وحدة الدراسات الأمريكية

٣٣ يوماً فاصلة: كيف نفهم تفاصيل المشهد الداخلي قبل المنازلة الكبرى بين ترامب وبايدن؟

ليس من قبيل المبالغة توصيف الانتخابات الأمريكية المزمع إجراؤها في الثالث من نوفمبر عام ٢٠٢٠، بأنها تمثل مرحلة مفصلية في السياسة العالمية. فالأسئلة التي تدور في ردهات وغرف دوائر صناع القرار في سائر دول العالم، تنصب على التأثير الذي يمكن أن تتركه إعادة انتخاب الرئيس الحالي “دونالد ترامب” لمدة أربع سنوات جديدة في البيت الأبيض، أكثر من الأسئلة التي تتعامل مع إمكانية فوز المرشح الديمقراطي نائب الرئيس السابق “جوزيف بايدن”، فهو من غير المتوقع أن يأتي بجديد عما فعله رئيسه السابق “باراك أوباما”؛ إلا أن السياسة العالمية والصراع بين الأقطاب الكبرى تمر بمرحلة تبدل وتغير لم تعد العين تخطئها، وهو…

أ. عـزت إبراهيم
رئيس وحدة دراسات الإعلام

ليس من قبيل المبالغة توصيف الانتخابات الأمريكية المزمع إجراؤها في الثالث من نوفمبر عام ٢٠٢٠، بأنها تمثل مرحلة مفصلية في السياسة العالمية. فالأسئلة التي تدور في ردهات وغرف دوائر صناع القرار في سائر دول العالم، تنصب على التأثير الذي يمكن أن تتركه إعادة انتخاب الرئيس الحالي “دونالد ترامب” لمدة أربع سنوات جديدة في البيت الأبيض، أكثر من الأسئلة التي تتعامل مع إمكانية فوز المرشح الديمقراطي نائب الرئيس السابق “جوزيف بايدن”، فهو من غير المتوقع أن يأتي بجديد عما فعله رئيسه السابق “باراك أوباما”؛ إلا أن السياسة العالمية والصراع بين الأقطاب الكبرى تمر بمرحلة تبدل وتغير لم تعد العين تخطئها، وهو مأزق كبير لحكم “بايدن” لو وصل إلى البيت الأبيض. فلم تعد قواعد الماضي القريب تنطبق تمامًا على السياسة الأمريكية في مستهل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. حتى الآن، يتقدم “جو بايدن” على “دونالد ترامب” في الاستطلاعات على المستوى القومي، لكن هذا لا يضمن فوز المرشح الديمقراطي. فقد حققت “هيلاري كلينتون” أيضًا تقدمًا واضحًا على “ترامب” في استطلاعات الرأي طوال حملة عام 2016 بأكملها تقريبًا، ثم انتهى بها الأمر بالخسارة في المجمع الانتخابي نظرًا لأن نظام التصويت الرئاسي يخصص لكل ولاية عددًا من أصوات الهيئة الانتخابية، والتي تذهب إلى المنتصر في الولاية بغض النظر عن هامش الفوز.

تحولات طارئة

قبل أزمة فيروس كورونا “كوفيد-١٩” لم تكن فرص “ترامب” في الفوز بفترة رئاسة ثانية يشوبها التهديد مثلما هو الحال اليوم، لكن الفيروس جاء ليضع قواعد جديدة للعبة في المشهد الانتخابي بعد أن تراجع الأداء الاقتصادي الذي طالما تباهى به الرئيس الأمريكي على مدى أكثر من ثلاث سنوات، ثم جاءت وفيات كورونا لتضيف إلى المشهد مزيدًا من التعقيد حتى وصل عدد ضحايا الفيروس في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أكثر من ٢٠٠ ألف شخص، ويتوقع أن يزيد الرقم إلى ٢٢٥ ألف شخص قبل يوم الانتخابات، وهي كارثة قومية بكل المقاييس، ولا يخفف من وطأتها سوى الوضع العالمي البائس الذي يسير إلى وفاة قرابة مليون شخص في الموجة الأولى من الفيروس. وتزامن مع تزايد وفيات كورونا تراجع في الأداء الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية في الشهور الستة الماضية، ثم جاءت الإضرابات العرقية وعنف الشرطة الأمريكية لتضيف مزيدًا من التوتر والانقسام على المشهد الداخلي بعد أن خرجت التظاهرات من السود ورافضي العنف الشرطي في عدد من الولايات، وفي مقابلها، خرجت تظاهرات أخرى من جماعات البيض الذين يؤيدون التعامل القاسي مع المتظاهرين ومع الخارجين على القانون، وهو جدل صاخب على مدى عقود؛ إلا أن سياسات “ترامب” ووقوفه في منطقة رمادية تخص السياسات العنصرية تضيف إلى الانقسام المجتمعي ومن ثم السياسي مزيدًا من الإثارة والغموض، ويرفع من سقف المنافسة التي لم تعد شبه محسومة لترامب مثلما كان الحال في مستهل العام الحالي.

ثم جاءت فوضى التصويت والاختلاف على كيفية التعامل مع بطاقات الاقتراع عبر البريد -التي يتشكك ترامب في قانونيتها- لتضيف إثارة أكبر بعد امتناع “ترامب” عن التأكيد على تسليم السلطة في حال خسارته، وقوله قبل أيام قليلة، إن الأمر قد يستغرق شهورًا لمعرفة الفائز في انتخابات الرئاسة، في إشارة إلى عدم رضائه عن طريقة التصويت عبر البريد، ورفضه سلطة حكام الولايات على عملية الفرز التي ربما سيشوبها التزوير والتلاعب في ولايات حاسمة يمكن أن تكلفه منصب الرئيس. القلق يساور الأمريكيين، ويخشون من صدام بين المعسكرين الديمقراطي والجمهوري حول شرعية الانتخابات، وهو ما استدعى العودة إلى كتب التاريخ واستخراج العبر والدروس منها بعد أن دبت الشكوك في أوصال النظام السياسي الأمريكي على نحو غير مسبوق. نشر موقع شبكة “سي إم بي سي” مقالًا عن قيمة العملية الديمقراطية الأمريكية في نظر العالم، واقتبست ما قاله “رونالد ريجان” قبل ٤٠ عامًا وهو يتسلم مقاليد السلطة من خصمه الرئيس “جيمي كارتر”، حيث قال في حفل التتويج: “بالنسبة إلى قلة منا تحضر هنا اليوم، هذه مناسبة جليلة، ومع ذلك فهي حدث مألوف في تاريخ أمتنا.. يحدث النقل المنظم للسلطة على النحو المطلوب في الدستور بشكل روتيني، كما حدث منذ ما يقرب من قرنين من الزمان، ويتوقف القليل منا للتفكير في مدى تميزنا حقًا. في نظر الكثيرين في العالم، هذا الحفل الذي يقام كل ٤ أعوام نقبله كشيء معتاد، إلا أنه في حقيقة الأمر ليس أقل من معجزة”.

تحليل المشهد الانتخابي

لا يمكن التعويل كثيرًا على استطلاعات الرأي التي لم تعد تحظى بالمتابعة نفسها التي كانت عليها قبل انتخابات ٢٠١٦، حيث كان فوز “دونالد ترامب” ضربة قاصمة لتلك الاستطلاعات التي فقدت الكثير من بريقها في الانتخابات الحالية، وأصبح المحللون مشغولين بجوانب أخرى لقياس الرأي العام وإجراء تقديرات أقرب إلى الواقع في المجمع الانتخابي في الولايات الحاسمة. المعروف أن الولايات المتحدة تتميز بنظام انتخابي خاص في إعلان الفائز بمنصب الرئيس، فهو يمر بمرحلة الانتخاب الشعبي المباشر من الناخبين في كل الولايات الخمسين، ثم تترجم الأصوات الانتخابية إلى كتل تصويتية فيما يسمى بالمجمع الانتخابي (يتم منح كل ولاية عددًا من الأصوات بناءً على عدد الأعضاء الذين ترسلهم الولاية إلى الكونجرس – مجموع نواب مجلس النواب ومجلس الشيوخ). ويبلغ إجمالي أصوات المجمع الانتخابي ٥٣٩ صوتًا، لذا يتعين على المرشح الوصول إلى ٢٧٠ صوتًا للفوز. وعادة يحصل الفائز بالتصويت الشعبي في الولاية على كل أصوات ممثليها في المجمع الانتخابي، وصاحب الأكثرية في المجمع الانتخابي يتم إعلانه رئيسًا. ويمكن أن يفوز مرشح بأغلبية الأصوات على المستوى الجماهيري في كل الولايات (الأصوات الشعبية)، ولكنه يخسر بسبب المجمع الانتخابي، وهو ما حدث مع المرشحة الديمقراطية “هيلاري كلينتون” في عام ٢٠١٦ حيث فازت بفارق ٣ ملايين صوت في مجموع الأصوات على المستوى العام، ولكنها خسرت غالبية أصوات المجمع الانتخابي بسبب فوز “ترامب” بفارق ضئيل في ولايات كانت تمنح الديمقراطيين تفوقًا في الماضي، فيما كسب المرشح الجمهوري كل الولايات التي تؤيد أو تميل للجمهوريين.

تتركز ساحة المعركة في الانتخابات المقبلة بالأساس في ثلاث ولايات كبري، هي: ميتشيجان، ويسكنسون، وبنسلفانيا، وهي كانت تصوت للديمقراطيين في السابق، وخسرتها “هيلاري كلينتون” في عام ٢٠١٦، وحتى يفوز “بايدن” في نوفمبر لا بد أن يحسم الولايات الثلاث لصالحه حتى يعدل كفة المجمع الانتخابي ويفوز بالأصوات الشعبية والمندوبين معًا. ولكن ما سبق لا يعني عدم وجود ولايات متأرجحة أخرى في السباق الانتخابي، فيمكن أن تمتد مواجهة ولايات الحسم إلى ٩ ولايات. وسواء أحبها الأمريكيون أو كرهوها، فإن الهيئة الانتخابية (المجمع) هي البوابة الدوارة إلى البيت الأبيض، وهذا يعني أن حفنة من الولايات ستبتلع معظم الاهتمام في يوم الانتخابات، وإذا لزم الأمر، في الأيام التالية حيث يتم فرز بطاقات الاقتراع، ويمكن توضيح ملامح المشهد الانتخابي الحالي بالاستناد لعدد من المؤشرات، كالتالي:

١- نتائج استطلاعات الرأي: في الوقت الحالي، تبدو استطلاعات الرأي في ولايات المواجهة الكبرى جيدة بالنسبة لبايدن، ولكنّ هناك طريقًا طويلًا لا بد أن يقطعه حتى ٣ نوفمبر، حيث يمكن أن تتغير الأمور بسرعة كبيرة، خاصة عندما يقوم “ترامب” باستهداف الناخبين في تلك الولايات. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن “بايدن” يتقدم في ميتشيجان وبنسلفانيا وويسكونسن -ثلاث ولايات صناعية- التي فاز منافسه الجمهوري بهامش أقل فيها من 1٪ ليحقق النصر في 2016. وتمثل ثلاث ولايات أخرى قلقًا لحملة “ترامب”، وهي: أيوا، وأوهايو، وتكساس، التي تفوق فيها بنسب تتراوح ما بين 8-10٪ في عام ٢٠١٦، لكن هامش تفوق المرشح الجمهوري يبدو أقل بكثير في الولايات الثلاث في الوقت الحالي.

٢- التعامل الحذر مع نتائج استطلاعات الرأي: وهو أحد دروس حملات ٢٠١٦، ويتم التعامل معه اليوم من جانب شركات استطلاعات الرأي التي كانت تعاني من مشكلة مصداقية قبل أربعة أعوام، ولا سيما الفشل في تمثيل عينة الناخبين بشكل صحيح، خاصة بين فئة غير الحاصلين على شهادات جامعية، مما يعني أن ميزة “ترامب” في بعض الولايات الرئيسية التي كانت تمثل ساحة المعركة لم يتم رصدها إلا في وقت متأخر من السباق. وتشير تقارير إلى قيام معظم شركات الاستطلاع بتصحيح الخطأ الكبير الآن.

٣- تزايد الإقبال على التصويت: يتوقع أن يكون الإقبال تاريخيًّا على التصويت في ظل ضغوط متصاعدة من الجانبين من أجل البدء في فرز البطاقات القادمة بالبريد سريعًا. وهي أحد مصادر التوتر في الثالث من نوفمبر، حيث ستكون الأعين مركزة على الولايات الحاسمة. وتشير الأنباء إلى أن ولايتي فلوريدا وأريزونا، على سبيل المثال، ستبدأان في فرز الأصوات عبر البريد قبل يوم الانتخابات بفترة طويلة، بينما لا يمكن أن تبدأ ولاية بنسلفانيا وميتشيجان في العد حتى يوم الانتخابات.

٤- رسائل موجّهة وكتل تصويت متباينة: يسعى “بايدن” إلى الفوز بأصوات النساء والطبقة الوسطى المتعلمة والملونين، سواء من أصحاب البشرة السمراء أو المواطنين من أصول إسبانية والأقليات العربية والمسلمة. فيما يغازل “ترامب” في حملته الطبقة الوسطى غير المتعلمة تعليمًا مرموقًا والبيض البروتستانت “المتدينين”، وهم القاعدة الانتخابية الأوسع بالنسبة له، سواء في ولايات الغرب الأوسط أو الجنوب وفي الضواحي والمدن الصغيرة. 

مع ملاحظة أن كسب أصوات كثيرة في ولايات “محسومة” لأي من المرشحين قبل يوم التصويت لا يصب في مصلحة المرشح، فلو فاز “بايدن” بأصوات أكثر في ولاية مثل كاليفورنيا (ديمقراطية) لا يعني شيئًا في المجمع الانتخابي، بينما فارق أصوات قليلة في ولايات متأرجحة أو حاسمة يحدث فارقًا كبيرًا.

٥- قضايا محورية: تتصدر حالة الاقتصاد ومؤشرات البطالة والحمائية التجارية في مواجهة منافس شرس مثل الصين قضايا الانتخابات، والعنصرية وحقوق الأقليات، تليها قضايا أقل إلحاحًا للناخب الأمريكي، وعلى رأسها: قضايا السياسة الخارجية مثل العلاقة مع حلف شمال الأطلنطي، والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، والعلاقة مع روسيا.

٦- جائحة كورونا: هناك حالة هذا العام من عدم اليقين أكثر من المعتاد بسبب جائحة فيروس كورونا وتأثيرها على كل من الاقتصاد وكيف سيصوت الناس في نوفمبر، لذا يجب قراءة جميع استطلاعات الرأي ببعض الشكوك والتدقيق، أو عدم التعويل الكامل عليها أو على محطات التلفزيون التي تروج لبايدن دون الحديث عن مشاكل حملته، ومنها حالته الصحية ومصداقية برنامجه الانتخابي.

في ظل الصورة الحالية، يبقى السؤال الأكثر إزعاجًا لقطاع عريض من الناخبين الأمريكيين هو مدى إمكانية إثارة “دونالد ترامب” للقلاقل بعدم اعترافه بالنتيجة في حال خسارته الانتخابات، وتشكيكه في النتائج، وهي التصريحات التي يطلقها بشكل مستمر في الأسابيع الأخيرة، ويُضيف إليها مساعدوه والمتحدثون باسمه غموضًا أكثر،؛ إلا أن الموقف الحازم لزعماء مجلس الشيوخ ومجلس النواب الجمهوريين من تصريحات “ترامب”، وتأكيد القادة العسكريين أنه لن يكون من واجب جنودهم الفصل في صحة الانتخابات؛ يشير إلى أن الدستور الأمريكي هو الحكم. فإذا لم يصادق الكونجرس على فائز بحلول الوقت الذي تنتهي فيه ولاية “ترامب” في 20 يناير المقبل، فستتولى رئيسة مجلس النواب “نانسي بيلوسي” منصب الرئيس.

أ. عـزت إبراهيم
رئيس وحدة دراسات الإعلام