سد فجوة المعرفة بالجيران

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

هل لفت نظرك هذا العدد الكبير من الأتراك والإيرانيين والإسرائيليين الذين يظهرون على شاشات التليفزيون وهم يتحدثون العربية بطلاقة؟ هل تساءلت كم متحدث عربي بالتركية أو الفارسية أو العبرية يمكنه أن يؤدي بنفس الكفاءة على شاشات تلفاز هذه البلاد؟ دراسة دول ومجتمعات الجيران هي إحدى فرائض الأمن القومي الغائبة؛ وهناك حاجة ملحة لتأسيس بنية تحتية قوية من الباحثين والإعلاميين المتخصصين في شئون مجتمعات ودول الجوار.  يخوض العرب صراعات مع إيران وتركيا وإسرائيل من موقع ضعف، فيما يتمتع هؤلاء بميزات نسبية مهمة. عوامل قوة إيران وتركيا وإسرائيل كثيرة، لكنني أركز على عاملين اثنين، هما المعرفة، والقدرة على الاختراق. فبينما يعرف الإيرانيون…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

هل لفت نظرك هذا العدد الكبير من الأتراك والإيرانيين والإسرائيليين الذين يظهرون على شاشات التليفزيون وهم يتحدثون العربية بطلاقة؟ هل تساءلت كم متحدث عربي بالتركية أو الفارسية أو العبرية يمكنه أن يؤدي بنفس الكفاءة على شاشات تلفاز هذه البلاد؟ دراسة دول ومجتمعات الجيران هي إحدى فرائض الأمن القومي الغائبة؛ وهناك حاجة ملحة لتأسيس بنية تحتية قوية من الباحثين والإعلاميين المتخصصين في شئون مجتمعات ودول الجوار. 

يخوض العرب صراعات مع إيران وتركيا وإسرائيل من موقع ضعف، فيما يتمتع هؤلاء بميزات نسبية مهمة. عوامل قوة إيران وتركيا وإسرائيل كثيرة، لكنني أركز على عاملين اثنين، هما المعرفة، والقدرة على الاختراق. فبينما يعرف الإيرانيون والأتراك والإسرائيليون الكثير عن بلاد العرب المستهدفة، فإن معرفة العرب ببلاد ومجتمعات الفرس والترك والإسرائيليين تغلب عليها السطحية. وبينما تستطيع إيران وتركيا اختراق مجتمعات ودول العرب، لبناء قواعد تأييد داعمة لها داخل بلادهم، فإن قدرة العرب على اختراق المجتمع في إيران وتركيا تبدو محدودة جدا. 

ترجع فجوة معرفة العرب بالإيرانيين والفرس إلى عوامل تتعلق بالتاريخ والدين واللغة. لقد انتشر الإسلام بين الفرس والترك، وأصبح تعلم العربية أمرا لازما لكل من أراد التفقه، ولو قليلا، في شئون الدين. كل مشتغل بالدين في إيران وتركيا يعرف العربية كالفصحاء من أهلها، الأمر الذي ينطبق أيضا على الآلاف ممن تمت تنشئتهم تنشئة دينية، والمتأثرين بأفكار جماعات الإسلام السياسي ذات التلاوين المختلفة المنتشرة في كل بلاد المسلمين. شيوع المعرفة باللغة العربية في إيران وتركيا لأسباب تتعلق بالدين، يوفر لهذه البلاد قاعدة واسعة من الملمين جيدا بالعربية، والذين يتخصصون في دراسة مجتمعات وثقافة وتاريخ وسياسة بلاد العرب، ويزودون أجهزة الإعلام الموجه ووكالات التخابر النشطة بالكوادر ذات الكفاءة. 

بالمقابل فإن أحدا في البلاد العربية ليس بحاجة لتعلم الفارسية أو التركية. فالمشتغلين بالدين عندنا ليسوا في حاجة لتعلم لغة أجنبية، وعندما يفعلون فإنهم يتعلمون لغة أوروبية شائعة، كالإنجليزية أو الفرنسية، وقد يذهبون إلى جامعات الغرب من أجل الدراسات العليا والمتقدمة. لا عيب في كل هذا، لكن الملاحظة هنا هو اختلاف ذلك عما كان شائعا في بلادنا حتى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، عندما كان العرب والفرس والترك متجاورين في إطار حضاري وسياسي فيه الكثير من المشتركات وعلاقات التفاعل، فكان التحدث بلغات الفرس والترك أمرا شائعا بين المتعلمين ورجال السياسة والدين العرب. لقد انفصلنا عن الترك والفرس لتكوين الدول الوطنية العربية، وتقلصت نتيجة لذلك التفاعلات المجتمعية مع الشعوب الفارسية والتركية، فكادت تختفي الآليات المجتمعية التلقائية للتبادل الثقافي ولمتابعة ما يجري داخل هذه المجتمعات.  

كان من الممكن تعويض هذا النقص بالفضول المعرفي، الذي يدفع طلاب العلم لدراسة لغات وثقافات وتاريخ شعوب بعيدة؛ وكان من الممكن أيضا تعويضه من خلال الجهد القصدي الذي يستهدف سد الحاجة السياسية والأمنية الملحة لدراسة الجيران عن قرب. فالجيران هم غالبا مصدر التهديد الأكثر خطورة، وإن كان من الممكن لهم أن يصبحوا في بعض الأحيان فرصة سياسية واقتصادية، وفي الحالتين فإن دراسة أحوالهم من مختلف جوانبها هو قضية أمن قومي من الطراز الأول. 

لا يوجد ما يشير إلى أن الفضول المعرفي هو أحد مكونات الثقافة السائدة في بلادنا، فلا الثقافة المجتمعية ولا نظام التعليم عندنا يشجعان على تقدير المعرفة كقيمة في حد ذاتها، فالمعرفة التي ليس لها قيمة سوقية وسعر مجز يحدده سوق العمل، تعتبر شيء عديم الفائدة، لا داعي لإهدار الوقت لتعلمه. هل لاحظت اهتمام خطط تطوير التعليم الجامعي بإنتاج خريجين يسدون احتياجات سوق العمل، وليس خريجين متمكنين من أحدث وأرقى المعارف، والفرق بين الأمرين كبير. فسوق العمل في بلد نامي مثل بلدنا، لا يحتاج سوى إلى القليل جدا من المعرفة المتقدمة في المجالات المختلفة، ولو قصرت جامعاتنا اهتمامها على سد احتياجات سوق العمل لتأخرت كثيرا عن متابعة التقدم المعرفي الحادث في العالم.  

هناك باحثون وكتاب عرب يكافحون من أجل إنتاج معرفة راقية عن إيران وتركيا وإسرائيل، وهو جهد مقدر بكل تأكيد، وإن كان هذا لا يخفي التناقضات وأوجه القصور الشائعة في مجال الدراسات الإيرانية والتركية والإسرائيلية. فعدد كبير من الباحثين الذين تخصصوا في الكتابة عن هذه البلاد لا يمكنه القراءة بلغاتها، ولم لا، ونظم التعليم الجامعي عندنا تسمح للطالب بكتابة رسالة علمية عن بلد لا يعرف لغته، مستعيضا عن ذلك بالقراءة عن هذا البلد في  مصادر غربية؛ وهو أمر لا يمكن له أن يحدث في جامعات أوروبا وأمريكا واليابان والصين. 

لدينا باحثون يعرفون جيدا لغة البلد المدروس، لكن المشكلة أن أغلب هؤلاء من المتخصصين في اللغات وآدابها، وليسوا من المتخصصين في شئون الاجتماع والسياسة والاقتصاد التي يكتبون فيها. هناك جهد بحثي مقدر تبذله الجماعات البحثية العاملة في هذه المجالات، إلا أن المؤكد أن أوجه القصور الهيكلية في البحث والكتابة في شؤون بلاد الجوار يدفعنا لإطلاق دعوة لتجاوز الوضع الراهن، في اتجاه تأكيد جودة البحث والإنتاج المعرفي المتعلق بهذه البلاد. 

لقد كنا في مصر سباقين في إطلاق محطات الراديو الناطقة بلغات أجنبية، والأرجح أن هذه المحطات مازالت موجودة، وإن كنت أشك في فاعليتها، والمؤكد هو أننا لم ندخل مرحلة قنوات التليفزيون الناطقة بلغات أجنبية، بينما تشير تقارير إلى أن إيران لديها أكثر من أربعين قناة ناطقة بالعربية، بين قنوات تروج للسياسة الإيرانية، وأخرى تروج للتشيع. أما تركيا فلديها قناة ناطقة بالعربية، بالإضافة إلى استضافة وتمويل قنوات المأجورين المقيمين هناك. تأسيس قنوات موجهة بالتركية والفارسية يحتاج إلى الكثير من المال، ولكنه قبل ذلك يحتاج إلى باحثين ومعلقين وكتاب وإعلاميين مهنيين ومتمكنين من لغات وثقافة وتاريخ هذه البلاد، وعلينا البدء في تأسيس البنية التحتية اللازمة لإنتاج هذه الطاقة البشرية فورا. 

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب