الحد الأقصى للدخول.. الواقع والمأمول

لاتزال مسألة الحد الأقصى للدخول تثير العديد من التساؤلات والإشكاليات، خاصة في ظل مشكلات التطبيق. وذلك على الرغم من صدور العديد من القوانين والأطر التنفيذية المنظمة لها، ويأتي على رأسها القانون رقم 63 لسنة 2014 بشأن الحد الأقصى للدخول، والقواعد التنفيذية لأحكامه الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1265 لسنة 2014 ، والذي جاء تطبيقا للمادة الـ 27 من الدستور، حيث نصت على تقليل الفوارق بين الدخول والالتزام بحد أدنى للأجور والمعاشات يضمن حياة كريمة، وحد أقصى في أجهزة الدولة لكل من يعمل بأجر.  ومع تسليمنا بأهمية قانون الحد الأقصى للدخول، إلا أنه يعاني مشكلات عديدة أدت إلى عدم تطبيقه…

عبد الفتاح الجبالي

لاتزال مسألة الحد الأقصى للدخول تثير العديد من التساؤلات والإشكاليات، خاصة في ظل مشكلات التطبيق. وذلك على الرغم من صدور العديد من القوانين والأطر التنفيذية المنظمة لها، ويأتي على رأسها القانون رقم 63 لسنة 2014 بشأن الحد الأقصى للدخول، والقواعد التنفيذية لأحكامه الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1265 لسنة 2014 ، والذي جاء تطبيقا للمادة الـ 27 من الدستور، حيث نصت على تقليل الفوارق بين الدخول والالتزام بحد أدنى للأجور والمعاشات يضمن حياة كريمة، وحد أقصى في أجهزة الدولة لكل من يعمل بأجر. 

ومع تسليمنا بأهمية قانون الحد الأقصى للدخول، إلا أنه يعاني مشكلات عديدة أدت إلى عدم تطبيقه بطريقة تحقق العدالة المنشودة، وأبرزها أنه يتحدث عن العاملين بأجر لدى أجهزة الدولة المختلفة، الأمر الذي يفهم منه أنه لا ينطبق على غير العاملين بأجر، مثل أعضاء مجالس الإدارة من ذوي الخبرة، وبذلك يكون قد أغفل تماماً الهدف الأساسي من وضع الحد الأقصى وهو الحفاظ على المال العام، والأهم من ذلك أنه يُعطى رسالة سلبية بأن الهدف هو معاقبة الموظف العام مقارنة بنظيره الذي يعمل خارج الجهاز الإداري. 

إن القواعد التنفيذية الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء عن الجهات التي يطبق عليها القانون المذكور قد جاءت على سبيل الحصر وليس المثال، وبالتالي لم توضح موقف العديد من الجهات ذات الطبيعة الخاصة والوضعية القانونية المختلفة. 

الأمر الذي أدى إلى استبعاد جهات كثيرة، خاصة بعد صدور العديد من الأحكام والفتاوي الخاصة بعدم إخضاعها استنادا للنص الدستوري القائل إنه ينطبق على العاملين بأجر لدى أجهزة الدولة، وهي أجهزة السلطة التنفيذية ولا يجوز امتداده لغيرها وفقا لنص المحكمة الإدارية العليا. ومما زاد من تعقيد الوضع ما جاء في المادة الثالثة عشرة من القانون رقم 85 لسنة 2020 الخاص بربط الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2020/2021 والتي سارت على نفس قانون الربط للعام المالي السابق فأكدت رفع صافي الحد الأقصى إلى خمسة وثلاثين مثل الحد الأدنى للدرجة السادسة في بداية التعيين، والذي يتقرر بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء، الصادر في يوليو 2019 رقم 1627 بتقرير الحد الأدنى للأجور للموظفين والعاملين لدى أجهزة الدولة والهيئات الاقتصادية، وحدده بـ 2000 جنيه للدرجة السادسة. 

 وتبرز المشكلة في كونها لا تتسق مع القانون رقم 63 لسنة 2014، إذ أنها تخاطب الجهات الداخلة في الموازنة العامة والهيئات الاقتصادية فقط، بينما القانون الثاني يتعامل مع هذه الجهات وغيرها مثل الهيئات العامة والأشخاص الاعتبارية العامة وشركات قطاع الأعمال والقطاع العام والأجهزة التي لديها موازنات خاصة والعاملين الذين تنظم شئون توظيفهم قوانين أو كوادر خاصة، هذا فضلا عن أن قوانين ربط الموازنة هي قوانين شكلية تنتهي سنويا بانتهاء السنة المالية، وليست موضوعية مثل قانون الحد الاقصى لذا يتطلب الأمر النص على هذه المادة سنويا أو تعديل القانون 63 لسنة 2014، وهو الأصح.

عموما فإن تطبيق هذه المادة ترتب عليه وجود عدة حدود قصوى لصافي الدخل، أولها 42 ألف جنيه يطبق على غير المخاطبين بقانون ربط الموازنة، والثاني 70 ألفا يطبق على أجهزة الموازنة والهيئات الاقتصادية، فضلا عن وجود هيئات ليس لها حد أقصى من الأساس. 

يضاف إلى ما سبق عدم توحيد المصطلحات فبينما يتحدث القانون عن صافي الدخل نجد بعض القرارات الوزارية تتحدث عن الحد الأقصى للأجر مثل قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 422 لسنة 2020 الخاص بمساعدي ومعاوني الوزراء، وكذلك القرار الوزاري رقم 110 لسنة 2017 الخاص بالتعاقد الوظيفي وغيرهما، وشتان الفرق بين الأجور والدخول! 

حيث يتضمن الدخل بالإضافة إلى الأجر، جميع ما يتقاضاه من أموال الدولة أو من أموال الهيئات أو الشركات التابعة لها أو الشركات التي تسهم هذه الجهات في رأسمالها، هذا فضلا عن أن القانون قد استثنى من تعريف الدخل مصاريف الانتقال، وهي مسألة رغم أهميتها إلا أنها تفتح الباب واسعا للتحايل على القانون، خاصة بعد التعديلات التي أدخلها قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1026 لسنة 2013 على لائحة بدلات السفر ومصاريف الانتقال. وقد حاول القرار الوزاري رقم 9 لسنة 2014 والصادر عن رئيس مجلس الوزراء وضع حدود لهذه المصاريف بخمسة آلاف جنيهً شهرياً وبحد أقصى اثنتا عشرة جلسة سنوياً، إلا أننا نرى ضرورة التحديد القاطع لهذه المسألة. فضلا عن ان القانون لم يتحدث عن مكافأة تحقيق الأهداف أو الأرباح، بما يعنى أنها مستثناة من هذه المسألة، وهو ما يضرب بالقانون عرض الحائط، حيث ستعد هذه هي الوسيلة المثلى لتحقيق أي زيادة على الحد الأقصى. 

ومن هنا، فإننا نقترح إما أن يتم وضع ضوابط محددة لهذه العملية تطبق على الجميع وإما يتم وضع سقف محدد لا يمكن تجاوزه. كما لم توضح القواعد التنفيذية أسس المحاسبة التي سيتم التعامل بها. فهل ستتم المحاسبة على الأساس النقدي، أي حين يحصل الشخص على المبلغ، أم على أساس استحقاق، أي عندما يتقرر له مبلغ محدد.  فعلى سبيل المثال، إذا قررت الجمعية العمومية صرف مكافأة في شهر نوفمبر من العام وقامت الجهة بالصرف في شهر يناير من العام الذي يليه، فعن أي سنة مالية سيتم التعامل؟ هل السنة التي تقررت فيها المكافأة أم السنة التي صرفت فيها؟ ومن المشكلات المهمة أيضا ما نصت عليه المادة الرابعة من القواعد التنفيذية والتي ألزمت العامل برد المبلغ الزائد إلى الوحدة الحسابية للجهة التابع لها خلال ثلاثين يوماً، والسؤال عن الأفراد والأشخاص المستقلين من ذوي الخبرة، ماذا يفعلون؟ وإلى أي جهة يتم الرد؟

تنص القواعد التنفيذية على قيام الجهة الإدارية باستقطاع قيمة الزيادة من أي مبالغ مستحقة للموظف في موعد غايته شهر ديسمبر من العام التالي لعام الصرف، ولكنها لم تحدد كيف يمكن الحصول على باقي المستحقات إذا كانت مستحقاته خلال السنة، لا تفي بالمبالغ المطلوبة.

لذلك أصبح من الضروري العمل على تلافي سلبيات التطبيق وتعديل القانون بما يسمح بحل جميع هذه المشكلات.

نقلا عن جريمة الأهرام، الأربعاء ٧ أكتوبر ٢٠٢٠.

عبد الفتاح الجبالي

مقالات أخرى للكاتب