وحدة الدراسات الاقتصادية

أسباب انخفاض قيمة الجنيه السوداني ومساعي الاحتواء

في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية والكوارث الطارئة التي يمر بها السودان، شهدت قيمة العملة المحلية للسودان تدهورًا غير مسبوق خلال الأسابيع الأخيرة. فبالرغم من ثبات سعر الصرف الرسمي للجنيه السوداني عند 55 جنيه سوداني لكل دولار، ارتفعت قيمة الدولار في السوق الموازية في 10 سبتمبر2020 حوالي 255 جنيه سوداني. وبعض التقديرات تشير إلى وصول الدولار إلى 300 جنيه سوداني، وذلك بانخفاض حوالي 50% عن قيمته في أغسطس 2020، أي قبل شهر واحد فقط، بما يضر استقرار الاقتصاد الكلي للسودان. وتلقي هذه الأزمة بظلالها على مجمل مناحي الحياة في السودان، حيث ارتفع التضخم بشكل كبير ليصل إلى 166.8% في شهر أغسطس…

هايدي الشافعي
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية والكوارث الطارئة التي يمر بها السودان، شهدت قيمة العملة المحلية للسودان تدهورًا غير مسبوق خلال الأسابيع الأخيرة. فبالرغم من ثبات سعر الصرف الرسمي للجنيه السوداني عند 55 جنيه سوداني لكل دولار، ارتفعت قيمة الدولار في السوق الموازية في 10 سبتمبر2020 حوالي 255 جنيه سوداني. وبعض التقديرات تشير إلى وصول الدولار إلى 300 جنيه سوداني، وذلك بانخفاض حوالي 50% عن قيمته في أغسطس 2020، أي قبل شهر واحد فقط، بما يضر استقرار الاقتصاد الكلي للسودان.

وتلقي هذه الأزمة بظلالها على مجمل مناحي الحياة في السودان، حيث ارتفع التضخم بشكل كبير ليصل إلى 166.8% في شهر أغسطس 2020، وزادت أسعار السلع الغذائية بنحو 500%، ولجأ عدد من التجار إلى تخزين السلع الرئيسية لبيعها لاحقاً بأسعار أكثر ارتفاعًا، بينما اضطر العديد من التجار إلى إيقاف عمليات البيع للجمهور تماما، خشية التعرض لخسائر مالية كبيرة، نتيجة عدم ثبات سعر الجنيه أمام العملات الأجنبية، إضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود، نتيجة ارتفاع قيمة استيراده، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النقل، وبالتبعية إلى ارتفاع تكلفة المعيشة على المواطن السوداني. 

 لماذا تراجعت قيمة الجنيه السوداني؟

يرجع هذا الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه السوداني إلى عدد من العوامل، أبرزها:

1- زيادة الطلب على الدولار مع نقص المعروض 

اتجه المواطنون في السودان إلى شراء الدولار واستخدامه كمخزن للقيمة وللحفاظ على ممتلكاتهم بعد تدهور قيمة العملة المحلية، هذا إلى جانب احتياج التجار للدولار بكميات كبيرة لإستيراد بضائعهم من الخارج، فضلًا عن احتياج الحكومة ذاتها للنقد الأجنبي لاستيراد السلع الأساسية، مما أدى إلى زيادة الطلب على الدولار في ظل نقص المعروض منه نتيجة انخفاض الصادرات، وتهريب الذهب الذي يمثل مصدر هام للعملة الأجنبية في البلاد، بالإضافة إلى ذهاب الجزء الأكبر من تحويلات العاملين بالخارج إلى السوق الموازية وليس المصارف السودانية. وتتزامن هذه الممارسات مع عجز السودان عن جذب استثمارات خارجية أو الاستفادة من القروض الخارجية بسبب إدراج اسمها على القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، مع عدم وصول كثير من المساعدات الأجنبية التي وعد بها السودان، والجزء الأكبر مما وصل كان عبارة عن مساعدات غذائية ودوائية، وهذا النوع من المساعدات لا يغطي الاحتياج للنقد الأجنبي، هذه الحالة ساهمت في ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية بشكل مبالغ فيه.

2- زيادة المعروض من العملة المحلية 

يمثل العرض النقدي من الجنيه السوداني الوجه الآخر للمعادلة، والذي يسهم بدوره في ارتفاع اسعار الدولار، وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى عاملين هما الأبرز في زيادة المعروض من العملة المحلية، يتمثل العامل الأول في لجوء الحكومة السودانية إلى طبع النقود بشكل متزايد لتغطية الاحتياجات الداخلية دون وجود غطاء نقدي حقيقي،  حيث ضخّت الحكومة السودانية حوالي 150مليار جنيه سوداني (ما يعادل 2.7مليار دولار تقريبًا “وقتها”) في الستة شهورالأولى من عام 2020، في ظل انخفاض الاحتياطي من النقد الأجنبي إلى حوالي  1.4مليار دولار منذ أكتوبر 2019.

أما العامل الثاني فهو قيام الحكومة برفع الحد الأدنى للأجور في مايو 2020 للعاملين بالدولة، بنسبة بلغت 569% في المتوسط، وبالرغم من وجاهة القرار من الناحية الاجتماعية لمساعدة المواطن على تحمل أعباء الحياة في ظل الارتفاع الكبير لأسعار السلع، إلا إنه أدى إلى نتائج عكسية، فازداد الطلب على الدولار بشكل أكبر وارتفعت أسعار السلع نتيجة امتصاص السوق للسيولة الجديدة، فضلا عن وجود أكثر من 75% من النقد المتداول خارج القطاع المصرفي، ولجوء عدد من المواطنين إلى سحب ودائعهم بالجنيه السوداني من المصارف واستبداله بالدولار من السوق الموازية، الأمر الذي أثر على عملية تمويل الانتاج، وشكل ضربة للاقتصاد السوداني ككل.

3- التضخم كسبب ونتيجة

حالة عدم التوازن في السوق بين المطلوب والمعروض من النقد المحلي والأجنبي، مع الارتفاع الجنوني لأسعار السلع، تركت أثرها على التضخم الذي ارتفع بالتبعية من 57% في ديسمبر 2019، إلى نحو 98% في أبريل 2020، ثم واصل الصعود وصولا إلى 166.8% في أغسطس 2020، مما أدى بالتبعية إلى انخفاض قيمة العملة المحلية مقابل الدولار بشكل أكبر، ويستمر التأثير المتبادل بين التضخم وسعر الصرف في رفع قيمة كل منهما بلا توقف، ما لم يتم السيطرة على الاثنين معًا.

4- المضاربات في السوق الموازية

عمد كثير من تجار الذهب إلى بيعه في السوق الموازية بسعر أعلى من السعر العالمي لتحريك سعر الصرف، بالإضافة إلى قيام جهات مجهولة بشراء الدولار بكميات كبيرة وأسعار مرتفعة من السوق الموازية بطريقة ممنهجة وأحيانًا بعملة مزورة، ويتهم مسؤولون في الحكومة السودانية عناصر من النظام السابق بالقيام بذلك، بغرض إضعاف قيمة الجنيه السوداني وتوجيه ضربة اقتصادية للحكومة الانتقالية لمحاولة إفشالها.

5- تعديل الموازنة

تعد القرارات التي أصدرتها الحكومة السودانية بشأن الموازنة المعدلة للعام 2020 للأشهر الأربعة الأخيرة، اعتبارًا من بداية سبتمبر مصدراً إضافياً ساهم في انهيار قيمة الجنيه السوداني، حيث أقرت هذه القرارات رفع سعر الصرف الرسمي من 55 إلى 120 جنيهاً سودانياً، وزيادة سعر الدولار الجمركي من 18 إلى 30 جنيهاً سودانياً، إضافة إلى رفع الدعم عن المحروقات بنسبة 75% والكهرباء بنسبة41%.

6- أزمة كوفيد- 19

تمثل أزمة كوفيد-19 سبباً آخر من أسباب انهيار قيمة الجنيه السوداني، فمع حالة الإغلاق للحدود نتيجة الاجراءات الإحترازية تضاءل حجم الصادرات السودانية الضعيفة أصلًا، وبالتالي انخفضت حصيلة العملة الأجنبية التي يتم الحصول عليها من تلك الصادرات، مما أسهم بشكل مباشر في رفع قيمة الدولار مقابل العملة المحلية، وتسببت الأزمة في تراجع الإيرادات العامة بنسبة 40 في المائة.    

7- الظروف السياسية الغير مستقرة

يرتبط الاستقرار الاقتصادي في أي دولة باستقرارها السياسي. وقد عانت السودان من جملة تغيرات سياسية ضخمة ومتسارعة خلال السنوات القليلة الماضية، انعكست بدورها على الأوضاع الاقتصادية. ولازال يحكم البلاد حكومة انتقالية مؤقته ومتنوعة سياسيًا، ما يؤثر على قدرتها على تطبيق اصلاحات جذرية في الوقت المناسب بسبب المشاورات التي تستغرق وقتاً طويلاً من أجل اتخاذ القرار الاقتصادية المناسبة. وأبرز مثال على ذلك؛ ما حدث من خلاف بين وزارة المالية وقوى الحرية والتغيير حول البرنامج الاقتصادي الإسعافي للفترة الانتقالية.

على جانب آخر، أدت الصراعات المسلحة في دارفور إلى حرمان الحكومة في السودان من التنقيب عن البترول والمعادن في المنطقة الغنية بالثروات وبالتالي فقدان مورد هام للعملة الأجنبية كان من الممكن أن يغطي جزءا من احتياجات السودان. 

جهود الحكومة الانتقالية للسيطرة على سعر الصرف

حاولت الحكومة السودانية السيطرة على سعر صرف الجنيه، من خلال مجموعة من الاجراءات، حيث قامت بإجراء حملات موسعة لضبط تجار العملة المتلاعبين، وغلق منافذ تِجارة العملة خارج القنوات الرسمية، كما تدرس الحكومة قرار تغيير عملة السودان للسيطرة على انهيار قيمتها. بالاضافة لذلك، وافقت الحكومة السودانية على تعديل سعر صرف العملة المحلية أمام الدولار تدريجيا على مدى عامين للوصول للسعر الحقيقي، وهو أحد الاجراءات التي أوصى بها صندوق النقد الدولي، حيث ان الفجوة بين سعر العملة في السوق الرسمي وسعرها في السوق الموازي كبيرة جدا مما يزيد المشاكل التضخمية التي تواجه المستهلكين السودانيين، ويؤثر على معيشتهم، كما اتخذ السودان، إجراءات في يونيو لزيادة فتح تجارة المعادن النفيسة أمام مستثمري القطاع الخاص، ووجّهت لجنة الطوارئ الاقتصادية إلى استخدام عائدات تصدير الذهب لشراء السلع الأساسية لتغطية العجز في المعروض النقدي من الدولار.

بالإضافة لذلك، في 10 سبتمبر2020، أعلنت الحكومة الانتقالية حالة الطوارئ الاقتصادية في السودان للحد من ارتفاع التضخم في البلاد والسيطرة على الإنخفاض السريع في قيمة الجنيه السوداني، وشكلت الحكومة قوة أمنية مشتركة لحماية الاقتصاد السوداني تتكون من الجيش والشرطة وقوة الدعم السريع والمخابرات العامة وسلطات الجمارك، بالاضافة لتكوين نيابات ومحاكم خاصة لتوقيف ومعاقبة المتورطين في عمليات التهريب أو الاتجار غير المشروع بالعملة الأجنبية، مع تغليظ العقوبة على المهربين لتصل إلى السجن لمدة 10 سنوات.

وعلى الرغم من كون الإجراءات الأمنية والقانونية التي اتخذتها الحكومة السودانية لضبط عمليات التهريب والمضاربات ضرورية للسيطرة على الانفلات الحادث في سعر الصرف، لكنها تظل غير كافية وحدها كما إن نتيجتها مؤقته. وكدليل على ذلك حدث انخفاض طفيف في سعر الصرف في اليوم التالي لإعلان الطوارئ الاقتصادية ليسجل حوالي 200جنيه سوداني لكل دولار، ولكن سرعان ما عاود الارتفاع عند مستوى  240و235 جنيه لكل دولار في التعاملات خلال الايام التالية.وفي النهاية، وبالرغم من وجود اسباب منطقية لانخفاض قيمة العملة المحلية للسودان مقابل الدولار، إلا ان السرعة التي هوت بها في وقت وجيز جدًا، تشير إلى وجود خلل هيكلي، فالمُقدمات المطروحة لا يمكن أن تؤدي إلى النتائج التي تم الوصول إليها بهذه السرعة إلا بوجود عامل محفّز، بمعنى أن هناك تعمّد من جهات أو أشخاص معينه للتلاعب في سعر الصرف، وتخريب الاقتصاد، وهو ما يعزز من وجهة نظر الحكومة الانتقالية بشأن وجود “مجموعات منظمة” تابعة لنظام “البشير”، تحاول إفشال حكومة “حمدوك”.

هايدي الشافعي
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية