تصريحات قائد القوات الجوية الإثيوبي التي أعلن فيها استعداد قواته حماية موقع سد النهضة بصورة كاملة، وهي التصريحات التي أعقبها اتخاذ قرار من جانب سلطات الطيران المدني في إثيوبيا بحظر الطيران فوق موقع السد بصفة كلية. وبعيداً عن الوجوه المعتادة المنخرطة في الأداء الإعلامي المتعلق بسد النهضة كرئيس الوزراء ووزيري الخارجية والري، قامت رئيس الجمهورية سهلي ورك زودي بالتصريح باستعداد بلادها لتوليد الكهرباء من سد النهضة في غضون 12 شهراً مقبلة من أول توربينين تم تركيبها بجسم…

د.أحمد عليبة ــ د. أحمد أمل

بعد أسابيع من التراجع، عادت الحكومة الإثيوبية لدفع ملف النهضة للواجهة كورقة سياسية تستخدم في الداخل والخارج على السواء، ففي وقت وجيز تتابعت تصريحات قائد القوات الجوية الإثيوبي التي أعلن فيها استعداد قواته حماية موقع سد النهضة بصورة كاملة، وهي التصريحات التي أعقبها اتخاذ قرار من جانب سلطات الطيران المدني في إثيوبيا بحظر الطيران فوق موقع السد بصفة كلية. وبعيداً عن الوجوه المعتادة المنخرطة في الأداء الإعلامي المتعلق بسد النهضة كرئيس الوزراء ووزيري الخارجية والري، قامت رئيس الجمهورية سهلي ورك زودي بالتصريح باستعداد بلادها لتوليد الكهرباء من سد النهضة في غضون 12 شهراً مقبلة من أول توربينين تم تركيبها بجسم السد لتوليد الكهرباء.

الدلالات السياسية

تأتي هذه العودة المفاجئة لسد النهضة لتصدر اهتمامات الحكومة الإثيوبية لتثير العديد من التساؤلات بشأن الأبعاد السياسية وراء هذه الموجة الجديدة من التصريحات بشقيها العسكري والفني، والتي تأتي جميعها لتحقيق أهداف سياسية كما هي عادة حكومة آبي منذ توليه السلطة في أبريل من عام 2018. وتوضح النقاط التالية أبرز الأبعاد السياسية التي حملتها التصريحات الإثيوبية الأخيرة بشأن سد النهضة:

  • لا يوجد أي مبرر موضوعي لإثارة هذه الحملة الأخيرة من التصريحات والقرارات الرسمية بشأن سد النهضة، خاصة منذ دخول المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا في حالة من الجمود، بعد إخفاق الاتحاد الأفريقي في التوسط بين الدول الثلاثة وإعداد مسودة مجمعة بالبنود الفنية والقانونية محل التوافق، وهي المهمة التي كان مقرراً لها أن يتم إنجازها بصورة تامة في نهاية أغسطس الماضي. ومنذ ذلك التاريخ، لم تشهد المفاوضات تطورات تذكر، خاصة في ظل اهتمام الدول الثلاث بملفات إقليمية أكثر أهمية كالفيضانات وتداعياتها، وتطورات السلام في السودان.
  • لا يمكن تجاهل محاولات آبي أحمد المتكررة استغلال ملف سد النهضة في مواجهة أزمات الداخل، من خلال تجديد وعوده بتحقيق طفرة اقتصادية بعد إتمام تشغيله بالطاقة القصوى، وعبر تصدير تصورات بوجود تهديد خارجي للتنمية في إثيوبيا. وبينما أخفقت هذه المحاولات في العامين الماضيين في ترميم شعبية آبي أحمد المتآكلة، لا يتوقع أن تسهم موجة التصريحات الأخيرة في تحقيق تأثير سياسي ملموس.
  • تأتي التصريحات الأخيرة بشأن سد النهضة في وقت بلغت فيه الأزمات الداخلية في إثيوبيا ذروة جديدة، مع اتساع الفجوة بين الحكومة الفدرالية وحكومة إقليم تيجراي في أعقاب تنفيذ الأخيرة تهديدها وإجراء الانتخابات الإقليمية في التاسع من سبتمبر الماضي، الأمر الذي أثبت عجز الحكومة الفدرالية عن ممارسة أبسط مظاهر السيادة، ليظهر آبي أحمد في صورة مجرد لاعب مؤثر بين عدد من اللاعبين الآخرين القادرين بدورهم على التأثير في المشهد السياسي الإثيوبي. كذلك لم تفلح مناورة الحكومة الفدرالية في التلويح بإمكانية عقد انتخابات عامة قريباً، بعد أن رفع البرلمان بموجب تقرير لوزارة الصحة القيد الذي فرض على تنظيم الانتخابات بسبب انتشار فيروس كورونا، إلا أن إحالة ملف تحديد موعد الانتخابات للجنة الوطنية المستقلة للانتخابات أدى إلى تنامي الشكوك في النوايا الحقيقية وراء هذه الخطوة، التي قام بها البرلمان الذي يسيطر عليه حزب الازدهار برئاسة آبي أحمد لمجرد كسب المزيد من الوقت.
  • على الصعيد الأمني، يشهد إقليم بني شنقول الواقع في أقصى غرب البلاد والذي يضم موقع بناء سد النهضة اختلالات أمنية متكررة نجمت عن تكرار وقوع هجمات مسلحة على العديد من القرى في الإقليم، الأمر الذي استتبع قيام الحكومة الفدرالية بحملة تصحيحية لإقالة أعداد كبيرة من المسؤولين السياسيين والأمنيين بالإقليم، وذلك في ظل الغموض الكبير الذي اكتنف الهجمات الأخيرة. كذلك قامت المحاكم الإثيوبية في الأسابيع الأخيرة بتوجيه اتهامات بالإرهاب لرموز المعارضة الذين ألقي القبض عليهم خلال موجة الاحتجاجات في يوليو الماضي، وفي مقدمتهم جوهر محمد أحد أبرز المعارضين في إقليم أوروميا. ومن شأن هذا الإجراء أن يعقد من فرص قيام آبي أحمد بعقد صفقة سياسية مع المعارضة، وهو ما يعزز من فرص انفجار موجة جديدة من الاحتجاجات العنيفة التي ربما تفوق سابقتها التي بدأت منذ ثلاثة أشهر.
  • من الناحية الرمزية، غاب آبي أحمد عن مشهد التصريحات المتوالية بشأن سد النهضة والتي كان الغرض منها تجديد التوقعات بتشغيل وشيك للسد، وإظهار القدرة على حمايته، مكتفياً بخطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي عالج فيه قضية السد من زاوية الحرص على طمأنة دولتي المصب وتبرئة ساحته من تهديد الأمن الإقليمي أمام المجتمع الدولي. فقد قامت الرئيسة سهلي ورك زودي بالإدلاء بالتصريح الغامض بشأن توليد الكهرباء خلال عام من الآن، من دون تحديد موعد محدد أو كمية الكهرباء المتولدة من السد. هذا الوضع غير المعتاد في إدارة الخطاب الإعلامي بشأن سد النهضة قد يكون نتاجاً لرغبة آبي أحمد في التنصل من الإدلاء بالمزيد من الوعود غير الواقعية. فوفقاً لطبيعة النظام البرلماني الذي يقره الدستور الإثيوبي منذ عام 1995، يعد رئيس الوزراء هو المسؤول التنفيذي الأول، بينما يظل منصب رئيس الجمهورية منصباً شرفياً بدرجة كبيرة.

الهواجس الأمنية

على المستوى الأمني، عكس فرض أديس أبابا لحظر الطيران المدني فوق أجواء سد النهضة نظرية الهاجس الأمني التي صدرتها أثيوبيا في الفترة الأخيرة بشأن السد، وذلك على الرغم من عدم ورود تهديدات يمكن أن تبرر هذه المخاوف في أي مرحلة من المراحل، لكنها على الأغلب تبرر هذا السلوك الذي تعتمده العديد من الدول كمبرر لإظهار حرصها على أن لديها مخاوف على منشآت سيادية، قد تتعرض لتهديدات أو مخاوف أو طوارئ يصعب التعامل معها حتى ولو كانت احتمالات ذلك ضئيلة للغاية.

ويمكن للدول بشكل عام تعديل خطوط الطيران كل شهر أو تركها على كما هي أو تعديل بعضها فوق مناطق معينه، وبما أن التعديل يشمل خطوط الطيران المدني فبالتعبية أن تصدر الدول تصريحات العبور العسكري وفق التعديلات ذاتها، ومن خلال جهاز “ترانسبوندر” (Transponder)  يمكن لأجهزة الرادار قراءة بيانات الطائرة أثناء الطيران اضافة إلى أجهزة الرصد التقليدية الأرضية الأخرى، وعلى الأرجح في العديد من الحالات تنشر الدول كتائب صواريخ أو منظومات دفاعية في محيط تلك المناطق، وربما قد يلجأ البعض إلى وسيلة بديلة أو اضافية من خلال أنواع معينة من الطائرات يمكنها القيام بعملية اعتراض للطيران في حال مخالفة خطوط السير الجديدة. 

وفي هذا السياق تحديداً يشار إلى أن أثيوبيا نشرت في محيط السد نظام الدفاع الجوي الروسي (Pantsir-S1)، إضافة إلى قاذفات من نوع S-125 (SA-3). وفقا لتقرير الإعلام الرسمي الاثيوبي الذي حرص على إظهار دور قواتها المسلحة في تأمين السد، كذلك أشارت تقارير عسكرية إلى أن إثيوبيا عملت على تحديث دفاعاتها الجوية ضمن برنامج تحديث وطني عام 2016، شمل تركيب صواريخ أرض-جو بعيدة المدى من طراز S-75 (SA-2) على هيكل دبابات من نوع (T-55) لتحوليها إلى قاذفات ميدانية متحركة.  

 كذلك فإن الدول التي تعتمد نظرية الهاجس الأمني، غالبا ما تحدد مصادر التهديد المحتملة، وبالتالي تدرس قدرات تلك المصادر العسكرية لاسيما الهجومية المتعددة والتي لا يشترط أنه تكون جوية فقط. لكن من المهم القول أن تلك القدرات المتاحة لإثيوبيا يمكنها التعامل مع تهديدات محدودة من الناحية العملية، ربما في ظل الافتقار إلى قدرات دفاعية أعلى في المستوي مقارنة بخبرات جيوش أكبر لديها منظومات دفاعية مركبة ومعقدة، إلى جانب الافتقار لقدرات التشغيل بالتبعية، فضلاً عن عملية التأمين، خاصة في حال صحة التقارير التي أشارت الشهر الماضي إلى أن إعطاب منظومتي (Pantsir-S1) قد وقع بسبب الرعد.

ويمكن القول إن اثيوبيا تعتمد اظهار الهاجس الأمني في محاولة منها لإظهار أن لديها مشروع قومي معرض لتهديد، ومبرر لبرنامج عسكري دفاعي غير معلن، فعلى سبيل المثال لم يعرف متي حصلت على (Pantsir-S1) أو ما هو عددها، إضافة إلى أن تغير خطوط الطيران لا يشرط أن يكون لهدف مخاوف من عمل هجومي، فقد يكون الهدف منه تفادي عمليات التصوير الجوي، وبالتالي أيضا تعزيز نطاق السرية بدرجة أكبر.

وإجمالاً، وبالجمع بين الأبعاد السياسية والأمنية للتصريحات الإثيوبية الأخيرة بشأن سد النهضة، يتضح رغبة الحكومة الإثيوبية في مخاطبة جمهورها في الداخل برسالة مفادها أن هناك إنجاز تنموي ضخم توشك الحكومة على بدء الاستفادة منه، وفي الوقت نفسه هناك نوايا سيئة يحملها آخرون تجاه هذا المشروع، إلا أن الحكومة الإثيوبية “القوية” قادرة على تأمينه. هذه الرسالة المركبة لا تكشف سوى استمرار السمات التقليدية للخطاب الإثيوبي بشأن سد النهضة من إرسال الرسائل المتناقضة، ومجافاة الواقع، واستهداف التوظيف السياسي الداخلي من كافة التصريحات. ويعكس هذا الوضع قدراً كبيراً من الجمود في معالجة الحكومة الإثيوبية لقضية السد واستمرار العجز عن مواكبة التطورات المتسارعة التي يشهدها الواقع السياسي في الداخل الإثيوبي، الأمر الذي يطرح الكثير من الشكوك في الجدوى الفعلية لهذه التصريحات الأخيرة.

د.أحمد عليبة ــ د. أحمد أمل