الخيوط المشدودة بين روسيا وتركيا في الجوار الآسيوي

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

رفض كلا الطرفين الأرميني والأذربيجاني محاولة الوساطة الفرنسية، وبدا هذا الأسبوع المنصرم، قد وضع أزمة التصعيد العسكري أو فصلها الأحدث على صفيح احتقان ساخن، لم تفلح معه مناشدات دول رئيسية وأخرى لها ارتباطات بكلتا العاصمتين، وحتى الأمم المتحدة، من أن تساعد على تهدئة حدة الاقتتال، ومحاولة حصار امتداده، مما استدعى الحلفاء التقليديين، لتظهر «أنقرة» سريعاً بجانب أذربيجان في تحركات وصفت بأنها ساهمت في صب الزيت على مشهد الاشتعال، في الوقت الذى بدت «موسكو» أكثر هدوءاً وتعقلاً حتى وهى حاضرة بجوار أرمينيا، تتحدث بلهجة مغايرة إلى حد كبير عما كانت تتناوله في فصول تصعيد مشابه من قبل. ففي الوقت الذي دعت…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

رفض كلا الطرفين الأرميني والأذربيجاني محاولة الوساطة الفرنسية، وبدا هذا الأسبوع المنصرم، قد وضع أزمة التصعيد العسكري أو فصلها الأحدث على صفيح احتقان ساخن، لم تفلح معه مناشدات دول رئيسية وأخرى لها ارتباطات بكلتا العاصمتين، وحتى الأمم المتحدة، من أن تساعد على تهدئة حدة الاقتتال، ومحاولة حصار امتداده، مما استدعى الحلفاء التقليديين، لتظهر «أنقرة» سريعاً بجانب أذربيجان في تحركات وصفت بأنها ساهمت في صب الزيت على مشهد الاشتعال، في الوقت الذى بدت «موسكو» أكثر هدوءاً وتعقلاً حتى وهى حاضرة بجوار أرمينيا، تتحدث بلهجة مغايرة إلى حد كبير عما كانت تتناوله في فصول تصعيد مشابه من قبل.

ففي الوقت الذي دعت فيه روسيا وفرنسا والولايات المتحدة إلى إيقاف العمليات القتالية بشكل فورى، حفاظاً على حياة المدنيين الذين داهمهم هذا التصعيد المفاجئ، فأسقط منهم عشرات الضحايا خلال الأيام الأولى، جاء الموقف التركي ليصف الأرمن بـ«المحتلين» ويصف دعوات وقف إطلاق النار بـ«السطحية»! لكن الواقع أن السلوك التركي هو الذي تجاوز السطحية واقتحم العمق بأسرع مما انتظر أحد من أطراف المشهد، فأرمينيا أكدت أن لديها معلومات بأن 150 ضابطاً تركياً رفيعي المستوى يساعدون منذ اللحظات الأولى في توجيه عمليات أذربيجان العسكرية. وأمام تأكيدات أرمينيا وروسيا وفرنسا بأن محاربين من المعارضة السورية يقاتلون مع الجانب الأذربيجاني، لم يكن هناك سوى النفي التركي التقليدي، فهناك نسخة شبيهة لما جرى في غرب ليبيا بدأت المصادر السورية تنقل بياناتهم، بأسماء من جرى شحنهم إلى هذا الميدان الجديد من داخل سوريا ومن معسكرات اللاجئين في تركيا، بل وهناك عمليات نقل عكسية جرت من ليبيا إلى تلك الجبهة، عقب فرض وقف إطلاق النيران وتضييق مساحات الحركة أمام المرتزقة الذين جلبتهم تركيا قبلاً.

إقليم «ناجورنو كارباخ»، مسرح هذه العمليات الجديدة، جيب يقطنه منحدرون من أصل أرميني داخل أراضي أذربيجان، التي لم تعد تسيطر عليه فعلياً منذ تسعينات القرن الماضي، وهي اليوم ربما تسقط في فخ الادعاءات التركية، عندما أعلن العسكريون «رفع الجيش الأذربيجاني علم بلادهم على قرية ماداجيز» باعتباره انتصاراً، في الوقت الذي علق «آرتسرون هوفهانيسيان»، المسئول بوزارة الدفاع الأرمينية: إن الوضع يتغير بشكل متكرر. ففي مثل هذه الاشتباكات وأعمال التوغل العسكرية تكون مثل هذه التغييرات طبيعية، ويمكن لكل طرف اتخاذ موقف ثم التخلي عنه في غضون ساعات أو أيام. لكن في ذات الوقت يعترف الجانب الأرمينى أن القتال على طول الجبهة شديد، رغم إحجام القوات المسلحة الأرمينية حتى الآن عن دخول الحرب إلى جانب تلك الموجودة في الإقليم محل النزاع، وتقدر أرمينيا أن القتال سيطول، لذلك فهي ما زالت تدخر ما لديها حتى الآن، ليمكنها من تعويض خسائر الإقليم، كما ورد على لسان رئيس الوزراء الأرمينى «نيكول باشينيان»، حين وصف محصلة أسبوع من القتال بـ«حتى الآن لدينا بالفعل خسائر بشرية كبيرة، عسكرية ومدنية على حد سواء، وكميات كبيرة من المعدات العسكرية لم تعد صالحة للاستعمال، لكن العدو ما زال غير قادر على حل أي من قضاياه الاستراتيجية».

ربما يمثل حديث «باشينيان» أصدق توصيف للمشهد الراهن في الوقت الذي تعتبر أرمينيا نفسها الضامن لأمن «ناجورنو كارباخ» من أشكال الفظائع الجماعية، التي تسكن هواجس سكان الإقليم أمام الاندفاع التركي المحموم، الذي يعد الأعنف منذ التسعينات، ويعزز المخاوف الدولية على الاستقرار في جنوب القوقاز، باعتبارها المنطقة الأهم التي تنقل النفط والغاز من أذربيجان إلى الأسواق العالمية. فذكرى الصراع الذي نشب للمرة الأولى عام 1988، لم تغادر الذاكرة المقيدة بما وقع من ضحايا قدروا بنحو (30 ألفاً) من الجانبين قبل وقف إطلاق النار في 1994. الأبعد في الذاكرة ليس بأقل مأساوية، فهناك من يرى هذا الفصل من الصراع شبيهاً ببدايات الحرب ضد الدولة العثمانية في أوائل القرن العشرين، حيث بدأت مشاهد النزوح تغزو منطقة «جوريس» على الحدود بين «ناجورنو كارباخ» وجنوب شرق أرمينيا. فالمئات وصلوا على عجل من داخل الإقليم إلى «جوريس»، رغبة منهم في الفرار تجاه «يريفان»، عاصمة أرمينيا، التي تبعد 350 كم إلى الشمال الغربي، هذا التدفق البشرى الذى أيقظ الهواجس جاء من أكبر مدن الإقليم «ستيبانا كرت»، التي تقع على ارتفاع 2300 كم وسط الجيب الجبلي، وتعرضت خلال أيام القتال الأولى إلى قصف مدفعي عنيف ومكثف، لتظل صافرات إنذار تدوى في آذان 55 ألف نسمة، هم سكان المدينة المعزولة جغرافياً بالوديان الضيقة المتعرجة التي تمثل طريقاً وحيداً محفوفاً بمخاطر النزول تحت وطأة هجمات الطائرات المسيرة التركية، التي لم تغادر سماء المدينة منذ بدء القتال، لتتغلب على تحدى الجغرافيا ولتمثل سلاحاً جديداً يظهر للمرة الأولى تمكن من حصد الضحايا بسهولة، وتسبب بتلك النقلة النوعية، فضلاً عما سببه من حالة الهلع بين السكان المدنيين.

دخل الرئيس بوتين على خط الأزمة لإدراكه خطورة الموقف، داعياً الطرفين الآذرى والأرميني إلى التهدئة والعودة إلى طاولة الحوار، فـ«الكرملين» قادر على قراءة المشهد وتفاصيله بشكل معمق، ويسكنه أيضاً قلق وهواجس هذا التسارع في الأحداث، الذي بدا مقصوداً من الجانب التركي في حد ذاته. فالظهور المباغت لهذه النوعية الجديدة من التسليح التركي، كشف أن المناورة العسكرية التي جرت بين «أنقرة» و«باكو»، أغسطس الماضي، ولم تحظ بالاهتمام الكافي من الأطراف الأخرى رغم كونها الأكبر ما بين العاصمتين، هي التي تم فيها تدريب العسكريين الآذريين على طرازات المدفعية الثقيلة وعلى الطائرات المسيرة التركية، واليوم مع ظهورها في جبهات القتال صار المشهد يسير باتجاه صناعة مأساة سريعة، تجعل أيام التصعيد المعدودة قادرة على تأسيس أوضاع قد توقظ فصول التاريخ الكريهة، وتفتح تساؤلات الارتباط بين جبهات التصعيد المختلفة بعضها وبعض، في روابط شيطانية لا يعرف أحد مداها المنظور حتى الآن.

نقلا عن صحيفة الوطن، نشر في الإثنين ٥ أكتوبر ٢٠٢٠

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب