أسباب استقالة السراج ومألات التسوية

عضو الهيئة الاستشارية

في الوقت الذي أعلن فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي ورئيس حكومة الوفاق، عن رغبته في تسليم السلطة نهاية شهر أكتوبر المقبل، أعلنت تركيا عن “الاقتراب” من الاتفاق بينها وبين روسيا على وقف لإطلاق النار في ليبيا. والإعلانان يصادفان استئناف المحادثات بين فصائل في الشرق والغرب في بوزنيقة المغربية ومونترو السويسرية، حيث توصل الفرقاء إلى نتيجة مفادها أن تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية أمر ملح، مع تشكيل حكومة وحدة وطنية تراعي وحدة ليبيا وسيادتها. على الرغم من اعلان استقالة السراج لم تكن مفاجأة، لكنها، ربما، ستزيد من حالة عدم اليقين السياسي في طرابلس أو حتى الاقتتال الداخلي بين الفصائل المتنافسة في التحالف…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

في الوقت الذي أعلن فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي ورئيس حكومة الوفاق، عن رغبته في تسليم السلطة نهاية شهر أكتوبر المقبل، أعلنت تركيا عن “الاقتراب” من الاتفاق بينها وبين روسيا على وقف لإطلاق النار في ليبيا. والإعلانان يصادفان استئناف المحادثات بين فصائل في الشرق والغرب في بوزنيقة المغربية ومونترو السويسرية، حيث توصل الفرقاء إلى نتيجة مفادها أن تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية أمر ملح، مع تشكيل حكومة وحدة وطنية تراعي وحدة ليبيا وسيادتها.

على الرغم من اعلان استقالة السراج لم تكن مفاجأة، لكنها، ربما، ستزيد من حالة عدم اليقين السياسي في طرابلس أو حتى الاقتتال الداخلي بين الفصائل المتنافسة في التحالف الذي يهيمن على غرب ليبيا. اما أسبابها الحقيقية فتبقى غير واضحة، وتحتمل أكثر من تفسير. من ناحية، هناك من يرى ان هذه الاستقالة ربما تكون مناورة تهدف إلى ممارسة بعض الضغط على المجتمع الدولي، وخاصة على الولايات المتحدة وفرنسا وحلفائهما حتى يشاركوا بشكل أكبر في حل القضية الليبية. لكن هذا التفسير بعيد عن الواقع، صحيح كان الحضور الأمريكي في الملف الليبي باهتا، لكنه عاد للبروز من جديد، وواشنطن تلعب الآن دورا في ليبيا أكبر من ذي قبل وتسعى بشكل حثيث على تثبيت وقف إطلاق النار. أما فرنسا التي فقدت قبضتها على ليبيا فهي تحاول استعادة دورها خاصة بعدما دخلت تركيا على الخط.

تفسير آخر يقول ان استقالة السراج تأتي كاستجابة للمظاهرات الغاضبة في طرابلس بسبب الإخفاقات المتتالية لحكومته، أهمها عدم القدرة على تخفيف المصاعب اليومية لليبيين وإيجاد حل للأزمة الاقتصادية مما أدى الى تدهور الأوضاع المعيشية، بما في ذلك انقطاع التيار الكهربائي الطويل والأزمة المصرفية الخطيرة، مما ادى الى اندلاع احتجاجات اجتماعية غير مسبوقة في عدة مدن ضد الظروف المعيشية والفساد. 

اعلان الاستقالة ربما يكون مرتبطا بالخلافات الداخلية التي أصبح السراج يجد نفسه معها ضعيفا في منطقة نفوذه، في غرب البلاد. لا تملك حكومة الوفاق جهاز شرطة ولا جيش نظامي، وقد استعانت مرة بالميليشيات والجماعات المسلحة القوية في طرابلس، والتي انتهى بها الأمر إلى الاندماج في المؤسسات واجهزة السلطة، واستعانت مرة اخرى بالمقاتلين السوريين الذين ارسلتهم تركيا، مما خلق توترات متزايدة بين المليشيات المختلفة وأضعف من نفوذ السراج. أيضا، اضعفت الانقسامات داخل الحكومة، من نفوذ السراج، لاسيما خلافه مع وزير الداخلية فتحي باشاغا، الذي تمت اقالته من منصبه ثم اعادته بعد ضغوط من الأمم المتحدة وتركيا وأطراف أجنبية أخرى، وذلك بسبب الخوف من تمرد الميليشيات الموالية له في مصراته. 

ولأن لا شيء يحدث في ليبيا دون قرار خارجي، فمن غير المستبعد أن يكون السراج قد استقال بسبب ضغوط خارجية تبحث عن تسوية سياسية بين الاخوة الليبيين وتشترط مغادرة وجوه معينة من داخل المعسكرين المتصارعين قبل الاتفاق على أي حل سياسي للأزمة. وربما تكون استقالته جاءت بناء على رغبة تركيا نفسها، التي أصبحت أحد الأطراف الرئيسية في الصراع الليبي، رغم ما اظهره اردوغان من انزعاج مزعوم بسبب هذا الاعلان. ربما استقال السراج لأن تركيا قررت ذلك؛ في ظل ما يشهده الملف الليبي من تغيرات نحو التسوية السياسية؛ ومن المرجح أن مكانه سيذهب لمن يقرره المحور التركي-المصراتي. 

في هذا السياق، يظهر فتحي باشاغا، كمرشح لتولى منصب رئيس الحكومة، وهو لم يخف طموحاته في اخذ مكان السراج. ويوصف بأنه واحد من رعايا انقرة في ليبيا. في أواخر أغسطس المنصرم، وفي طريق عودته من زيارته لتركيا، استقبله حوالي 300 من رجال الميليشيات في مطار طرابلس، كأحد مظاهر استعراض القوة. برز، أيضا، اسم أحمد معيتيق، نائب رئيس حكومة الوفاق، الذي فاجأ الليبيين بإعلانه عن استئناف إنتاج النفط، وتشكيل لجنة جديدة لضمان التوزيع العادل للإيرادات. هذه اللجنة ستتولى التنسيق بين حكومة الوفاق الوطني وبين قوات خليفة حفتر، لإعداد ميزانية، وتحويل الأموال لتغطية المدفوعات، والتعامل مع الدين العام، وهي نفس الشروط تقريبا التي تحدث عنها خليفة حفتر، الجمعة الماضي، كشروط لرفع الحصار على المواقع النفطية التي تشرف عليها قواته. 

وسواء باشاغا أو معيتيق، اللذان لا يتمتعان بأي شعبية، مثلهما مثل كل أعضاء المجلس الرئاسي، يبقيان غير مقبولين اجتماعيا، لكن سيعتمدان على القوة المسلحة التي تنوب عنهما أثناء إبرام أي اتفاق سياسي، والتي تمثل في هذه الحالة مدينة مصراته.

كل الأوراق مبعثرة في ليبيا، وكل الاحتمالات والسيناريوهات واردة. ومن غير المستبعد ان تزيد استقالة السراج من تعقيدات المشهد. وإذا كان المسار السياسي برعاية الأمم المتحدة مع دول أوروبية هو الامل لحل الازمة، ستحاول تركيا اما فرض حلفائها في ليبيا او تقويض هذا المسار والعمل على إنشاء عملية ديبلوماسية موازية ومستقلة مع روسيا قد تساعدهما على الحفاظ على مصالحهما في البلاد.

نقلا عن صحيفة الأهرام اليومي، الخميس 24 سبتمبر 2020. 

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب