الانتخابات الأمريكية

هل تؤثر إصابة “ترامب” بفيروس كورونا المستجد على مسار السباق الانتخابي؟

في كثيرٍ من الأحيان، تشهد الأحداث الانتخابية ومثيلاتها من الأحداث السياسية الكبرى بعض المفاجآت التي قد تؤدي لتغيير مسارها على نحو غير متوقع، وهو الأمر الذي بات مألوفًا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية ويُعرف بـ”مفاجأة أكتوبر”. إذ يحدث أن ينتشر خبر عبارة عن تسريب أو مفاجأة، ما يؤدي للتأثير على توجهات الناخبين وسلوكهم التصويتي، خاصة تلك الفئة التي لم تكن قد حسمت قرارها التصويتي بعد. ومع تأكيد إصابة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بفيروس كورونا المستجد هو وقرينته، تُثار التساؤلات حول ما إذا كان يُمكن اعتبار ذلك الحدث بمثابة “مفاجأة أكتوبر” لانتخابات 2020. وهو الأمر الذي نستعرضه تباعًا فيما يلي: توقيت حرج…

آية بدر
باحثة في النظم السياسية المقارنة

في كثيرٍ من الأحيان، تشهد الأحداث الانتخابية ومثيلاتها من الأحداث السياسية الكبرى بعض المفاجآت التي قد تؤدي لتغيير مسارها على نحو غير متوقع، وهو الأمر الذي بات مألوفًا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية ويُعرف بـ”مفاجأة أكتوبر”. إذ يحدث أن ينتشر خبر عبارة عن تسريب أو مفاجأة، ما يؤدي للتأثير على توجهات الناخبين وسلوكهم التصويتي، خاصة تلك الفئة التي لم تكن قد حسمت قرارها التصويتي بعد. ومع تأكيد إصابة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بفيروس كورونا المستجد هو وقرينته، تُثار التساؤلات حول ما إذا كان يُمكن اعتبار ذلك الحدث بمثابة “مفاجأة أكتوبر” لانتخابات 2020. وهو الأمر الذي نستعرضه تباعًا فيما يلي:

توقيت حرج

يأتي إعلان إصابة الرئيس “ترامب” وزوجته بفيروس كورونا المستجد في توقيت حرج يستعد فيه للحشد في توقيت حساس من السباق الانتخابي الذي سيشارف على الحسم بعد أقل من شهر، فضلًا عن تأخره في استطلاعات الرأي في مواجهة منافسه “بايدن”، والأهم أن الإعلان يأتي عقب المناظرة الرئاسية الأولى التي كان أداؤه فيها موضع نقد، بالإضافة إلى ما تعرض له من حرج حيال الإفصاح عن صحة بعض التسريبات التي تناولت الإقرارات الضريبية له قبيل المناظرة الرئاسية، وبالتالي هو في أمسّ الحاجة لتكثيف جهوده لحشد المزيد من المؤيدين. 

كما يتزامن الإعلان عن إصابته مع تفاقم تفشي الفيروس بالولايات المتحدة الأمريكية ذات أعلى معدلات إصابة عالميًّا (أكثر من 7 ملايين حالة)، وكذلك أعلى معدل للوفاة (أكثر من 200 ألف حالة وفاة)، وذلك وفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية حتى الثاني من أكتوبر 2020، في ظل الاستياء من الأداء الحكومي في مواجهة الفيروس والسيطرة عليه، هذا بالإضافة إلى عزم الرئيس الأمريكي اللجوء إلى إعادة فتح الأنشطة الاقتصادية من جديد من أجل تقليل الخسائر الاقتصادية.

بالإضافة إلى ما سبق، هناك العديد من الشكوك التي تدور حول حملة “ترامب” والقائمين عليها مؤخرًا، والتي تدفع بوجود علم مسبق لديهم بإصابة الرئيس الأمريكي بالفيروس قبل حضوره فعالية جمع التبرعات في نيوجرسي الخميس والتي ظهر فيها وهو يبدو عليه الإعياء، الأمر الذي ربما يثير الشكوك حول مدى المصارحة والشفافية ومدى الاهتمام باعتبارات السلامة والوقاية من قبل إدارة “ترامب”، إذ لم يعلن الرئيس عن إصابته إلا بعد إعلان مستشارته “هوب هيكس” إصابتها بالفيروس والتي كانت برفقته في المناظرة الرئاسية. 

تداعيات محتملة

استنادًا إلى ما سبق، هناك العديد من التداعيات المحتملة القائمة على إعلان الرئيس “ترامب” إصابته بفيروس كورونا المستجد، وأول تلك التداعيات يأتي على الحملة الانتخابية، إذ إن إصابة الرئيس تعني ضمنًا أنها لم تكن تراعي التدابير الاحترازية والوقائية مما أدى لخسارتها القدرة على الاستمرارية في ذلك التوقيت الحرج بل الحاسم للسباق الانتخابي. فبسبب إصابة الرئيس اضطرت الحملة لإلغاء العديد من الفعاليات والحشود والزيارات التي كان من المقرر إجراؤها في الأيام المقبلة.

كما أن إصابة الرئيس الأمريكي تصحبها حالة من التشكيك في كفاءة إدارته لأزمة فيروس كورونا، مما يزيد من حالة الاستياء والغضب العام، خاصة في ظل التصريحات المثيرة للجدل التي كان يدلي بها الرئيس حول الفيروس، والتي بلغت حد التقليل من خطورته والاستهانة بالتدابير الاحترازية التي طالما نادى بها مركز مكافحة الأمراض (CDC). إذ قلل الرئيس من أهمية ارتداء الكمامات، وسخر من التزام منافسه “بايدن” بارتدائها، وذلك خلال المناظرة الرئاسية الأولى التي اتهم “بايدن” فيها الرئيس الأمريكي بعدم الإنصات لآراء الخبراء والمتخصصين.

وتمتد أزمة الثقة تلك لحديث “ترامب” عن التوصل للقاح آمن للفيروس قريبًا، وهو الأمر الذي انتقده فيه “بايدن” كذلك في المناظرة الرئاسية التي اتهم فيها الرئيس الأمريكي بعدم الإنصات لآراء الخبراء الذين يقولون بأن اللقاء الآمن لن يتم التوصل له قبل منتصف العام المقبل على أدنى تقدير. 

فضلًا عن التداعيات الاقتصادية الناجمة عن إعلان إصابة “ترامب” بالفيروس، وذلك بسبب المخاوف المرتبطة بحالة الضبابية حول مستقبل الحالة الصحية للرئيس الأمريكي وما قد يصحبها من اضطراب في حال تدهورت حالته الصحية، خاصة وأن المستثمرين كانوا يستعدون بالفعل لتقلبات السوق الناجمة عن الانتخابات، إلا أن تلك التقلبات قد وقعت مبكرًا، إذ شهدت أسواق المال الرئيسية بالولايات المتحدة الأمريكية موجة من الخسائر يوم الجمعة عقب تأكيد إصابة “ترامب”.

وتتزايد المخاوف من أن يتسبب تدهور حالة “ترامب” الصحية في إعاقته عن استكمال أداء مهامه في الأشهر الأخيرة لفترته الرئاسية، وهو ما قد يضطره لتسليم زمام الأمور لنائبه “مايك بنس”. خاصة وأن سن الرئيس الأمريكي وحالته الصحية تجعل من غير المستبعد تفاقم حالته الصحية، وهو ما يثير المخاوف بشأن حدوث اضطرابات سياسية داخل الولايات المتحدة.

هل يتأثر السباق الانتخابي؟

لا شك في أن إعلان الرئيس الأمريكي عن إصابته بفيروس كورونا المستجد سيؤثر على مسار السباق الانتخابي بدرجة أو بأخرى، وكذلك على الفرص الانتخابية لكلا المرشحَيْن؛ إلا أن الأمر يتوقف على كيفية توظيف كل منهما لتلك المفاجأة وتداعياتها.

أ- تنامي فرص “جو بايدن”:

من المرجَّح أن تأتي تلك المفاجأة في صالح المرشح الديمقراطي “جو بايدن” بالأساس، ومن ثم فإن الفرصة سانحة له ولحملته الانتخابية من أجل توظيف إصابة الرئيس الأمريكي لصالح تعزيز الفرص الانتخابية لـ”بايدن”، إذ يمكن لـ”بايدن” وحملته العمل على استغلال ما حدث للتأكيد على فشل الرئيس الأمريكي وحكومته في إدارة أزمة الجائحة وتراجع الثقة بها وبأدائها، خاصة في ظل تكرار إشارة “بايدن” إلى أن الولايات المتحدة قد فقدت ذلك العدد الضخم من الضحايا بسبب سياسات حكومة “ترامب” وما اتخذته من إجراءات خاطئة، فقد كان بإمكان الحكومة حفظ الأرواح لو ركزت على الأبعاد الصحية والوقائية، هذا فضلًا عن إطلاق الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” العديد من الوعود التي تتعلق بالتوصل للقاح، وكذلك التقليل من خطورة الفيروس ووصفه بأنه خدعة، مع تقليله من أهمية التدابير الاحترازية وخاصة ارتداء الكمامات، وهو الجدال الذي تأجّج خلال المناظرة الرئاسية الأولى، وهو ما يدعم حجج “بايدن” بشأن تجاهل “ترامب” لآراء الخبراء والمتخصصين.

بالعودة أيضًا للمناظرة الرئاسية الأولى، نجد أن “بايدن” قد حاجج نظيره “ترامب” بشأن ضرورة العمل على حفظ الأرواح بدلًا من الإصرار فقط على سياسات إعادة الفتح واستعادة النشاط الاقتصادي، وهو ما يجعل “بايدن” وحملته في موقف أفضل بسبب أنهم منذ البداية كانوا يراعون التدابير الاحترازية، إذ اعتادت الحملة على إجراء الفعاليات الافتراضية لتجنب التجمعات وهو ما يمنحهم الأفضلية في المرحلة المقبلة حال الاضطرار لاستكمال السباق الانتخابي عبر تلك السبل الافتراضية. وفي ظل سلبية نتائج تشخيص المرشح الديمقراطي للإصابة بالفيروس، فإن حملته الانتخابية تتمتع بفرص الاستمرار في الحشد والدعاية الانتخابية، في حين يتعثر منافسه في السباق الانتخابي.

ب- فرص الرئيس “ترامب”:

قد يقوم الرئيس “ترامب” بتوظيف إصابته بفيروس كورونا المستجد لصالح تعزيز حظوظه التصويتية، وذلك من خلال اللعب على حصد الأصوات المتعاطفة معه، إلا أنه لا يمكنه التعويل على ذلك العامل وحده، فجدير به أن يأخذ في الاعتبار ما تعرض له رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” عندما أُصيب بالفيروس، حيث حصل على المزيد من التأييد له ولحكومته في إطار التعاطف معه، ولكنّ ذلك التعاطف لم يكن كافيًا لإنقاذه من الغضب والاستياء من أداء حكومته في مواجهة جائحة كورونا. وبالمثل، لا يمكن للرئيس “ترامب” التعويل على حصد التعاطف وحده خاصة في ظل تراجع الثقة به وبحكومته.

وقد يستغل “ترامب” ما حدث للخروج من المأزق الذي واجهه بفعل المناظرة الرئاسية الأولى، حيث تعرض “ترامب” لانتقادات من قبل الحزب الجمهوري ذاته بسبب أدائه خلال المناظرة وردوده المندفعة في مواجهة خصمه “بايدن” ومقاطعته له باستمرار، وعدم استغلاله الفاعل للمناظرة، ناهيك عن تجنب إدانة الحركات المتطرفة للبيض، فقد رفض العديد من أعضاء البرلمان الأمريكي من الجمهوريين تصريحات “ترامب” ومواقفه خلال المناظرة، وعبّروا عن استيائهم من أدائه، وهو ما يجعل من المناظرة القادمة تحديًا كبيرًا لحملة ترامب.

ووفقًا للمعطيات السابقة، فإن كفة المرشح الديمقراطي “بايدن” قد تبدو هي الأرجح بفعل سنوح الفرص أمامه، وفي ظل تقدمه في استطلاعات الرأي مع تعثر “ترامب” بفعل إصابته بفيروس كورونا المستجد وما يصحب ذلك من تداعيات، إلا أنه لا يزال هناك نحو أقل من شهر على إجراء الانتخابات الرئاسية ووصول السباق لمحطته الأخيرة، وهي فترة تتسع لحدوث المزيد من المفاجآت والتحولات في مجريات الأحداث ومن ثم في نتائج الانتخابات. فلا يزال من المبكر بل من الصعب الحديث عمن سيفوز في تلك الانتخابات “الاستثنائية” في التاريخ الحديث للولايات المتحدة الأمريكية. 

مصادر 

-“Boris Johnson shows what happens when a world leader gets Covid-19 “It could have gone either way,” Trump’s British counterpart has said after he was rushed to hospital and put into intensive care in April.”, NBC News, October 2nd 2020, Available at https://www.nbcnews.com/news/world/u-k-s-boris-johnson-has-showed-what-happens-when-n1241773 

-“Campaign Stops in Janesville, Green Bay Canceled After Trump Tests Positive for Coronavirus”, Wisconsin Publication Radio, October 2nd 2020, Available at https://www.wpr.org/campaign-stops-janesville-green-bay-canceled-after-trump-tests-positive-coronavirus 

-“Republicans hit out at Trump’s aggressive debate performance”, Financial Times, September 30th 2020, Available at https://www.ft.com/content/f24c98cf-2810-47ed-8c3c-1cb83f5d9b80

-“Trump did not call Covid-19 a ‘hoax’ – and other false claims”, BBC, October 2nd 2020, Available at https://www.bbc.com/news/blogs-trending-54387438 

-“Trump’s coronavirus diagnosis unlikely to prompt ‘sympathy vote’ ahead of election, political analyst says”, CNBC, October 2nd 2020, Available at https://www.cnbc.com/2020/10/02/trump-coronavirus-test-unlikely-to-prompt-sympathy-vote-analyst-says.html 

-“US election poll tracker: Will Donald Trump or Joe Biden win 2020 presidency?”, The Telegraph, October 2nd 2020, Available at https://www.telegraph.co.uk/news/2020/10/02/us-election-poll-tracker-who-will-donald-trump-joe-biden-win-2020/ 

-“US stocks slip after Trump tests positive for coronavirus”, Financial Times, October 2nd 2020, Available at https://www.ft.com/content/a332559e-cd83-4669-b01f-77d8cf3fd1e1 

-“White House Knew of Trump’s Exposure Before He Traveled to New Jersey, NBC New York”, October 2nd 2020, Available at https://www.nbcnewyork.com/news/local/nj-starts-contact-tracing-for-people-who-attended-trump-fundraiser-thursday/2648271/

– «مفاجأة أكتوبر» من ريغان إلى ترامب أميركا تقترب من شهر الدسائس والفضائح الانتخابية والصفقات المشبوهة”، موقع جريدة الشرق الأوسط، 12 سبتمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي https://bit.ly/3l9HnYp 

آية بدر
باحثة في النظم السياسية المقارنة