وحدة الدراسات الاقتصادية

رهان الثقة: كيف ساهمت الإجراءات الحكومية في تحسين مكانة مصر الإستثمارية؟

تعد مصر إحدى نقاط الجذب للاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا، لا سيما وأن الدولة سعت في الأعوام الماضية إلى توطيد الاستقرار الأمني والسياسي، وتحسين المناخ الاستثماري، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية منذ نوفمبر 2016، ما عزّز ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري. لكن مع ذلك تبقى هنالك عوائق أساسية أمام الدول المستثمرة في السوق المصرية. تزايد المكانة الاستثمارية وصل إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا إلى 45.4 مليار دولار خلال عام 2019، بما يمثل تراجعًا بنحو 10.3% على أساس سنوي، ورغم ذلك استطاعت مصر أن تتبوأ مركزًا متقدمًا بين الدول الإفريقية في ظل حفاظها على مكانتها كوجهة أولى للاستثمار الأجنبي في القارة، على…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تعد مصر إحدى نقاط الجذب للاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا، لا سيما وأن الدولة سعت في الأعوام الماضية إلى توطيد الاستقرار الأمني والسياسي، وتحسين المناخ الاستثماري، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية منذ نوفمبر 2016، ما عزّز ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري. لكن مع ذلك تبقى هنالك عوائق أساسية أمام الدول المستثمرة في السوق المصرية.

تزايد المكانة الاستثمارية

وصل إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا إلى 45.4 مليار دولار خلال عام 2019، بما يمثل تراجعًا بنحو 10.3% على أساس سنوي، ورغم ذلك استطاعت مصر أن تتبوأ مركزًا متقدمًا بين الدول الإفريقية في ظل حفاظها على مكانتها كوجهة أولى للاستثمار الأجنبي في القارة، على مدار العام المنصرم وللسنة الثالثة على التوالي. إذ أظهرت بيانات “الأونكتاد” (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية) ارتفاع حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر بنحو 11% ليصل إلى 9 مليارات دولار، وهو ما يمثل 20% من إجمالي حجم الاستثمار في القارة. يليها جنوب إفريقيا والكونغو، فيما احتلت نيجيريا وإثيوبيا المرتبة الرابعة والخامسة على الترتيب.

شكل رقم (1): تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر للقارة الإفريقية في عام 2019

Source: UNCTAD, World Investment Report, 2020

وتتوقع الأونكتاد انخفاض الاستثمارات الأجنبية المباشرة بما يتراوح ما بين 25% و40% بسبب إجراءات إغلاق الاقتصادات والقيود المفروضة على الحركة والسفر نتيجة لجائحة كورونا، ومع سيادة حالة عدم اليقين حيال آفاق الاقتصاد العالمي، فمن المرجح أن يتم تأجيل أو تعليق عددٍ لا بأس به من المشروعات الاستثمارية المُعلن عنها أو المخطط لها، وقد تحسنت صورة مصر كمتلقٍّ للاستثمار الأجنبي في تقارير المؤسسات الدولية خلال العام الماضي بفضل الجهود الحكومية المبذولة منذ عام 2016 وحتى الآن، وتجلى ذلك في رفع تصنيفها في عدد من المؤشرات، من أهمها ما يلي:

1- مؤشر مخاطر الدول، رفعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، في فبراير 2020، تصنيف مصر في مؤشر مخاطر الدول إلى المستوى الخامس بدلًا من السادس بسبب سعي الحكومة المصرية إلى توفير بيئة داعمة للاستثمار والأعمال، ومحاولة التغلب على العوائق المفروضة أمامها بما ساعدها على جذب المزيد من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.

2- مؤشر سهولة الأعمال، حيث تقدمت مصر ستة مراكز في تقرير ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2019 الصادر عن البنك الدولي لتحتل المركز الـ116 من أصل 190 دولة، حيث رصد التقرير قيام الحكومة بتبسيط الإجراءات في أربعة مؤشرات، هي: 1- مؤشر تأسيس الشركات حيث تقدمت مصر تسعة عشر مركزًا على مستوى العالم. 2- مؤشر الحصول على الكهرباء الذي سجل تحسنًا بنحو 19 مركزًا أيضًا في ظل تطوير البنية الأساسية لإنتاج وتوزيع الكهرباء، وحل مشكلة انقطاع التيار الكهربائي. 3- مؤشر حماية صغار المستثمرين، حيث تقدمت مصر فيه بمقدار 15 مركزًا. 4- مؤشر سداد الضرائب، حيث شهد تقدمًا بثلاثة مراكز. وذكر التقرير أن مصر جاءت من بين نحو 25 دولة على مستوى العالم من حيث عدد الإصلاحات، وهو ما يعكس استدامة التزام الحكومة بتحسين مناخ الاستثمار.

3- تقرير التنافسية العالمي، حيث أظهر تقرير التنافسية العالمية لعام 2019 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي تقدم مصر مرتبة واحدة إلى المركز 93 من إجمالي 141 دولة، كما ارتفع ترتيب مصر في مؤشر حجم السوق لتحتل المركز 23 عالميًّا بسبب القوة البشرية التي تتميز بها.

الدول المستثمرة والقطاعات الجاذبة

استطاعت مصر أن تجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة من كثير من بلدان العالم بفضل تحسن الأوضاع الاقتصادية، وبدعم من الزيادة السكانية وارتفاع الطلب المحلي والثقافة الاستهلاكية لدى الشعب المصري؛ إذ يعتمد الناتج المحلي الإجمالي على الاستهلاك باعتباره داعمًا رئيسيًّا للنمو الاقتصادي. 

شكل رقم (2): صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر خلال الفترة (2009- 2019)، مليار دولار

المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية، مايو 2020.

يبين هذا الشكل أن الاتجاه العام لصافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة جاء موجبًا، فيما يلاحظ انخفاض قيمة الاستثمارات خلال العام المالي (2010-2011) إلى أدنى مستوياتها بضغطٍ من عدم الاستقرار السياسي الناجم عن ثورة 25 يناير 2011، لترتفع بعد ذلك -لا سيما عقب تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي- إلى مستويات أعلى من المعدلات التي وصلت إليها قبل الثورة عند 8.23 مليارات دولار خلال (2018-2019).

شكل رقم (3): صافي الاستثمار الأجنبي المباشر فصليًّا في العام المالي 2019-2020 (مليار دولار)

المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية، مايو 2020.

يوضح هذا الشكل الأداء الفصلي للاستثمار الأجنبي المباشر، حيث بدا أن الاتجاه العام متصاعد أيضًا؛ إذ ارتفع صافي الاستثمارات خلال أول ربعين من العام المالي الماضي (2019-2020) ليبلغ 2.6 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في ديسمبر 2019.

شكل رقم (4): توزيع صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحسب أهم الدول

المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية، يناير 2020.

يُبين هذا الشكل توزيع الاستثمارات الأجنبية وفقًا لأهم الدول والمناطق، حيث يتبين أن الاتحاد الأوروبي يُعتبر من أهم المناطق المستثمرة في مصر بإجمالي استثمارات وصل إلى 9.95 مليارات دولار خلال 2018-2019، من بينها 6.4 مليارات دولار قادمة من المملكة المتحدة، ولهذا فهي تعتبر أكبر دولة مستثمرة في مصر، فيما تُعد الإمارات أكبر دولة عربية مستثمرة في البلاد حيث ضخت 1.1 مليار دولار في العام المالي 2018-2019. أما عن الولايات المتحدة، فيلاحظ تراجع حجم الاستثمارات الأمريكية المباشرة في مصر خلال العام الماضي إلى 1.57 مليار دولار مقارنة مع 2.24 مليار دولار في العام السابق عليه.

شكل رقم (5): التوزيع القطاعي لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر (%) – الربع الأول من العام المالي (2019-2020)

Source: Central Bank of Egypt, External Position of the Egyptian Economy, July/September 2019/2020

يوضح هذا الشكل القطاعات الجاذبة للاستثمارات في مصر، حيث يعد قطاع النفط الأكثر جذبًا للاستثمار الأجنبي المباشر، إذ يستحوذ على نسبة تتجاوز 55% من إجمالي الاستثمارات حتى الربع الأول من العام المالي (2019-2020)، يليه قطاع الخدمات بنحو 23% (تتوزع على قطاع الخدمات المالية والعقارات والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بحوالي 13.7% و3.1% و1.8% على التوالي)، فيما يحتل قطاع الزراعة المركز الأخير بنسبة 0.2%. 

عوائق أساسية

برغم المساعي المستمرة لتحسين الوضع الاستثماري لمصر، لا يزال هناك عدد من العوائق أمام جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتي يتمثل أهمها في ارتفاع أسعار الفائدة مقارنة بباقي الدول، حيث إن ارتفاع تكلفة التمويل يؤدي إلى عزوف المستثمرين عن ضخ استثمارات جديدة والاتجاه بدلًا من ذلك إلى الاستثمار في أدوات الدين المحلي التي تضمن لهم فوائد ثابتة مع انعدام المخاطرة، وتشهد مصر ارتفاعات متتالية في أسعار الأراضي والعقارات مما يضع عوائق أمام المستثمر الأجنبي فيما يتعلق بشراء أرض لبناء مشروعه، وصعوبة عمليات التخليص الجمركي، حيث تستغرق الإجراءات الجمركية نحو 28 يومًا، من جهة أخرى يعاني الاقتصاد المصري من البيروقراطية، إلا أن الحكومة تحاول بشتى الطرق التغلب على هذا العائق عبر سن العديد من القوانين واللوائح الهادفة لتبسيط إجراءات الحصول على التراخيص والتصريحات اللازمة لاستكمال المشاريع الاستثمارية.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة