مقال تحليلي

هل يؤثر تورط تركيا في صراع “ناجورنو كاراباخ” على تدخلاتها في ليبيا؟

يستهدف النظام التركي الدخول كطرف مؤثر في مجريات الصراع الآذري-الأرميني حول إقليم “ناجورنو كاراباخ”، وهو ما يعني اتجاه أنقرة لفتح جبهة جديدة بمنطقة جنوب البلقان، في ظل استمرار أنشطتها العسكرية في سوريا والعراق وليبيا، إلى جانب شرق البحر المتوسط مع قبرص واليونان. ومنذ تجدد المواجهات الساكنة منذ عام 1994، أعلنت أنقرة دعمها ل “باكو” بشتى الوسائل التي تحتاجها لحسم هذا النزاع، وبدأت بالفعل في مجموعة من الإجراءات والمناورات الدالة على تفعيلها لبرنامج عمل للانخراط في تلك القضية.  هذا المقال يتناول طبيعة البرنامج التركي للتدخل بالأزمة الجارية في “ناجورنو كاراباخ”، والتأثيرات المُحتملة لهذا الاتجاه على الأنشطة التركية وتفاعلها في الصراع الليبي. …

حسين عبد الراضي
باحث بوحدة التسلح

يستهدف النظام التركي الدخول كطرف مؤثر في مجريات الصراع الآذري-الأرميني حول إقليم “ناجورنو كاراباخ”، وهو ما يعني اتجاه أنقرة لفتح جبهة جديدة بمنطقة جنوب البلقان، في ظل استمرار أنشطتها العسكرية في سوريا والعراق وليبيا، إلى جانب شرق البحر المتوسط مع قبرص واليونان. ومنذ تجدد المواجهات الساكنة منذ عام 1994، أعلنت أنقرة دعمها ل “باكو” بشتى الوسائل التي تحتاجها لحسم هذا النزاع، وبدأت بالفعل في مجموعة من الإجراءات والمناورات الدالة على تفعيلها لبرنامج عمل للانخراط في تلك القضية. 

هذا المقال يتناول طبيعة البرنامج التركي للتدخل بالأزمة الجارية في “ناجورنو كاراباخ”، والتأثيرات المُحتملة لهذا الاتجاه على الأنشطة التركية وتفاعلها في الصراع الليبي. 

أنقرة وإذكاء نيران المعارك بين أرمينيا وأذربيجان

يستحوذ الصراع الدائر بمنطقة “ناجورنو كاراباخ” على اهتمام كبير، ليس فقط لكونه صراع قائم ويتجدد، بل لحيثية توقيته والقوى الدولية المنخرطة فيه. وقد كانت أنقرة تاريخيًا من الدول المنخرطة بشكل أو بأخر في مجريات هذا الصراع؛ لأسباب تتعلق بارتباطها الجيوسياسي بجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق الناطقة بالتركية أو التي ترتبط معها بمصالح تجارية واقتصادية، حيث تحالفها مع دول “المجلس التركي” في جنوب القوقاز، بالإضافة للعداء التاريخي بين يريفان وأنقرة.

وفي إطار مساعيه لتوظيف كافة الأزمات الدولية لتحقيق تمدد إضافي، ركز نظام الرئيس “رجب طيب أردوغان” على توجيه الصراع الأرميني الآذري نحو مزيد من التصعيد والمواجهة، وهو صراع لم يتوقف رغم إعلان الهدنة ووقف إطلاق النار بين الجانبين في عام 1994، إلا أن التحركات التركية في المواجهات الأخيرة تشير الى اتجاه لتجاوز درجات الاشتباك السابقة، ما وصل لمستويات تنذر بنشوب حرب شاملة بين باكو ويريفان.

ومع تجدد الصدام بين الطرفين (12 يوليو2020) عززت أنقرة من درجة انخراطها بمجريات الأزمة؛ لتوظيف الاشتباكات للتغطية على فشل سياساتها بالصراع الليبي، وتخفيف حالة الحصار الإقليمي عليها بشرق المتوسط، الى جانب فتح ملف إضافي للتفاوض مع موسكو لتحقيق اختراقات إيجابية معها بملفات الاشتباك القائمة. أضف الى ذلك تحقيق حشد داخلي لتعويض الانتقادات المتصاعدة ضد “أردوغان” وسياساته بالشارع التركي، وهو ما ينصرف أيضًا إلى تحقيق دعم وتأييد دول القوقاز المنضوية تحت إيديولوجية “القومية التركية” التي يسوقها النظام التركي بشكل ناجح في هذه المنطقة، وهو ما سيساعد أنقرة على ضمان ظهير دولي يساندها في وجه الانتقادات الدولية الرافضة لسلوكها. 

وفي هذا السياق، سارعت تركيا بحشد تشكيلات عسكرية، من مقاتلات إف-16 وقطاعات من القوات البرية، لتنفيذ مناورات موسعة مع الجانب الآذري، عرفت ب “النسر” خلال الفترة (29 يوليو- 10 أغسطس 2020). وكشفت تقارير ومصادر رسمية أرمينية عن نقل أنقرة لمئات المرتزقة السوريين للقتال ضدها بمحاور الاشتباك كما أعلن السفير الأرميني في موسكو “أن تركيا نقلت نحو 4 آلاف مرتزق من شمال سوريا إلى أذربيجان”، في خطوة تمثل استنساخًا لتكتيكاتها المُفعلة بمناطق نشاطها كالنزاع الليبي أو السوري. كما أظهرت العمليات العسكرية دخول مقاتلات وطائرات مسيرة تركية في خضم المواجهات إلى جانب باكو، وهو مؤشر ذا دلالة كبيرة على البرنامج الذي تعتمده أنقرة على صعيد هذا الملف.

انعكاسات محتملة بالنسبة للملف الليبي  

تتسع دوائر التدخلات التركية في مناطق النزاع؛ إذ يصر “أردوغان” على إثبات صواب ارتداده عن سياسة (صفر مشاكل) عبر الانخراط في مزيد من الأزمات، ومع بروز دور تركي إضافي بصراع “ناجورنو كاراباخ”، تتصاعد مؤشرات ودلالات وتداعيات هذا الدور على أنشطة تركيا في بعض الصراعات الأخرى. وينظر للدور التركي في مجريات الصراع الليبي كأحد أهم مساحات تدخل أنقرة إقليميًا؛ كونه يتصل بشكل مباشر بمصالح العديد من القوى الشرق أوسطية والدولية، وتتنوع فيه مستويات الانخراط التركي بين سياسي واقتصادي وعسكري، لذا فمن الأهمية بحث التداعيات المُحتملة للدور التركي في أزمة إقليم “ناجورنو كاراباخ” على نفوذها ودورها بالأزمة الليبية. وهو ما يمكن استعراضه في النقاط التالية:

1- انخفاض فعالية إدارة الصراع: تشهد تركيا حالة تراجع اقتصادي وانحسار التأييد السياسي للنظام، ودخولها الى ميدان مواجهة خارجي جديد سيقود لمزيد من الضغوط الاقتصادية والداخلية، وهو ما سينصرف بشكل مؤثر على برامج التدخل القائمة كالحالة الليبية، ما يدفع للاعتقاد بأن كفاءة الانخراط التركي في الازمة الليبية ستتأثر سلبًا مع ازدياد مساحات أنشطتها بالخارج، وستضطر تركيا للتخلي مرحليًا عن درجة الانخراط العالية في تفاعلات المشهد الليبي، ولكنها ستحرص بشكل أو بآخر على تعطيل أية مسارات تفاوضية تمس بمصالحها أو نفوذ القوى الموالية لها بغرب ليبيا.

2- حصار دولي لتحركات أنقرة: سيمنح الدور التركي في “ناجورنو كاراباخ” فرصة للحشد المضاد للأنشطة المهددة للأمن والسلم الدوليين، وستكون التدخلات التركية في الغرب الليبي محل تركيز إقليمي كبير، وقد تتمكن دول شرق المتوسط والمنخرطة بالأزمة الليبية من تحقيق اختراق يفرض حصارًا على مساحات التدخل التركي بطرابلس. كما تتزايد فرص الاتجاه دوليًا لردع أنقرة مع تلويحها بأوراق ضغط تنذر بتقويض استقرار الدول وأمنها، كتدخلاتها العسكرية في ليبيا وسوريا والعراق، وابتزازها للاتحاد الأوروبي بملف المهاجرين، فضلًا عن نقل وتوظيف عناصر التنظيمات الإرهابية والمرتزقة في العديد من الصراعات.

3- رد فعل روسي مؤثر: ستنعكس اتجاهات أنقرة في صراع “ناجورنو كاراباخ” على علاقاتها مع روسيا، فمع حجم الروابط الاستراتيجية التي تجمع يريفان وموسكو، والضربات التي تم توجيهها لمنظومات الدفاع الجوي والمقاتلات الأرمينية، روسية الصنع، من المرجح أن تتجه موسكو لرد اعتبار صناعاتها العسكرية وتأمين حليفتها التقليدية. وحيث يظل الدور الروسي في ليبيا عامل بالغ التأثير على المصالح التركية فيها، يمكن لموسكو أن تعاقب أنقرة بتهميش دورها في الترتيبات الجديدة هناك، وهو ما يمكن أن تصل به روسيا إلى حدود انتزاع التأييد الذي يضمره بعض مسئولي غرب ليبيا لتركيا، وهو ما سيفقدها قدر كبير من القدرة على حماية مصالحها ونفوذها بالأزمة. وقد تذهب روسيا الى استهداف الأصول التركية في ليبيا، إلا أن الاحتمال الأخير يظل محدودًا لاعتبارات الهدنة القائمة في محيط سرت والجفرة.  ختامًا، يمكن القول إن الاتجاه التركي لتحويل منطقة جنوب القوقاز إلى منطقة عدم استقرار، وتطويق أرمينيا -عدوها التقليدي- والدفع بموسكو لإعادة تقييم خياراتها، قد يحمل تأثيرات بالغة القوة على التحركات التركية بالعديد من مناطق الأزمات الدولية، لاسيما الصراع الليبي. وقد تنتهي مغامرة النظام التركي في “ناجورنو كاراباخ” بخسارة جزء كبير من أداوته في ليبيا، وفقدان فعالية إدارته للعمليات بالخارج، بشكل قد يخرج عن سيطرتها. أو حتى على صعيد القوى الإقليمية والدولية التي لن تسمح بتكرار السيناريو السوري، الذي تم استنساخه في ليبيا، في مناطق مشتعلة حول العالم، لا سيما وهي منطقة تماس مباشر مع موسكو، وأن التدخلات التركية تستهدف بشكل مباشر حليف تقليدي لها.

حسين عبد الراضي
باحث بوحدة التسلح