وحدة الدراسات الاقتصادية

كيف أثرت جائحة كورونا على قطاع الإسمنت في مصر؟

يشكل قطاع مواد البناء والتشييد نحو 5.9% من الاقتصاد المصري، وتُعد صناعة الإسمنت إحدى المحركات الرئيسية لهذا القطاع الهام، حيث تساهم وحدها بنحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي. وتعمل حوالي 19 شركة في صناعة الإسمنت، كما يتجاوز حجم الاستثمارات بها، وفقًا لبيان شعبة منتجي الإسمنت، نحو 250 مليار جنيه، ورغم أهمية هذا القطاع؛ إلا أنه شهد ركودًا ملموسًا خلال الفترة الماضية بضغطٍ من عدة أسباب يُحاول هذا المقال أن يسلط الضوء عليها. تحديات متباينة لم تكن أزمة كورونا أول مشكلة تواجه قطاع الإسمنت المصري الذي واجه بالفعل عدة تحديات أخرى منذ عدة سنوات تفاقمت وتزايدت حدتها خاصة خلال عام 2019،…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

يشكل قطاع مواد البناء والتشييد نحو 5.9% من الاقتصاد المصري، وتُعد صناعة الإسمنت إحدى المحركات الرئيسية لهذا القطاع الهام، حيث تساهم وحدها بنحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي. وتعمل حوالي 19 شركة في صناعة الإسمنت، كما يتجاوز حجم الاستثمارات بها، وفقًا لبيان شعبة منتجي الإسمنت، نحو 250 مليار جنيه، ورغم أهمية هذا القطاع؛ إلا أنه شهد ركودًا ملموسًا خلال الفترة الماضية بضغطٍ من عدة أسباب يُحاول هذا المقال أن يسلط الضوء عليها.

تحديات متباينة

لم تكن أزمة كورونا أول مشكلة تواجه قطاع الإسمنت المصري الذي واجه بالفعل عدة تحديات أخرى منذ عدة سنوات تفاقمت وتزايدت حدتها خاصة خلال عام 2019، وذلك في ظل وجود العديد من الأسباب التي يتمثل أهمها في عدم قدرة أسعار الإسمنت على تغطية تكاليف الإنتاج المرتفعة، وتراجع أرباح شركات القطاع، وتحول بعضها إلى الخسائر بما يهدد استمرار نشاطها، كما لم تتمكن الشركات من تمرير زيادة التكاليف إلى المستهلكين عن طريق رفع الأسعار في ضوء انخفاض الطلب في هذا القطاع بالفعل. وبالإضافة إلى ذلك، يعاني القطاع من وجود فجوة بين الطلب والعرض؛ إذ يتسم الأول بالانخفاض، فيما يعاني الأخير من زيادات هائلة، حيث ساهم دخول مصانع جديدة إلى السوق في زيادة فائض المعروض. ويُمكن التدليل على هذا بارتفاع إنتاج مصانع الإسمنت المصرية بنحو 40% مقارنة بالطلب، وفقًا لـ”تامر مجدي”، العضو المنتدب بشركة “إسمنت سيناء”.

علاوة على ذلك، تشهد صناعة الإسمنت صعوبات في التصدير بسبب ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء ورسوم المحاجر، مما يؤدي إلى زيادة التكاليف الإنتاجية، ويقضي على أي فرصة للتصدير مقارنة بعدد من الدول المُجاورة التي تُصدر الإسمنت بأسعار أقل نسبيًا. 

ومع انتشار فيروس كورونا الذي فاقم من صعوبة التصدير بصورة أساسية مع تطبيق الدول لإجراءات الإغلاق الصارمة الهادفة للحد من تفشي الوباء، كما ساهم الوباء في تراجع الطلب على الإسمنت بنسبة تتراوح بين 12 و15% خلال أول 5 أشهر من عام 2020، نتيجة انخفاض حجم أعمال المشروعات، بالإضافة إلى تحمل الشركات أعباء الإجراءات الاحترازية كتخفيض عدد العمالة، وتقليل ساعات العمل، وهو ما أدى إلى إعلان شركة “لافار” مصر لإنتاج الإسمنت التابعة عن توقعاتها بانخفاض الطلب على الإسمنت في مصر بنحو 20% خلال الربع الرابع من 2020.

ومن المتوقع أن يتفاقم هذا الوضع بعد صدور قرار وقف تراخيص البناء في المدن الكبرى وإزالة كافة المباني العشوائية ابتداءً من الرابع والعشرين من مايو الماضي ولمدة ستة أشهر، كما نص القرار على إيقاف استكمال أعمال البناء الجاري تنفيذها للمباني لحين التأكد من توافر الاشتراطات البنائية، مما أدى إلى المزيد من تراجع الطلب. وفيما يلي عرض مبسط لوضع قطاع الإسمنت خلال الخمس سنوات الماضية:

يتضح من الشكل السابق تراجع كلٍ من إنتاج واستهلاك الإسمنت على مدار السنوات الخمس السابقة، كما يُلاحظ اتساع الفجوة بين الإنتاج والمبيعات خلال الفترة محل الدراسة، والتي وصلت إلى 1.036 ألف طن بحلول العام المالي 2018-2019، حيث سجل إنتاج الإسمنت 45.692 مليون طن، فيما وصلت المبيعات إلى 44.656 مليون طن. أما عن الأداء الشهري:

يتبين مما سبق تراجع كلٍ من إنتاج واستهلاك الإسمنت منذ يناير 2019 وحتى مايو 2020. وسجل إنتاج الإسمنت انخفاضًا بنحو 19% خلال تلك الفترة، فيما حقق الاستهلاك تراجعًا بحوالي 21.08%، وهو ما يعني أن الاستهلاك يتراجع بوتيرة أسرع من الإنتاج.

أداء بعض شركات الإسمنت خلال أزمة كورونا

تجلت مواطن ضعف قطاع الإسمنت في نتائج أعمال الشركات خلال الأعوام الماضية، ليزداد الوضع سوءًا مع ظهور تداعيات فيروس كورونا بداية من الربع الثاني من عام 2020، وتشير جميع التوقعات إلى احتمالية مواجهة هذا القطاع المزيد من التباطؤ وتراجع المبيعات الفترة المقبلة، لا سيما مع وقف إصدار تراخيص البناء الجديدة، وتكبدت العديد من شركات الإسمنت المصرية خسائر باهظة خلال النصف الأول من العام الجاري في ظل الأسباب التي ذكرناها سابقًا، ويُمكن عرض أداء أبرز الشركات في القطاع على النحو التالي:

من الشكل السابق يُمكن القول إن شركة العربية للإسمنت هي أقل المتضررين من الأزمة التي يعاني منها القطاع، حيث تكبدت خسائر بقيمة 5.6 ملايين جنيه فقط خلال أول ستة أشهر من العام الجاري، مقارنة بأرباح تبلغ قيمتها 25.4 مليون جنيه في نفس الفترة المقارنة من 2019، فيما تُعد شركة السويس للإسمنت أكبر الخاسرين خلال تلك الفترة؛ إذ قفزت خسائرها بنحو 99% من 356.49 مليون جنيه في النصف الأول من 2019 إلى 709.31 مليون جنيه خلال الفترة المنتهية في يونيو 2020.

أما عن شركة إسمنت سيناء، فقد ارتفعت خسائرها بنحو 31.8% على أساس سنوي، من 186.37 مليون جنيه خلال النصف الأول من 2019 إلى 245.69 مليون جنيه خلال أول ستة أشهر من العام الحالي، وأخيرًا، صعدت الخسائر الفصلية لشركة الإسكندرية للإسمنت بحوالي 26% إلى 212.8 مليون جنيه خلال النصف الأول من 2020 مقابل 169 مليون جنيه في نفس الفترة المقارنة من العام الماضي.

الجهود الحكومية للنهوض بقطاع الإسمنت

تحاول الحكومة جاهدة حل مشكلات قطاع الإسمنت المتعددة عن طريق عقد اجتماعات بين الرئيس “عبدالفتاح السيسي”، ورئيس مجلس الوزراء “مصطفى مدبولي” حول الخطوات التنفيذية المتخذة للتعامل مع التحديات التي تواجه قطاعي صناعة الإسمنت والحديد والصلب، وذلك انطلاقًا من أهميتهما للاقتصاد القومي واعتبارهما من العوامل الأساسية لتحقيق عمليات التنمية في العديد من القطاعات.

كما تسعى الحكومة إلى اعتماد سياسة صناعية متكاملة الأبعاد تضمن تعميق التصنيع المحلي، وتحقيق هامش ربح مناسب لمصانع الإسمنت، وتعزيز نفاذ صادرات القطاع على المستويين الإقليمي والدولي، خاصةً من خلال تعزيز قدراتها التنافسية والتغلب على المعوقات اللوجستية ذات الصلة، مع الأخذ في الاعتبار تأثير جائحة كورونا على التجارة الإقليمية والدولية.

ومن أجل تقليل العبء المفروض على صناعة الإسمنت، قررت الحكومة منتصف مارس الماضي خفض أسعار الغاز الطبيعي للقطاع الصناعي إلى 4.5 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، بدلًا عن 5.5 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، وهو ما يمثل تراجعًا بنحو 20% في تكلفة الغاز بالصناعات المحلية، كما قررت خفض أسعار الكهرباء للصناعة للجهد الفائق والعالي والمتوسط بقيمة 10 قروش، مع التأكيد على تثبيت وعدم زيادة أسعار الكهرباء لباقي القطاعات الصناعية لمدة تتراوح بين ثلاث سنوات إلى خمس سنوات.

ومن المقرر أن تتخذ لجنة تسعير الطاقة قرارًا بشأن أسعار الغاز الطبيعي المقدمة للقطاعات الصناعية وفقًا للعديد من الاعتبارات التي تتمثل أهمها في التغيرات العالمية في سعر المليون وحدة حرارية، ومطالب القطاعات الإنتاجية بضرورة خفض الأسعار مرة أخرى إلى ما يتراوح بين 2.5 دولار إلى 3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية لتخفيف الأعباء على الإنتاج الصناعي لزيادة تنافسية الصادرات المصرية إلى الخارج وتقليل فائض العرض الذي يشهده السوق.

وفي الختام، يُمكن التأكيد على أهمية معالجة المشكلات التي يعاني منها قطاع الإسمنت وخاصة على صعيد وجود فجوة بين العرض والطلب، ولهذا ينبغي اتخاذ خطوات حاسمة من أجل تحفيز الطلب والتعامل مع فائض العرض.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة