الأجندة

خفض سعر الفائدة: دوافع القرار وانعكاساته على الاقتصاد المصري

اتخذ البنك المركزي المصري في الرابع والعشرين من سبتمبر الماضي قرارًا بخفض أسعار الفائدة بواقع 50 نقطة أساس لتصل إلى 8.75% للإيداع و9.75% للإقراض، وقد جاء القرار خلافًا للتوقعات السائدة في الأسواق وقتذاك، حيث رجّحت التنبؤات تثبيت الفائدة من أجل الحفاظ على الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المحلية وتعزيز الاحتياطي النقدي، ولكن البنك المركزي قام بهذه الخطوة في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي واستمرار حالة من عدم اليقين، كما يتسق هذا القرار مع هدف المركزي لتحقيق استقرار الأسعار على المدى المتوسط، كما أنه يوفر الدعم المناسب للنشاط الاقتصادي في الوقت الحالي من خلال تعزيز الإنفاق وتحريك عجلة الاقتصاد، فضلًا عن دعم…

بسنت جمال

اتخذ البنك المركزي المصري في الرابع والعشرين من سبتمبر الماضي قرارًا بخفض أسعار الفائدة بواقع 50 نقطة أساس لتصل إلى 8.75% للإيداع و9.75% للإقراض، وقد جاء القرار خلافًا للتوقعات السائدة في الأسواق وقتذاك، حيث رجّحت التنبؤات تثبيت الفائدة من أجل الحفاظ على الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المحلية وتعزيز الاحتياطي النقدي، ولكن البنك المركزي قام بهذه الخطوة في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي واستمرار حالة من عدم اليقين، كما يتسق هذا القرار مع هدف المركزي لتحقيق استقرار الأسعار على المدى المتوسط، كما أنه يوفر الدعم المناسب للنشاط الاقتصادي في الوقت الحالي من خلال تعزيز الإنفاق وتحريك عجلة الاقتصاد، فضلًا عن دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر. ومن الجدير بالذكر أن هذا القرار جاء بالتزامن مع خطوة إيقاف إصدار شهادة الـ15% من بنكي الأهلي ومصر في الثاني والعشرين من سبتمبر مع وصول إجمالي حصيلة الشهادات لدى البنكين نحو 383 مليار جنيه، منها 103 مليارات جنيه لبنك مصر، و280 مليار جنيه للبنك الأهلي.

أسباب خفض الفائدة

يتخذ البنك المركزي قرارات السياسة النقدية عادةً بناء على العديد من العوامل، أبرزها تغير معدل التضخم والاستثمارات الأجنبية في أذون الخزانة. فإذا أراد جذب المزيد من الاستثمارات غير المباشرة فمن المرجح أن يرفع معدل الفائدة، أما إذا كان يسعى لرفع معدل النمو فإنه سيلجأ إلى خفضها من أجل تشجيع المستثمرين على الاقتراض، وإطلاق المزيد من المشروعات مما سيؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة وزيادة معدلات التشغيل وتعزيز النمو الاقتصادي في نهاية المطاف. ومن ناحية أخرى يساهم خفض الفائدة في انخفاض الإقبال على الودائع، وهو ما يعني زيادة السيولة في أيدي المواطنين وارتفاع مستوى الإنفاق الذي سيصب في النهاية في زيادة معدلات التضخم. وبناء على المؤشرات الآتية قام البنك المركزي بخفض الفائدة في اجتماعه الأخير، ويمكن إجمال أهم أسباب خفض سعر الفائدة فيما يلي:

١- معدل النمو والبطالة: نما الاقتصاد المصري بنسبة تبلغ 3.5% في العام المالي 2019/2020، وهي نسبة أقل من توقعات الحكومة الصادرة قبل انتشار كورونا في أواخر فبراير والبالغة 5.6%. في حين ارتفع معدل البطالة خلال الربع الثاني من 2020 إلى 9.6% مقارنة مع 7.7% سجلها خلال الربع الأول من العام ذاته.

٢- معدل التضخم: يستهدف البنك المركزي المصري معدلًا للتضخم يبلغ %9 (±3) بنهاية العام الجاري، ولكن ما حدث كان انخفاض المعدل السنوي للتضخم العام في الحضر إلى أدنى مستوياته منذ أكتوبر 2019، ليسجل 3.4% في أغسطس 2020 مقارنة مع 4.2% في يوليو 2020. بالإضافة إلى ذلك، سجل التضخم العام معدلًا شهريًّا سالبًا قدره 0.2% خلال أغسطس الماضي، وتعتبر هذه أول مرة يسجل شهر أغسطس معدلًا سالبًا منذ عام 2004.

واستمر انخفاض التضخم مدفوعًا بتراجع أسعار السلع الغذائية مثل الخضروات الطازجة بدرجة تفوق ارتفاع أسعار السلع غير الغذائية كالسلع الاستهلاكية والخدمات بصورة طفيفة وذلك للشهر الرابع على التوالي. وفيما يلي عرض للتغير في أسعار السلع الغذائية وغير الغذائية خلال شهر أغسطس الماضي:

شكل رقم (١): التغير في أسعار السلع الغذائية

شكل رقم (2): التغير في أسعار السلع غير الغذائية

المصدر: البنك المركزي المصري، التحليل الشهري للتضخم، معدل التضخم العام والأساسي – أغسطس 2020.

يتبين من الشكل (1) أن أسعار الخضروات والفواكه الطازجة شهدت تراجعًا بنحو 1.54% و5.27% على الترتيب ليساهما مجتمعين بنسبة قدرها 0.16% في المعدل الشهري للتضخم العام، كما انخفضت أسعار الدواجن للشهر الثالث على التوالي بمعدل 8% بعد ارتفاعها لستة أشهر متتالية لتساهم بنسبة سالبة قدرها 0.31% في التضخم. في حين هبطت أسعار الأسماك والمأكولات البحرية للشهر الرابع على التوالي بمعدل 1.27% لتساهم بنسبة سالبة تبلغ 0.03% في التضخم.

أما عن الشكل (2)، فيتبين أن أسعار السلع الاستهلاكية قد ارتفعت بنحو 0.44% كما صعدت أسعار الخدمات بحوالي 0.29% ليساهما بنسبة موجبة تبلغ 0.06% و0.29% في المعدل الشهري للتضخم على الترتيب. ولتوضيح أثر انتشار فيروس كورونا على التضخم بشكل شهري، يُمكن الاستعانة بالشكل التالي:

الشكل (3): مقارنة المعدل السنوي للتضخم العام في الحضر بين 2019 و2020

المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية.

يتضح من الرسم السابق وجود فارق ملحوظ بين معدل التضخم خلال 2019 و2020، ويرجع ذلك إلى تداعيات فيروس كورونا على الأعمال التجارية والصناعية، وتراجع الإنتاج والإنفاق، بالإضافة إلى انخفاض أسعار النفط العالمية منذ شهر مارس 2020، وعلى مدار 2020 سنجد أن معدل التضخم قد هبط سريعًا منذ يناير وحتى أغسطس من 7.2% إلى 3.4% وهو ما دفع البنك المركزي لاتخاذ قراره الأخير بخفض الفائدة.

٣- الاحتياطي النقدي: ارتفع الاحتياطي النقدي خلال أغسطس الماضي بنحو 0.13% على أساس شهري من 38.315 مليار دولار إلى 38.366 مليار دولار، كما ارتفعت استثمارات الأجانب في أذون الخزانة خلال يوليو الماضي وللشهر الثاني على التوالي وذلك بعد تراجعها منذ بداية أزمة كورونا، وهو ما يتضح على النحو الآتي:

شكل رقم (4): تطور الاحتياطي النقدي خلال 8 شهور (مليار دولار)

المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية.

يتبين من الرسم السابق أن الاحتياطي النقدي قد بدأ في التعافي التدريجي منذ يونيو الماضي وذلك بعد مرور فترة الإغلاق الناجمة عن فيروس كورونا وتخفيف حدة الإجراءات الاحترازية وإعادة النشاط السياحي مرة أخرى، فضلًا عن ارتفاع الاستثمارات الأجنبية في أذون الخزانة أو ما يُعرف بالأموال الساخنة “Hot Money”، وهو ما يُمكن إيضاحه كما يلي:

شكل رقم (5): الاستثمارات الأجنبية في أذون الخزانة خلال 2020 (مليار دولار)

المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية.

من الرسم السابق يُمكن القول إن الاستثمارات الأجنبية سجلت ارتفاعًا بنحو 41.9% خلال يوليو على أساس شهري من 7.58 مليارات دولار إلى 10.76 مليارات دولار وذلك بدعم من إعادة افتتاح الاقتصاد تدريجيًا، وإشادة غالبية المنظمات الدولية بقدرة الدولة المصرية على مواجهة تداعيات فيروس كورونا، وقد انعكس ذلك على وضع الاحتياطي النقدي.

خلفية عن خفض البنك المركزي أسعار الفائدة

عقدت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي حوالي 7 اجتماعات خلال عام 2019، خفضت خلالها أسعار الفائدة بنحو 4.5% أو 450 نقطة أساس، وكانت أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض قد سجلت مستوى 16.75% و17.75% على الترتيب بحلول أوائل العام الماضي. وفيما يلي عرض لنتائج اجتماعات السياسة النقدية خلال 2019:

الجدول (1): قرارات البنك المركزي خلال 2019

يتضح من الجدول السابق أن البنك المركزي قام بتثبيت الفائدة في ثلاثة اجتماعات على مدار العام الماضي، فيما قرر خفضها خلال الاجتماعات الأربعة الأخرى لتصل الفائدة على الإيداع والإقراض لليلة واحدة إلى 12.25% و13.25% على الترتيب في أواخر 2019. وقد جاء أكبر مقدار للخفض في اجتماع الثاني والعشرين من أغسطس وذلك بخفض الفائدة بنحو 150 نقطة أساس.

وبحلول عام 2020، قرر البنك المركزي في السادس عشر من مارس خفض أسعار الفائدة بشكل مفاجئ بنسبة 3% أو 300 نقطة أساس إلى مستوى 9.25% للإيداع، و10.25% للإقراض، وجاء ذلك بهدف التقليل من حدة تداعيات فيروس كورونا، والحفاظ على النتائج الإيجابية التي حققها الاقتصاد المصري منذ انطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادي.

مقارنة بين سعر الفائدة في الأسواق الناشئة

رغم خفض البنك المركزي المصري لسعر الفائدة، إلا أنها لا تزال مرتفعة نسبيًّا مقارنة بباقي الاقتصادات الناشئة التي لجأت لاستخدام هذه الأداة لمواجهة الركود الاقتصادي المحتمل، وذلك ما يجعلها في صدارة الدول الجاذبة للاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، وهو ما يُمكن توضيحه بالرسم التالي:

شكل رقم (6): سعر الفائدة بأبرز الاقتصادات الناشئة

المصدر: اجتماع السياسة النقدية للبنوك المركزية بالدول المذكورة أعلاه.

يتبين من الرسم السابق أن تركيا لديها أعلى معدل فائدة مقارنة بباقي الأسواق الناشئة محل الدراسة؛ إذ قرر البنك المركزي في اجتماع سبتمبر الماضي رفع سعر الفائدة من 8.25% إلى 10.25% بهدف خفض التضخم ودعم استقرار الليرة. يليها كل من الهند وإندونيسيا عند 4% حيث قرر البنكان الإبقاء على سعر الفائدة عند مستوى منخفض في اجتماعهما الأخير، في حين خفض البنك المركزي البرازيلي سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى مستوى قياسي منخفض عند 2% في أغسطس الماضي. وأخيرًا، ثبت البنك المركزي الماليزي سعر الفائدة عند 1.75 في المائة في العاشر من سبتمبر.

وبعد استعراض دوافع اتخاذ القرار وعقد مقارنة مع الأوضاع في الأسواق الناشئة، يُمكن القول إن خطوة خفض الفائدة جاءت بالأساس لرفع معدل النمو، مع محاولة الحفاظ على الاستثمارات الأجنبية في أذون الخزانة والتي تُعد مصدرًا هامًّا للنقد الأجنبي في مصر.

بسنت جمال