وحدة الدراسات الاقتصادية

مؤشرات مختلطة: كيف أثر فيروس كورونا على التجارة الخارجية المصرية

بدأ انتشار فيروس كورونا المُستجد داخل مدينة ووهان الصينية في أواخر ديسمبر 2019، ثم انتقل الفيروس إلى أغلبية دول العالم، وأصاب أكثر من 24 مليون فرد حول العالم وأودى بحياة 831 ألف شخص على مستوى العالم حتى كتابة هذا المقال. وقد أدى انتشار الفيروس إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وإعاقة حركة التبادل التجاري بين الدول، وذلك بسبب الإجراءات والقرارات الاستثنائية التي اتخذتها حكومات الدول لمنع تفشي الوباء، ومن أبرزها: حظر تجوال الأفراد، وكذلك إيقاف حركة الطيران الدولي. ونتيجة لما سبق، تأثرت حركة التجارة الدولية بشكل عام، وهو ما انعكس بدوره على حركة التجارة الخارجية المصرية، ويتناول هذا التحليل أداء التجارة الخارجية…

سارة ناصح
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

بدأ انتشار فيروس كورونا المُستجد داخل مدينة ووهان الصينية في أواخر ديسمبر 2019، ثم انتقل الفيروس إلى أغلبية دول العالم، وأصاب أكثر من 24 مليون فرد حول العالم وأودى بحياة 831 ألف شخص على مستوى العالم حتى كتابة هذا المقال. وقد أدى انتشار الفيروس إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وإعاقة حركة التبادل التجاري بين الدول، وذلك بسبب الإجراءات والقرارات الاستثنائية التي اتخذتها حكومات الدول لمنع تفشي الوباء، ومن أبرزها: حظر تجوال الأفراد، وكذلك إيقاف حركة الطيران الدولي. ونتيجة لما سبق، تأثرت حركة التجارة الدولية بشكل عام، وهو ما انعكس بدوره على حركة التجارة الخارجية المصرية، ويتناول هذا التحليل أداء التجارة الخارجية المصرية خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2020 ويقارنه بأداء عام 2019 لمعرفة الأثر الحقيقي للجائحة على هذا القطاع الحيوي، وفقًا لثلاثة مؤشرات رئيسية، تشمل: الصادرات، والواردات، وعجز الميزان التجاري.

اتجاهات متباينة للصادرات 

تأثرت قيم الصادرات المصرية بشكل غير منتظم خلال أزمة كورونا، فبالنظر لبداية انتشار كورونا عالميًا وقبل اكتشاف حالات إيجابية في مصر، أي خلال الفترة من يناير إلى فبراير 2020، حيث ارتفعت قيمة الصادرات في يناير 2020 لتصل إلى 2482 مليون دولار أمريكي مقارنة بـ2448 في الشهر نفسه من العام السابق، وذلك بنسبة ارتفاع بلغت 1.3%، واستمرت قيمة الصادرات في الزيادة خلال فبراير 2020؛ حيث بلغت قيمتها 2694 مليون دولار أمريكي مقارنة بـ 2609 ملايين دولار أمريكي في الشهر نفسه عام 2019 بنسبة ارتفاع وصلت إلى 3.25%.

وبالتالي، كانت الصادرات المصرية في طريقها إلى تحقيق المزيد من الارتفاع وتحقيق معدلات نمو مرتفعة، لكن بدأ الفيروس في الانتشار بمصر، مما أدى إلى انخفاض قيمة الصادرات في مارس 2020 لتصل إلى 2238 مليون دولار أمريكي بنسبة انخفاض قدرها 16.92 % عن الشهر السابق للانتشار، وبنسبة انخفاض بلغت 18% إذا ما قُورنت بالشهر نفسه عام 2019.

وإجمالًا أدت جائحة كورونا إلى انخفاض الصادرات بنسبة 4.7% خلال الربع الأول من 2020 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ومع تزايد الأعداد المصابة بالفيروس في مصر شهدت الصادرات المزيد من الانخفاض لتصل قيمتها إلى 1.572 مليون دولار أمريكي في مايو الماضي مقارنة بـ2727 مليون دولار أمريكي في الشهر نفسه عام 2019، بنسبة انخفاض بلغت 42%، وذلك وفقًا لبيانات نشرة التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

شكل رقم (1): الصادرات المصرية خلال الأشهر الخمسة الأولى لعام 2019 و2020

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، نشرة بيانات التجارة الخارجية. 

ويُمكن إرجاع جزء من هذا الانخفاض إلى توجيه جزء كبير من إنتاجية المصانع لتلبية احتياجات السوق المحلية بدلًا من تصديرها، فضلًا عن قرار وزارة التجارة والصناعة الخاص بمنع تصدير عدد من المنتجات مثل البقوليات وبالأخص الفول والعدس، وكذلك المستلزمات الطبية من ماسكات وملابس وقائية، بالإضافة إلى ما حدث عقب انتشار الجائحة من إغلاق الحدود، والحد من التنقلات بشكل عام بين الدول.

وفي محاولة منها لإحتواء تداعيات انتشار فيروس كورونا المستجد وانعكاساتها، التي ألقت بظلالها على الاقتصاد بشكل عام، وحجم الصادرات بشكل خاص، قامت الحكومة المصرية بالعديد من الجهود لمساندة قطاع التصدير؛ حيث خاطبت وزارة التجارة والصناعة كلًا من المجالس التصديرية والهيئات المعنية بقطاع التجارة الخارجية لبدء وضع محاور استراتيجية جديدة لرفع قيمة الصادرات المصرية السنوية إلى نحو 100 مليار دولار أمريكي، بما يتوافق مع خطة الدولة للقطاع التصديري. وتتضمن الاستراتيجية إعادة هيكلة لبعض الهيئات مثل جهاز التمثيل التجاري ونقطة التجارة الخارجية، وذلك لفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، واقتناص الفرص المتاحة، وتحديد الأسواق التي سيتم التركيز عليها والمنتجات التي تحتاجها، مع الربط بصورة مباشرة بين المصدرين في القطاعات المعنية والموردين في تلك الأسواق، كما تم التنسيق مع وزارة التجارة والصناعة لسرعة الانتهاء من صرف الدفعة الأولى من مستحقات المساندة التصديرية للشركات المصدرة التي وقعت بروتوكولات تسوية مع وزارتي المالية والتجارة والصناعة تحت مبادرة الاستثمار دون التقيد بشرط تقديم شهادة بالموقف الضريبي لمستحقات من المأمورية التابع لها.

ويجري حاليًا صياغة برنامج جديد للمساندة التصديرية وذلك بدعم وتوجيه من رئيس مجلس الوزراء بالتنسيق والتعاون مع كافة القطاعات التصديرية المستفيدة، وذلك بهدف الوصول إلى برنامج أكثر فاعلية من البرنامج الذي تم إقراره العام الماضي والذي واجه العديد من التحديات في عملية التطبيق. وفي حالة حدوث توافق على البرنامج الجديد فسوف يسهم في تحقيق أهداف الحكومة لزيادة معدلات التصدير، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف طبيعة نشاط كل قطاع تصديري، الأمر الذي ينعكس على زيادة القدرة التنافسية للمنتج المصري في الأسواق الخارجية مع فتح أسواق جديدة.

تراجع الواردات وبداية الاعتماد على المنتج المحلي

اتخذت مصر مع معظم حكومات العالم قرارًا بوقف الطيران الدولي، وذلك لمنع زيادة أعداد المصابين بالفيروس، وفي هذا السياق تأثرت الواردات المصرية بصورة مباشرة بانتشار كورونا؛ حيث أدت تلك الجائحة إلى انخفاض الواردات منذ بداية الأزمة في يناير 2020 وحتى الآن. وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن قيمة الواردات بلغت 5316 مليون دولار أمريكي في يناير2020 مقارنة بنحو 6517 مليون دولار أمريكي في الشهر نفسه عام 2019، أي إنها انخفضت بنسبة 18.42%.

وبعد مرور خمسة أشهر على انتشار كورونا تشير أحدث بيانات لنشرة التجارة الخارجية الصادرة عن جهاز التعبئة والإحصاء إلى استمرار انخفاض الواردات حيث وصلت إلى 4158 مليون دولار أمريكي في مايو 2020 مقارنة بـ6779 في الشهر نفسه من العام السابق بنسبة انخفاض تُقدر بنحو 38.66%. وبمقارنة قيم الواردات في بداية انتشار الجائحة في يناير 2020 بأحدث البيانات المتاحة عن شهر مايو الماضي نجد أن كورونا خفضت الواردات بنسبة 21.7%.

شكل رقم (2): الواردات المصرية خلال الأشهر الخمسة الأولى من عامي 2019 و2020

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، نشرة بيانات التجارة الخارجية.

ويُمكن إرجاع جزء من هذا الانخفاض إلى الاعتماد على المنتجات الوطنية في تلبية احتياجات السوق المحلي، ويعتبر هذا مؤشرًا على نجاح جهود وزارة التجارة والصناعة في تنفيذ استراتيجية إحلال المنتجات المصرية محل مثيلتها المستوردة، وهو ما يُثبت امتلاك القطاع الصناعي المقومات والإمكانيات لاستغلال الفرصة الحالية لزيادة معدلات الإنتاج وتوفير احتياجات السوق. وأصدرت الحكومة قانون “تفضيل المنتج المحلى في العقود الحكومية” والذي تضمن حصول الصناعة المصرية على حصة عادلة من المشتريات الحكومية، وسيكون لذلك أثر إيجابي؛ حيث إن انخفاض فاتورة الواردات يؤدي للحفاظ على الاحتياطي الأجنبي، وهو ما يعزز قوة الاقتصاد المحلي ويجعله قادرًا على الصمود أمام أزمة كورونا.

تراجع عجز الميزان التجاري 

أدت أزمة كورونا إلى تراجع عجز الميزان التجاري بصفة عامة منذ بداية عام 2020 حتى الآن مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع عجز الميزان التجاري في بداية الأزمة في يناير 2020 ليصل إلى (2834) مليون دولار أمريكي مقارنة بنحو (4069) مليون دولار أمريكي في الشهر نفسه في العام السابق، وذلك بنسبة تراجع بلغت 30.35%.

واستمر تراجع هذا العجز حتى مايو 2020 حيث بلغ (2586) مليون دولار أمريكي مقارنة بنحو (4052) مليون دولار أمريكي في الشهر نفسه عام 2019، أي بنسبة انخفاض بلغت 36.17%، وعلى مدار الأشهر الخمسة (يناير – مايو 2020) أي منذ بداية الأزمة وحتى آخر بيانات متاحة من قبل التعبئة والإحصاء يُمكن القول إن الجائحة أثرت بصورة إيجابية على أداء الميزان التجاري المصري؛ حيث خفضت العجز من (2834) مليون دولار أمريكي في يناير 2020 إلى (2586) مليون دولار أمريكي في مايو الماضي بنسبة تراجع بلغت 8.75%

شكل رقم (3): أداء الميزان التجاري خلال الأشهر الخمسة الأولى لعام 2019 و2020

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، نشرة بيانات التجارة الخارجية.

0ختامًا، يعتبر انخفاض عجز الميزان التجاري مؤشرًا إيجابيًا جديدًا يؤكد قدرة الاقتصاد المصري على تحويل المحنة إلى منحة. ومن المتوقع أن يكون لهذا التراجع تأثير إيجابي على الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي بسبب انخفاض فاتورة الواردات. لذا يجب تقديم الدعم اللازم لقطاع الإنتاج المحلي حتى يقوم بتوفير احتياجات السوق المحلي والتصدير للأسواق الخارجية وخاصة السوق الإفريقي؛ حيث يُمثل أحد أهم الأسواق الواعدة للصادرات المصرية. ويتمتع المنتج المصري بقابلية ورواج كبير في هذه السوق، وفي ظل شبكة اتفاقيات التجارة الحرة والتفضيلية التى تربط مصر بدول القارة، إلى جانب دعم الحكومة نسبة من تكلفة الشحن لأسواق القارة الإفريقية، وكذلك توفير الدعم للنفقات المرتبطة بالعملية التصديرية.

سارة ناصح
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة