وحدة الدراسات الأمريكية

ثوابت قائمة: توجّهات الديمقراطيين إزاء السياسة الخارجية الأمريكية

أطلق الحزب الديمقراطي برنامجه الانتخابي، في إطار مؤتمره العام الذي رشح رسميًّا “جو بايدن” لمنافسة المرشح الجمهوري “دونالد ترامب” -الرئيس الحالي للبلاد- في الانتخابات الرئاسية المقرر عقدها في 3 نوفمبر 2020، وبرغم أن برنامج الحزب ليست له صفة إلزامية على الرئيس، لكنه يعبِّر عن توجهات الحزب بشأن القضايا المختلفة، والتي تنعكس في السياسات التي يتبناها أعضاء الحزب، سواء في الكونجرس أو في البيت الأبيض، وتحرِّك إلى حد كبير توجهات الرئيس القادم، من هنا تأتي أهمية التطرق لها بالتحليل، وهو ما سيتم عرضه استنادًا إلى مجموعة من المحاور الرئيسية، والتي تتركز حول إعادة هيكلة السياسة الخارجية، وتوجهات الحزب حيال منطقة الشرق…

آية عبدالعزيز
باحثة بوحدة الدراسات الأوروبية

أطلق الحزب الديمقراطي برنامجه الانتخابي، في إطار مؤتمره العام الذي رشح رسميًّا “جو بايدن” لمنافسة المرشح الجمهوري “دونالد ترامب” -الرئيس الحالي للبلاد- في الانتخابات الرئاسية المقرر عقدها في 3 نوفمبر 2020، وبرغم أن برنامج الحزب ليست له صفة إلزامية على الرئيس، لكنه يعبِّر عن توجهات الحزب بشأن القضايا المختلفة، والتي تنعكس في السياسات التي يتبناها أعضاء الحزب، سواء في الكونجرس أو في البيت الأبيض، وتحرِّك إلى حد كبير توجهات الرئيس القادم، من هنا تأتي أهمية التطرق لها بالتحليل، وهو ما سيتم عرضه استنادًا إلى مجموعة من المحاور الرئيسية، والتي تتركز حول إعادة هيكلة السياسة الخارجية، وتوجهات الحزب حيال منطقة الشرق الأوسط.

إعادة هيكلة السياسة الخارجية

يرغب الحزب الديمقراطي في تنشيط السياسة الخارجية الأمريكية وفقًا للقيم الغربية، لضمان بقاء الولايات المتحدة كدولة فاعلة ومحورية في النظام العالمي، مع تعزيز مكانتها من خلال قيادتها للمؤسسات والمنظمات الدولية والالتزام بالاتفاقيات المُبرمة بدلًا من الانسحاب منها، كما يتجه الحزب أيضًا نحو إعادة تنظيم التحالفات الأمريكية؛ لأنها تُعد ركيزة للأمن القومي، وميزة استراتيجية لا بد من تفعيلها بعد أن قوضتها إدارة “ترامب”، لا سيما أن الأخير رغب في إعادة روسيا إلى مجموعة السبع، وانتقد شركاء واشنطن في حلف شمال الأطلسي، وتجاهل المعلومات الاستخباراتية حول مكافآت القتل الروسية للقوات الأمريكية وقوات التحالف الأخرى في أفغانستان، فضلًا عن محاولة ابتزازه كوريا الجنوبية في خضم الأزمة النووية بشبه الجزيرة الكورية، كما ستتجه سياسات الحزب نحو محاولة تعزيز التعاون مع النظم الديمقراطية لتطوير التصورات المشتركة حول التهديدات والتحديات غير التقليدية، مثل: (حملات التضليل المعلوماتي، والإكراه الاقتصادي، والفساد)، كما سيدعم الحزب الديمقراطي تعزيز وبناء شراكات جديدة في مناطق ذات أهمية استراتيجية متزايدة، خاصة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وفيما يتعلق بموقفهم من التدخل الخارجي الأمريكي في مناطق الصراعات، ينادي الديمقراطيون بعدم التدخل العسكري في مناطق الصراعات إلا في حالة الضرورة، مع إعادة هيكلة ميزانية الدفاع؛ لتكون داعمة للاستثمارات المستقبلية في مجال التكنولوجيا والابتكارات، بجانب إصلاح العلاقات المدنية – العسكرية، وإعطاء الأولوية لآليات إنفاذ القانون، والاستخبارات، والدبلوماسية الأقل تكلفة والأكثر فاعلية.

من جهة أخرى يرفض الديمقراطيون نهج “ترامب” العقابي فيما يتعلق بالمساعدات الخارجية وبرامج التنمية، التي ستكون أولوية حاسمة للحزب الديمقراطي، لكونها إحدى الأدوات القوية لتعزيز الأمن الأمريكي والعالمي، لذلك سوف يعمل الديمقراطيون على أن تكون الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أول وكالة إنمائية في العالم، كما يعتقد الديمقراطيون أن الولايات المتحدة تتحمل مسئولية أخلاقية تتعلق بالأمن القومي لمنع انتشار الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، وفي نهاية المطاف تأمين إزالتها، ومن جهة أخرى يعتزم الديمقراطيون المحافظة على تركيزهم اليقظ في مجال مكافحة الإرهاب، وهو ما ينبع من إدراكهم تصاعد التهديدات الإرهابية، وتطورها بشكل كبير منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وبالتالي فهم ينادون بتغيير أولويات واستراتيجيات وأدوات مكافحة الإرهاب وفقًا لذلك، بما في ذلك الاستجابة للتهديد المتزايد من تفوق العرق الأبيض والجماعات الإرهابية اليمينية الأخرى.

سيواصل الديمقراطيون الجهود العالمية لهزيمة تنظيمات الإرهاب كـ”داعش” و”القاعدة” والجماعات التابعة لهما، والتعامل مع الظروف الأساسية التي سمحت للتطرف العنيف بالازدهار في المقام الأول، من خلال العمل مع شركاء الولايات المتحدة لإعطاء الأولوية للأدوات الدبلوماسية وإنفاذ القانون والاستخبارات لمواجهة الإرهاب، من جهة أخرى ينادي الديمقراطيون بعدم استخدام مكافحة الإرهاب كسلاح لأغراض معادية للمهاجرين، ورفض استهداف المسلمين والعرب وغيرهم من الجماعات العرقية والإثنية، على أساس عقيدتهم وخلفياتهم في الداخل والخارج، وإغلاق مركز الاعتقال في خليج جوانتانامو، وتعزيز الشفافية والرقابة والمساءلة في برامج وعمليات مكافحة الإرهاب.

التوجهات حيال الشرق الأوسط

يستند الحزب الديمقراطي إلى البراجماتية والقيادة الدبلوماسية في توجهاته نحو الشرق الأوسط، بالتزامن مع إنهاء الانتشار العسكري والحروب المفتوحة، لضمان خفض التصعيد والحفاظ على مصالحهم الدائمة في المنطقة، وقد أوضح برنامج الحزب ضرورة التسوية السياسية الشاملة في مناطق الصراعات والأزمات لتكون بمثابة رادع لنمو التنظيمات الإرهابية في أفغانستان وسوريا والعراق، مع الحفاظ على المناطق التي تم تحريرها من قبضة هذه التنظيمات.

ينادي الديمقراطيون بوقف الدعم الأمريكي للحرب التي تقودها السعودية في اليمن، والتي يرون أنها قد تتسبب في وقوع أزمة إنسانية عالمية، مع إعادة ضبط علاقاتهم مع شركائهم في الخليج، بما يسهم في ربط العراق بجيرانه وحماية أمنه وسيادته، بالإضافة إلى إمكانية بقاء عدد من القوات الأمريكية للتدريب لتمكنهم من هزيمة “داعش”، كما ينادي الديمقراطيون بحماية الحقوق الإنسانية والمدنية للشعب السوري، من خلال إيجاد تسوية سياسية للأزمة الداخلية، مع دعم استمرار التصدي لتنظيم “داعش” لتقويض انتشاره، علاوة على العمل مع الأكراد والشركاء الآخرين الفاعلين في هذه الأزمة، وفي الوقت نفسه الالتزام بالعمل مع الشعب اللبناني لتعزيز الإصلاح السياسي والاقتصادي والاستقرار المالي، وذلك في ضوء الأوضاع الداخلية غير المستقرة.

وقد أكد برنامج الحزب استمرار الالتزام بحماية أمن إسرائيل وتفوقها العسكري النوعي وحقها في الدفاع عن نفسها، وهو ما يقوم على اعتقاد الحزب الراسخ بأن وجود إسرائيل قوية وآمنة أمر حيوي لمصالح واشنطن، فضلًا عن دعم حل الدولتين الذي يضمن مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية معترف بها وبحدودها، وحق الفلسطينيين في العيش بحرية وأمان في دولة قابلة للحياة خاصة بهم، كما يُعارض الديمقراطيون السياسات أحادية الجانب، بما في ذلك الضَّمّ، مشددين على أن تظل القدس عاصمة لإسرائيل، مدينة غير مقسَّمة في متناول جميع الأديان.

يعتمد الديمقراطيون على خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) في التعاطي مع إيران، باعتبارها أفضل وسيلة لتحقيق دبلوماسية الطاقة النووية السلمية؛ لكبح الطموح النووي، كما يدعم الحزب العمل الدبلوماسي لتوسيع القيود على برنامج إيران النووي، والتصدي لعدوانها الإقليمي، وبرنامجها الصاروخي، وسياساتها القمعية، وذلك بعد انسحاب “ترامب” من الاتفاق النووي الذي سمح لطهران باستئناف برنامجها دون التزام ببنود الاتفاق. 

سمات رئيسية

استنادًا إلى ما سبق، يمكن الخروج بعدد من السمات الرئيسية التي تميز توجهات الديمقراطيين حيال السياسة الخارجية بشكل عام، والشرق الأوسط بشكل خاص، ويمكن إجمالها فيما يلي:

١- التزامات راسخة: أكد برنامج الحزب الديمقراطي على مجموعة من الثوابت الراسخة في توجهاته الخارجية التي لم تتغير حتى الآن، خاصة فيما يتعلق بإسرائيل وإيران، رغم تنامي المتغيرات الدولية التي تفرض عليهم ضرورة طرح رؤية مُغايرة تتوافق مع الترتيبات الجديدة التي يشهدها النظام الإقليمي. 

٢- الإفراط في التفاصيل: استند الديمقراطيون في وضع برنامجهم على انتقاد الإدارة الحالية لـ”ترامب” دون تقديم بديل أكثر فعالية لمعالجة هذه الأخطاء، الأمر الذي ساهم في سرد تفاصيل البرنامج مقارنةً بالبرامج السابقة التي لم تتجاوز حد الـ60 صفحة. 

٣- الافتقار لرؤية واضحة: لم يهتم برنامج الحزب بوضع تصور شامل وآليات واقعية يمكن الاعتماد عليها في سياساته الخارجية، كما أنه لم يستفد من الدروس السابقة لإدارة “باراك أوباما” التي خلقت فراغًا استراتيجيًّا في منطقة الشرق الأوسط لصالح روسيا وتركيا على حساب باقي الحلفاء؛ نتيجة رغبتهم في عدم الارتباط والتدخل العسكري، وتبنيهم سياسة الاحتواء، وهي بالفعل سياسات ثبت فشلها في الحفاظ على المصالح الأمريكية. 

٤- التغافل عن الصراعات القائمة: تجاهل برنامج الحزب العديد من التفاعلات الدولية في العديد من المناطق، مثل منطقة شرق المتوسط، التي تشهد حالة من الصراع على الطاقة، وذلك بالرغم من تدخل الإدارة الحالية والكونجرس في هذا الصراع، إلا أن البرنامج تغافل عن ذكرها، وكيفية التعامل معها مستقبلًا، وجدير بالذكر أن الأزمة اللبنانية جاءت في إطار صراع شرق المتوسط، ولكنَّه وَضَع لها تصورًا مبدئيًّا يمكن الرجوع إليه. 

٥- الارتباك الدبلوماسي: شهدت الآونة الأخيرة حالة من التوتر بين واشنطن وحلفائها في الشرق الأوسط، مثل تركيا، نتيجة سياساتها العدائية وتقاربها مع روسيا، وبالرغم من ذلك لم يُشِر البرنامج إلى ملامح العلاقات المستقبلية معها، ولا الدول الفاعلة في المنطقة، الأمر الذي يوضح حالة الارتباك التي يواجهها الديمقراطيون في سياساتهم الخارجية.

آية عبدالعزيز
باحثة بوحدة الدراسات الأوروبية