لبنان وأعباء الإصلاح الغائب

عضو الهيئة الاستشارية

لم يخطئ الرئيس عون بكلماته العفوية ردا على سؤال صحفى بأن لبنان يتجه إلى الجحيم، كتعبير مجازى عن سوء الأوضاع المتزايد، وكنتيجة حتمية لغياب الإرادة السياسية للقوى اللبنانية للشروع فى عمليات اصلاحية شاملة يحتاجها لبنان بشدة. وهو جحيم سياسى يتحمل وزره الجميع بلا استثناء، ونتائجه المؤكدة تصب فى مزيد من التدهور الاقتصادى، وفقدان الثقة الدولية تماما فى الرموز السياسية اللبنانية المسيطرة على القرار، وتدهور أوضاع المواطن اللبنانى التى وصلت أحواله الى القاع، ولم يعد لديه أمل فى إصلاحات تعينه على مواصلة الحياة بقدر من الكرامة.  لقد جاء اعتذار رئيس الحكومة المكلف مصطفى أديب عن تشكيل الحكومة ليرسخ التقييم المعروف بأن…

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

لم يخطئ الرئيس عون بكلماته العفوية ردا على سؤال صحفى بأن لبنان يتجه إلى الجحيم، كتعبير مجازى عن سوء الأوضاع المتزايد، وكنتيجة حتمية لغياب الإرادة السياسية للقوى اللبنانية للشروع فى عمليات اصلاحية شاملة يحتاجها لبنان بشدة. وهو جحيم سياسى يتحمل وزره الجميع بلا استثناء، ونتائجه المؤكدة تصب فى مزيد من التدهور الاقتصادى، وفقدان الثقة الدولية تماما فى الرموز السياسية اللبنانية المسيطرة على القرار، وتدهور أوضاع المواطن اللبنانى التى وصلت أحواله الى القاع، ولم يعد لديه أمل فى إصلاحات تعينه على مواصلة الحياة بقدر من الكرامة. 

لقد جاء اعتذار رئيس الحكومة المكلف مصطفى أديب عن تشكيل الحكومة ليرسخ التقييم المعروف بأن أزمة السياسة اللبنانية تتعلق بتجذر الطائفية السياسية فى بنية الفكر والسلوك السياسى لكل القوى بما فيها من يطالبون بمدنية الدولة والتحرر من القيود الطائفية، ولكنهم عمليا متمسكون بما يعتبرونه حقا للطائفة التى يمثلونها فى الحصول على مزايا معينة فى الوظائف القيادية فى الجهاز الإدارى، بداية من تحديد الأشخاص ونهاية بعدم مساسهم مهما كان أدائهم ضعيفا أو متورطا فى فساد ظاهر لا تخطؤه العيون. وهى إشكالية ثبت من قبل وتأكد بوضوح كامل مع اعتذار مصطفى أديب أن لا أحد فى لبنان يريد أن يساعد فى حلها جذريا، أو فتح ثغرات ولو بسيطة تسمح بعد زمن معقول فى إصلاح سياسى يعيد للبنان دوره التاريخى كنموذج للديمقراطية التوافقية والحريات العامة.  

جوهر الخلاف المعلن والذى يفسر اعتذار أديب  يتعلق بإصرار كل من حزب الله وحركة أمل الشيعيتين بتسمية الوزراء الشيعة وتخصيص وزارة المالية للشيعة. وهو خلاف يجسد صراعا سياسيا حول مستقبل لبنان ككل ومدى تحرره من الطائفية السياسية. معروف أن الخطة الفرنسية تتضمن عدة مبادئ تبدأ بالتوافق على إجراء إصلاحات هيكلية متدرجة، وتشكيل حكومة اختصاصيين من غير السياسيين تكون بمثابة خطوة أولى فى هذه الإصلاحات المطلوبة، ومن بينها إجراء مفاوضات مع صندوق النقد الدولى، وتنفيذ مناقصات لبناء محطات كهرباء باعتباره القطاع الأكثر تدهورا والأكثر إلحاحا لإستعادة حياة طبيعية للبنانيين، فضلا عن إجراءات حاسمة وشفافة لمحاربة الفساد المستشرى فى البلاد، والذى تتعلل به المؤسسات الدولية بعدم مساعدة لبنان. ومعروف أيضا أن كل القوى السياسية قبلت الخطة علنا، بيد أن تجربة تشكيل الحكومة برئاسة المكلف مصطفى أديب أثبتت أن هذا القبول لم يكن سوى مجاملة سياسية للرئيس الفرنسى لا أكثر، وأن القوى السياسية ليست فى وارد التخلى عن ما تعتبره حقوقها فى تسمية وزرائها، وفى الحصول على وزارات بعينها، وفى تثبيت ما يصفونه بالأعراف السياسية وهو تعبير يعنى استمرار الأوضاع على ما هى عليه.

رفض مطالب مصطفى أديب بعدم تسييس تشكيل الحكومة ورفض قبول مبدأ المداورة بين القوى السياسية فى تعيينات القيادات العليا لكل الوزارات هو فى الجوهر رسالة من قبل القوى التى تصف نفسها بالمحور المقاوم، والذى يعد بشكل أو بأخر امتدادا للنفوذ الإيرانى، إلى فرنسا بأن تدخلها فى الشأن السياسى اللبنانى غير مقبول، وأن أى مسعى لتقييد النفوذ لقوى سياسية بعينها لن يفلح. وهو ما يمكن استنتاجه من إعلان رئيس البرلمان نبيه برى، أحد أهم أقطاب الطائفة الشيعية سياسيا، بأنه مع مضمون المبادرة الفرنسية لتطبيق الاصلاحات، وفى الآن نفسه التمسك بالأعراف السياسية والدستورية عند تشكيل الحكومة، والتى تعنى عمليا إبقاء التقاسم الطائفى فى الوظائف وفى الوزارات على حاله، وفى استمرار القوى السياسية الممثلة فى البرلمان فى تحديد حصتها من الوزراء ومن الوظائف العليا متجاوزة بذلك حق الرئيس المكلف بإختيار الأشخاص الذين يراهم أكفاء وقادرين على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وهو ما أكد عليه ايضا النائب طلال أرسلان رئيس “الحزب الديمقراطى” والممثل لفريق من الطائفة الدرزية، معتبرا أن أديب هو سبب المشكلة لأنه أراد تجاوز الأعراف المعمول بها. 

ويذكر هنا أن الرئيس عون نفسه والذى طالب قبل فترة وجيزة بأن يتحول لبنان الى نموذج مدنى غير طائفى فى تقاسم السلطة، وحين رأى إصرار حزب الله وحركة أمل على تسمية الوزراء الشيعة، طالب هو نفسه نيابة عن التيار الوطنى الحر برئاسه صهره جبران باسيل، بأن يحدد الوزراء المحسوبين على حصة الرئيس والطائفة المارونية. التمسك بالأعراف على هذا النحو سيظل عقبة كؤد أمام أى مرشح آخر لتشكيل الحكومة المنتظرة،  والنتيجة المؤكدة أن الفراع الحكومى سيظل مستمرا لفترة أخرى غير محددة المعالم، يصاحبه توقف تام للأنشطة الإقتصادية ومزيد من المعاناة للمواطنيين اللبنانيين، وهى عوامل دافعة للتمرد الشعبى وزيادة الفجوة بين المواطنين والساسة الذين يعتبرهم السبب الوحيد لأزماتهم التى لا تنتهى.

إفشال الخطة الفرنسية عمدا يتضمن بدوره رسالة أخرى تتعلق بالواقع الإقليمى، والذى تضغط تطوراته على لبنان بقوة، سواء ما يجرى فى سوريا أو فى نشوء علاقات تطبيع بين إسرائيل ودول خليجية كانت تعتبر الداعم الأكبر للبنان سابقا. فضلا عن الضغوط الأمريكية الهادفة إقناع لبنان بالتوصل إلى اتفاقات تتعلق بالحدود البحرية مع إسرائيل، والعقوبات الأمريكية المتتالية على مسئولين تابعين لحزب الله اللبنانى، وعدم وضوح الرؤية بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه لبنان سواء فاز الرئيس ترامب أو هُزم لصالح المرشح بايدن الديمقراطى. وهكذا فإفشال الخطة الفرنسية يعنى أن استقرار الوضع اللبنانى يتعلق أيضا بحالة الصراع بين إيران والولايات المتحدة، وما دامت الأخيرة تلتزم سياسة الضغوط القصوى على إيران وامتداداتها الإقليمية، فلن يتراجع التيار الشيعى خاصة حزب الله عن تجميد الوضع فى لبنان كجزء من دعم إيران فى مواجهة الولايات المتحدة وعقوباتها التى لا تتوقف، فضلا عن عدم السماح بتمرير أية اتفاقات بحرية بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل.

فك العلاقة بين تطورات سوريا وايران والولايات المتحدة من جانب، وما يجرى فى لبنان من جانب آخر هو شرط أساسى ولكنه صعب لتمرير الإصلاحات الهيكلية سياسيا واقتصاديا. وما دام الإقليم ككل غارق فى البحث عن حلول لأزماته الذاتية، سيظل الوضع اللبنانى معلقا فى الهواء، وسيظل حديث الإصلاح مجرد أمنيات لا يدعمها أى سند واقعي. 

نقلا عن جريدة الأهرام – الإثنين 28 سبتمبر 2020

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب