هل سيكون ترامب الخيار الأسلم للأمريكيين؟

عضو الهيئة الاستشارية

بعد تصريحه المفاجئ، قبل أسابيع، انه لن يخسر الانتخابات “إلا إذا كانت مزورة”، أثار ترامب، الأسبوع الماضي، موجة غضب عارمة، عندما أشار إلى أنه قد لا يقبل بنتائج انتخابات 3 نوفمبر القادم إذا تعرض للهزيمة. ما يعني ان أمريكا مقبلة على واحدة من أشد انتخاباتها الرئاسية تعقيدا ليس فقط لطبيعة النظام الانتخابي الأمريكي الفريد من نوعه، ولا بسبب طبيعة المرشحين الانتخابيين – أحدهما متهور والأخر لا يمتلك الكاريزما التي يجب ان تتوفر في الرئيس الأمريكي، ولكن أيضا بسبب الظروف الداخلية الاستثنائية المحيطة بهذه الانتخابات، وبسبب التشكيك والرفض المسبق لنتائجها.  منذ فترة ولهجة ترامب لا تخلو من التشكيك في نزاهة الانتخابات،…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

بعد تصريحه المفاجئ، قبل أسابيع، انه لن يخسر الانتخابات “إلا إذا كانت مزورة”، أثار ترامب، الأسبوع الماضي، موجة غضب عارمة، عندما أشار إلى أنه قد لا يقبل بنتائج انتخابات 3 نوفمبر القادم إذا تعرض للهزيمة. ما يعني ان أمريكا مقبلة على واحدة من أشد انتخاباتها الرئاسية تعقيدا ليس فقط لطبيعة النظام الانتخابي الأمريكي الفريد من نوعه، ولا بسبب طبيعة المرشحين الانتخابيين – أحدهما متهور والأخر لا يمتلك الكاريزما التي يجب ان تتوفر في الرئيس الأمريكي، ولكن أيضا بسبب الظروف الداخلية الاستثنائية المحيطة بهذه الانتخابات، وبسبب التشكيك والرفض المسبق لنتائجها. 

منذ فترة ولهجة ترامب لا تخلو من التشكيك في نزاهة الانتخابات، خاصة وأن التدابير التي فرضتها الحالة الوبائية في أمريكا ستزيد من عمليات التصويت عبر البريد. المعروف أن الديموقراطيين سيصوتون عبر البريد أكثر من الجمهوريين، لهذا السبب يحاول ترامب التأثير في مستوى الثقة ونزاهة إدارة الانتخابات ويسعى الى اثارة الشكوك بشأن النتيجة. ويردد ترامب، في مناسبات مختلفة، أن الديموقراطيين سيستولون على عشرات الملايين من بطاقات الاقتراع المرسلة بالبريد لتزوير نتائج التصويت. وقد ذهب ابعد من ذلك عندما صرح قبل أيام أن “أوراق الاقتراع خارجة عن السيطرة”، معتبرا ان التخلص من هذه البطاقات سيجعل الامر سلميا جدا وبعدها لن يحصل انتقال للسلطة بل فقط مجرد “الاستمرارية”. 

لغة التشكيك والتهديد هي اللغة التي يتقنها ترامب جيدا. وقد سبق وهدد قيادات الحزب الجمهوري، بإقامة احتجاجات وتظاهرات في حال عدم ترشيحه لمنصب الرئيس أثناء الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في 2016. وشكك في قيادات الحزب الجمهوري التي لم تصوت لمصلحته. ورفض الالتزام بقبول نتائج الانتخابات ضد المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، قبل ان يتم إعلانه في النهاية فائزا، على الرغم من خسارته في التصويت الشعبي بمقدار ثلاثة ملايين صوت، وهي النتيجة التي لا يزال يتساءل عنها لليوم.

ترامب لا يسعى فقط للتشكيك المسبق في نتائج الانتخابات، لكن يعمل، أيضا، على تضليل المؤشرات التي تؤكد أنه إذا استمر الوضع كما هو عليه الآن من دون حصول مفاجئات اخر لحظة، التي يمكن ان تقلب موازين الأمور وتؤثر في الناخب الأمريكي القادر على تغيير رأيه بين عشية وضحاها، فإن منافسه جو بايدن، هو الأقرب لولوج البيت الأبيض. وكما سبق واشرت الى ذلك سابقا، أدى الاخفاق في السياسة الخارجية وتراجع دور ومكانة الولايات المتحدة عالميا لصالح منافسيها الاستراتيجيين (روسيا والصين)، بالإضافة الى اخفاق إدارة ترامب في معالجة العديد من الازمات ومنها أزمة ‏التظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها العديد من الولايات الأمريكية في أعقاب مقتل جورج فلويد، في مايو الماضي، وقبلها أزمة كوفيد-19 وما خلفته من ركود اقتصادي وارتفاع نسبة البطالة، كل ذلك أدى الى حسم نتائج الانتخابات منذ فترة. وهو الامر الذي يرفض ترامب الاعتراف به او الاستسلام له، مما يهدد باندلاع الفوضى وربما اعمال العنف بعد تاريخ 3 نوفمبر.

الحقيقة ان سجل الانتخابات الامريكية مليء بالضغوطات والتعقيدات. وقد شهدت امريكا في مراحل مختلفة، منافسة قوية وأعمال عنف وتشكيك في النتائج. في عام 1912 أصيب المرشح، تيدى روزفلت بطلق ناري في صدره بينما كان يلقى خطابا في ولاية ويسكونسن. وفي عام 1968 اغتيل روبرت كينيدي أحد أبرز المرشحين. وفي عام 2000 رفع الديموقراطي آل غور دعوى في المحكمة العليا للمطالبة بإعادة فرز الملايين من بطاقات الاقتراع “المخرمة” التي ثبت أنها تسببت بخطأ في الأصوات، وقضت المحكمة بعدم إعادة فرز الأصوات، ما أدى إلى فوز جورج بوش الابن. والى اليوم لا يزال هناك جدل تاريخي حول من فاز في الواقع في انتخابات عام 1876 هل المرشح الجمهوري روثفورد هايس أو الديمقراطي صامويل تيلدن.

في كل الانتخابات الرئاسية تقريبا استطاعت أمريكا أن تتجاوز الصعوبات والتحديات، وكان الأمر ينتهي، في كل مرة، بأن يعبر المرشح الخاسر عن خسارته التي تعني ضمنيا قبول النتيجة. لكن، في ظل تصريحات ترامب، يبدو ان الوضع لن يكون مماثلا في الانتخابات القادمة. سيكون الامر بصعوبة لم تعهدها امريكا من قبل، وربما ستدخل البلاد في منطقة رمادية إذا رفض ترامب، فعلا، قبول نتيجة الانتخابات وتسليم السلطة. 

نقطة الضوء ان تشكيك ترامب المتكرر وبشكل علني في نتائج الانتخابات سوف يزيد من إجراءات مراقبتها، ما يعني صعوبة القيام بتزوير او أي أمور يمكن ان تسيء للمشهد الديمقراطي الأمريكي. ومع ذلك سيبقى هناك تخوف اخر من نتائج التصويت في المجمع الانتخابي. إذا تمكن بايدن من الفوز بالتصويت الشعبي المباشر، وانتزع ترامب الفوز في المجمع الانتخابي، الذي سبق وحسم النتيجة في 2000 لصالح بوش الابن وفي 2016 لصالح ترامب، فإن تكرار ذات السيناريو، سيعرض أمريكا لموجة احتجاجات يقودها الديمقراطيون، هذه المرة، وربما تنزلق الأمور الى الفوضى والعنف. 

مع كل هذه السيناريوهات هل سيكون أسلم خيار للأمريكيين هو فوز ترامب؟!

الأهرام اليومي، الخميس ١ أكتوبر ٢٠٢٠.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب