تنمية ومجتمع

كيف تطوّرت التشريعات المصرية المُنظِّمة للتجارب السريرية؟

وجّه التفشي العالمي المتسارع لفيروس كورنا المستجد أنظار العالم للتجارب السريرية من أجل التوصل إلى لقاح ضد هذا الفيروس الشرس، حيث تُعد التجارب السريرية خطوةً رئيسيةً في طريق تطوير أي مستحضر دوائي قبل توفيره بشكل رسمي في الأسواق. ولكنها في الوقت ذاته الخطوة الأكثر تعقيدًا من حيث إجراءات التنفيذ على المتطوعين، والتي قد تستغرق عدة سنوات من ناحية، وكذلك بسبب اختلاف الأطر التشريعية والقوانين المُنظمة لتلك التجارب، والتي تختلف من بلد لآخر من ناحية أخرى.  وفي مصر، وبالرغم من وجود عدد من القوانين التي تتناول إجراء التجارب السريرية على البشر؛ إلا أن الإطار التشريعي الحقيقي لتنظيم تلك التجارب لم ير…

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة

وجّه التفشي العالمي المتسارع لفيروس كورنا المستجد أنظار العالم للتجارب السريرية من أجل التوصل إلى لقاح ضد هذا الفيروس الشرس، حيث تُعد التجارب السريرية خطوةً رئيسيةً في طريق تطوير أي مستحضر دوائي قبل توفيره بشكل رسمي في الأسواق. ولكنها في الوقت ذاته الخطوة الأكثر تعقيدًا من حيث إجراءات التنفيذ على المتطوعين، والتي قد تستغرق عدة سنوات من ناحية، وكذلك بسبب اختلاف الأطر التشريعية والقوانين المُنظمة لتلك التجارب، والتي تختلف من بلد لآخر من ناحية أخرى. 

وفي مصر، وبالرغم من وجود عدد من القوانين التي تتناول إجراء التجارب السريرية على البشر؛ إلا أن الإطار التشريعي الحقيقي لتنظيم تلك التجارب لم ير النور حتى شهر أغسطس الماضي؛ حيث أقرَّ مجلس النواب في جلسته المنعقدة في 25 أغسطس 2020 مشروع قانون تنظيم البحوث الطبية الإكلينيكية، والمعروف إعلاميًا بقانون التجارب السريرية، بعد حوالي عامين من المباحثات وإدخال التعديلات على مشروع القانون، ولا يبقى الآن سوى موافقة السيد رئيس الجمهورية على اعتماده. 

أهمية المشاركة المصرية في إجراء البحوث السريرية

يُمكن تعريف التجارب السريرية بأنها الدراسات الطبية التي تتم على متطوعين من البشر لتقييم سلامة وكفاءة أي تدخلات علاجية أو دوائية أو جراحية أو تشخيصية؛ بهدف التوصل إلى نتائج علمية وقائية أو تشخيصية أو علاجية للأمراض. وتُعد التجارب السريرية هي المرحلة الثالثة لتقييم أي تدخلات طبية بعد تجربتها معمليًا ثم على حيوانات التجارب.

“مراحل إجراء التجارب السريرية على المبحوثين”

وتُعد مصر ثاني أكبر دولة إفريقية، بعد دولة جنوب إفريقيا، استضافةً للتجارب السريرية المُمولة من قبل الشركات العالمية المُصنعة للأدوية والمستحضرات الحيوية. فوفقًا لقاعدة بيانات “كلينيكال تريال” (Clinical Trials) التابعة لمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية، فقد أُجري في مصر منذ عام 2002 وحتى الآن، ما يزيد على 4600 تجربة سريرية، منها 363 تجربة (حوالي 8 % من إجمالي التجارب) تم تمويلها من شركات أدوية مثل نوفارتس وروش وفايزر، وغيرها من شركات الأدوية العالمية، فيما تم تمويل باقي التجارب التي تم تسجيلها على الموقع كجزء من برامج الماجستير والدكتوراه في الجامعات المصرية.

ويُشكل إجراء المرحلة الثالثة من التجارب السريرية المُمولة من قبل شركات الأدوية العالمية في مصر؛ حوالي 43% من إجمالي التجارب السريرية، وذلك نظرًا لأن المرحلة الثالثة تستوجب عادة أعدادًا كبيرة من المتطوعين من أجل التأكد من فاعلية وأمان التدخل العلاجي، وفي بعض الأحيان قد تُجرى تجارب المرحلة الثالثة بالتوازي في أكثر من دولة لتسريع الحصول على أكبر قدر من النتائج، وهو ما نشهده اليوم خلال

١- ضرورة استفادة السكان من التجارب السريرية التي تجري في دولتهم، من خلال توفير الدواء الذي تم تجربته بسعر أقل وفي وقت أسرع من الدول الأخرى.

٢- الحق في استمرار العلاج للمبحوثين حتى بعد انتهاء التجارب السريرية.

٣- ضرورة الإدلاء بموافقة مسبقة طوعًا للمبحوثين قبل المشاركة في التجارب السريرية.

٤- عدم استخدام دواء وهمي أو ما يُعرف بـ”بلاسيبو” في حال توافر علاج ثبتت كفاءته؛ لتفادي عدم التأثير سلبًا على صحة المرضي بسبب تناولهم دواء لا يحتوي على المادة الفعالة اللازمة لحالتهم المرضية.

وتنبع أهمية المشاركة المصرية في التجارب السريرية، بجانب ما يضمنه إعلان هلسنكي الدولي، من حقيقة أن أكثر من (50%) من تلك التجارب السريرية، وفقًا لما هو مسجل على موقع “كلينيكال تريال”، يتم إجراؤها لاختبار أدوية مرتفعة التكلفة مثل أدوية علاج مرض السرطان، وبالتالي تمثل تلك التجارب فرصة للمرضى من أجل الحصول على العلاجات مجانًا، ومن ثم في حال ثبتت فاعلية ومأمونية الدواء؛ فمن المفترض أن يتم بيعه في الأسواق المصرية بسعر يقل عن باقي دول العالم. كما يساعد إجراء التجارب السريرية في مصر في تطوير الصناعات الدوائية الوطنية، وإمكانية البدء في تصنيع أدوية الأورام والأمصال واللقاحات بشكل محلي، وتقليل الاستيراد من الخارج.

خطوات إجراء التجارب السريرية لحين اعتماد التشريع الجديد

لإجراء تجربة سريرية في مصر، يجب على الشركة المُمولة للتجربة أن تقدم طلبًا للجنة أخلاقيات البحث العلمي بوزارة الصحة والسكان، ومجلس المراجعة المؤسسي الموجود بالجهة التي سيجري بها البحث، وعادة يكون مستشفى جامعيًا تحت إشراف وزارة التعليم العالي. وتتحمل تلك الشركات تكاليف الأدوية والاختبارات وإجراءات نقل المبحوثين المشاركين في التجارب، بجانب تكاليف الفحوصات التي تتم قبل وخلال وبعد التجربة، كما تتحمل الشركة المُمولة أيضًا مصروفات المتابعة الطبية للمبحوثين بعد التجربة، مهما طالت هذه المدة. وتقوم لجنة البحث العلمي بمراجعة المشروعات البحثية المقدمة من الشركات، على أن تقوم بعد ذلك مجالس المراجعة المؤسسية بتقديم التدريب اللازم للأطباء والباحثين المشاركين في تلك التجارب مع مراقبة كافة خطوات إجراء التجربة حتى الانتهاء منها.

وفي بعض الأحيان قد تلجأ شركات الأدوية العالمية إلى الاعتماد على “منظمات البحوث التعاقدية”، عوضًا عن إجراء التجارب السريرية داخل المستشفيات الجامعية، ويمكن تعريف تلك المنظمات بأنها هيئات بحثية أو تعليمية غير حكومية تتعاقد معها شركات الأدوية لإجراء التجارب السريرية، ولكن تظل الشركة المُمولة للبحث هي المسئولة بشكل رئيسي عن بيانات وسلامة المرضى، وكذلك التأكد من التزام تلك المنظمات بالمبادئ التوجيهية والتشريعات المحلية خلال إتمام كافة المهام التي تم الاتفاق عليها في العقد، وذلك تحت إشراف ومراقبة لجنة البحث العلمي بوزارة الصحة.

وبمجرد الحصول على الموافقة ببدء إجراء التجربة؛ يبدأ الباحثون في إيجاد المرضى المناسبين للمشاركة، وعادة ما يتم اختيار الحالات المعتدلة وصغار السن، وفي بعض الأحيان تُعطَى الافضلية للمرضى الذين لم يتلقوا أي تدخلات علاجية سابقًا. ويوقع المريض بعد ذلك على استمارة الموافقة المستنيرة التي يجب أن تنص على مدة التجربة، وعدد المشاركين بها، والمخاطر المحتمل حدوثها، ومسئولية الباحث عن علاج أي أعراض جانبية، والفوائد المتوقعة، وأخيرًا طرق التبليغ عن أي مخالفات تتم خلال التجربة. 

ولكن هناك بعض التحديات التي تواجه شركات الأدوية خلال إجرائها للتجارب السريرية في مصر: التحدي الأول يتمثل في طول المدة اللازمة قبل البدء في التجربة السريرية؛ حيث إنه نظريًا من المفترض أن تستغرق المدة اللازمة لمراجعة الخطط البحثية من قبل وزارة الصحة 60 يومًا وبعد ذلك تُعلن عن قرارها بالقبول أو الرفض، ولكن عمليًا تستغرق هذه الإجراءات مدة أطول قد تصل -في بعض الأحيان- إلى عام. في الوقت نفسه فإن استيراد الأدوية التي سيتم اختبارها خلال التجربة من الخارج يستلزم موافقة وزارة الصحة أيضًا، وهو ما قد يتسبب في إهدار المزيد من الوقت قبل البدء فعليًا في التجربة.

أما التحدي الثاني فيتمثل في تفتت التشريعات المنظمة للتجارب السريرية في مصر. فعلى الرغم من وجود بعض المواد الخاصة بالتجارب على البشر في الدستور المصري، والتي تنص على “حرمة جسم الإنسان وأن أي اعتداء أو تدنيس أو تشويه يعتبر جريمة يحاسب عليها القانون، وأنه لا يمكن إجراء أي تجربة علمية دون توثيق بالموافقة الحرة للمشاركين في التجربة”، وبعض القوانين الإدارية الأخرى التي أصدرتها وزارة الصحة والسكان بشأن تنظيم إجراء التجارب السريرية، وضرورة الحصول على موافقة لجنة أخلاقيات البحث العلمي بوزارة الصحة؛ إلا أنه لم يوجد قانون شامل وموحد يجمع كل تلك القوانين ويضعها في إطار واضح ينظم العلاقة بين الباحث والمبحوث والشركة الراعية للبحث. 

مراحل إصدار قانون لتنظيم إجراء التجارب السريرية في مصر

على مدار العشرين عامًا الماضية، كانت هناك عدة محاولات لإصدار تشريع موحد لتنظيم التجارب السريرية في مصر. أولها كان في عام 2002، حين قدم رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي بالبرلمان وقتها مسودة أولية لقانون ينظم إجراء البحوث السريرية للعقاقير الجديدة في مصر، ولكن البرلمان لم يوافق عليه بعد مناقشة مسودته. تبع ذلك محاولة أخرى في عام 2014، حيث أعدت وزارة الصحة مشروعًا لتنظيم التجارب السريرية، ولكن أثار هذا المشروع استياء العديد من الخبراء والباحثين نظرًا لتضمنه مواد تسمح بإجراء التجارب السريرية على الفئات المستضعفة مثل الأطفال والحوامل والمرضى النفسيين. وأخيرًا في عام 2018، أعدت الحكومة المصرية مشروعًا شاملًا لتقنين التجارب السريرية في عام 2018، واشترطت في مشروع القانون الجديد أن يتم الحصول على موافقة كتابية مستنيرة من المتطوعين المشاركين في التجربة قبل البدء فيها، كما أوضح المشروع كافة الحقوق والمسئوليات لكلٍّ من المتطوع والباحث لضمان الالتزام الكامل بالمعايير الأخلاقية خلال التجارب السريرية، وقدمت الحكومة هذا المشروع للبرلمان.

ظلت مسودة مشروع هذا القانون تُدرس في البرلمان من قبل أعضاء لجان الصحة والتعليم العالي لمدة 60 يومًا، اُجري خلالها عدد من جلسات الاستماع التي تضمنت ممثلين من الباحثين ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالتجارب السريرية وبمشاركة عدد من رجال الدين أيضًا. وفي مايو 2018، أقرّ مجلس النواب مشروع القانون المقدم من الحكومة، لكن الرئيس “عبدالفتاح السيسي” أعاد مشروع القانون إلى البرلمان مرة أخرى، بعد رفض أوساط علمية وطبية لمشروع القانون المقترح لما رأت فيه من عرقلة للبحث العلمي.

 أوضحت رسالة السيد الرئيس، التي وجهها إلى مجلس النواب، أن موضوع التجارب السريرية يحظى بدرجة عالية من الأهمية والخطورة؛ نظرًا لتشابك تداعياته العلمية والقانونية والاجتماعية، وتعلقه بالحماية الدستورية وبالحق في الحياة وحرمة جسد الإنسان من جهة، وحرية البحث العلمي من جهة أخرى، وتشجيع مؤسساته باعتباره وسيلة لتحقيق الاستقلالية الوطنية وإسهام المصريين في الخارج في نهضة البحث العلمي. وعبر الرئيس عن اعتراضه على عدد من المواد الموجودة بالقانون، لا سيما المواد الخاصة بصلاحيات المجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية (المسئول عن وضع السياسات العامة لإجراء البحوث الطبية ومتابعة تنفيذها)، وكذلك المواد الخاصة بالمسئوليات والعقوبات، وأخيرًا عدم واقعية النص المتعلق بمنع تحليل عينات المصريين في الخارج.

وفي ديسمبر 2018، تم تشكيل لجنة خاصة في البرلمان لتلقي كافة المقترحات بخصوص هذا القانون، وإعادة صياغة المواد محل الاعتراض؛ للوصول إلى أقصى درجة ممكنة من التوافق حول المواد الخلافية بين الجهات ذات الصلة. وفي مطلع أغسطس الماضي أعدت تلك اللجنة تقريرًا تضمن تعديل (19) مادة في مشروع القانون، ووافق البرلمان في جلسته المنعقدة في الخامس والعشرين من أغسطس على التعديلات التي اقترحتها اللجنة.

كيف ستتغير التجارب السريرية بعد إقرار القانون؟

عالج مشروع القانون في صيغته النهائية عددًا من التحديات التي كانت تواجه الباحثين وشركات الأدوية خلال إجراء التجارب السريرية، حيث تم وضع أمد محدد لإتمام كافة الإجراءات المطلوبة للحصول على الموافقة في مدة لا تزيد على 90 يومًا كحد أقصى، فيما تعد موافقة اللجان المؤسسية نهائية لمعظم بروتوكولات البحوث الطبية التي تقدم إليها. واقتصر شرط الحصول على الموافقة الإلزامية لهيئة الدواء المصرية والمجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية عليها على بحوث معينة. 

كما تم توزيع عدد أعضاء المجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية الـ(15) عضوًا، بشكل يتناسب مع عدد الأبحاث السريرية التي تجريها كل جهة؛ ليكون نصيب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عدد (5) أعضاء في مقابل عضوين لوزارة الصحة، ويتضمن المجلس أيضًا ممثلين من الجهات الأمنية والرقابية وممثلًا عن هيئة الدواء المصرية.

ولحماية حقوق المبحوثين في تلك التجارب، تم فرض الحصول على موافقة مستنيرة تحتوي على كافة التفاصيل الخاصة بالتجربة من الخاضعين لها، مع فرض عقوبات صارمة على الباحثين والشركات الراعية للبحث في حال إجراء التجارب دون استيفاء تلك الموافقات من المبحوثين، أو في حال عدم الالتزام بتقديم الرعاية الطبية اللازمة لأي من المبحوثين أثناء وبعد البحث الطبي.

ومن المتوقع أن يلاقي مشروع القانون في صيغته النهائية استحسانًا من أغلب الأوساط العلمية والطبية؛ ولكن يرى بعض الخبراء في هذا المجال أنه من الضروري أن تتضمن اللائحة التنفيذية للقانون بعد اعتماده من قبل رئيس الجمهورية، بنودًا تفصيلية حول العائد المتوقع للمواطنين المصريين في حال إجراء التجارب السريرية في مصر؛ إعمالا بالمعايير الدولية التي يتضمنها إعلان هلسنكي، مثل إلزام شركات الأدوية الأجنبية بتوفير الأدوية التي تم اختبارها في الأسواق المصرية بأسعار أقل من الدول الأخرى.

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة