التحرك الفرنسي في الشرق الأوسط

عضو الهيئة الاستشارية

مند انفجار مرفأ بيروت توالت زيارات الرئيس الفرنسي الى لبنان، الذي استقبل في زيارته الأولى، غداة الانفجار، استقبال الابطال، بينما تزامنت زيارته الثانية مع توافق النخبة السياسية على رئيس وزراء جديد، والتعهد بتشكيل حكومة “فاعلة” والقيام بإصلاحات سريعة خلال شهرين (واجراء انتخابات في غضون عام) أو مواجهة قيود على المساعدات المالية، أو، الأسوأ، وهو عقوبات اقتصادية.  من لبنان طار ماكرون الى بغداد، التي كان مخططا أن يزورها في أواخر عام 2019، ولكن الاحتجاجات الشعبية التي انتشرت في العديد من المدن والمحافظات العراقية، أجبرته على تأخير زيارته. وعند لقائه الرئيس العراقي ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب، ورئيس إقليم كردستان وباقي المسؤولين…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مند انفجار مرفأ بيروت توالت زيارات الرئيس الفرنسي الى لبنان، الذي استقبل في زيارته الأولى، غداة الانفجار، استقبال الابطال، بينما تزامنت زيارته الثانية مع توافق النخبة السياسية على رئيس وزراء جديد، والتعهد بتشكيل حكومة “فاعلة” والقيام بإصلاحات سريعة خلال شهرين (واجراء انتخابات في غضون عام) أو مواجهة قيود على المساعدات المالية، أو، الأسوأ، وهو عقوبات اقتصادية. 

من لبنان طار ماكرون الى بغداد، التي كان مخططا أن يزورها في أواخر عام 2019، ولكن الاحتجاجات الشعبية التي انتشرت في العديد من المدن والمحافظات العراقية، أجبرته على تأخير زيارته. وعند لقائه الرئيس العراقي ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب، ورئيس إقليم كردستان وباقي المسؤولين العراقيين، شدد الرئيس الفرنسي على أهمية تأكيد العراق سيادته على أراضيه وسط التوتر الأميركي-الإيراني وزيادة التدخلات التركية، باعثا بذلك رسالة الى العالم بكون فرنسا تدعم استقلال ووحدة العراق.

بعد زيارته لبيروت وبغداد، استقبل ماكرون العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني الذي قام بزيارة خاطفة وغير معلنة رسميا إلى العاصمة الفرنسية باريس، يؤكد توقيتها الدور الفرنسي في الشرق الأوسط، ورغبة الاردن استطلاع توجهات الرئيس الفرنسي وخططه في المنطقة، وأيضا البحث في الملف الفلسطيني، والجهود الثنائية والدولية المبذولة لمجابهة جائحة كورونا وسبل التصدي للآثار الإنسانية والاقتصادية الناجمة عنها. 

من خلال مجمل هذه التحركات واللقاءات، يبدو أن فرنسا عائدة بقوة الى الشرق الأوسط. وإذا كان ماكرون يحاول تقديم نفسه على أنه “القيادي الأوروبي الجديد في المنطقة”، فإن باريس تسعى لاستعادة دورها التاريخي في المنطقة وتعزيز حضورها وإعادة الألق لدبلوماسيتها التي شهدت تراجعا في السنوات الأخيرة. وتستغل فرنسا في ذلك تراجع التأثير الأمريكي في المنطقة وانشغال الولايات المتحدة حاليا في الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في نوفمبر القادم. 

وللتذكير، ففي عام 2010، نشرت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، مقالا في مجلة فورن بوليسي، بعنوان “الاستدارة شرقا” اشارت فيه بوضوح الى أن الولايات المتحدة تعتزم مغادرة الشرق الأوسط، والتركيز على الصين وجنوب شرق آسيا، وإنها عندما تغادر سوف تترك المنطقة لحلفائها “الأطلنطيين” في حلف الناتو لملء أي فراغ في المنطقة العربية وشمال أفريقيا وحتى حدود أفغانستان شرقا. وقد كانت فرنسا وبريطانيا من أكثر الدول التي تسعى لتحل محل أمريكا في المنطقة، لكن تركيز بريطانيا على مشاكلها الداخلية وملف الخروج من الإتحاد الأوروبي، يترك المجال مفتوحا امام فرنسا. 

عودة فرنسا الى الشرق الأوسط عبر بوابة بيروت-العراق مرده الى أن باريس تعلم جيدا أن ما اخذته من معاهدة “سايكس بيكو” بات يتبخر ويذهب ادراج الرياح، وأن منطقة الشرق الأوسط تتعرض لأكبر مراجعة لحدود النفوذ والسيطرة، وأن هناك توزيعا جديدا بين فاعلين دوليين واقليميين، منهم من يريد الحفاظ على موقعه الذي استقر به بعد الحرب العالمية الثانية، ومنهم من يطمح لاستعادة دور سقط قبل 100 عام، ومنهم من وصل حديثا ويريد أن يضع له موطأ قدم دائم في المنطقة.

من خلال بوابة لبنان، بالإضافة الى ما يمكن أن تحققه فرنسا من مصالح اقتصادية مرتبطة بالنفط والغاز المرتقب اكتشافه في لبنان، ترى باريس أن لها علاقات تاريخية مباشرة وغير مباشرة مع جميع الطوائف والمكونات السياسية اللبنانية بشكل يمكنها من الحوار مع الجميع. وهذا ما دفع القوى السياسية اللبنانية الى تلبية دعوة الرئيس الفرنسي الى طاولة الحوار برئاسته لمناقشة خطة عمل لإنقاذ لبنان وتحديد مهلة زمنية لعودة الاستقرار لدولة مرتبطة باللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين الذين لن يبق لهم مكان في بلد ينهار، ما يعني هجرتهم الجماعية غربا مما يهدد الامن الأوروبي. 

بهذا التحرك السريع، ترغب باريس في استعادة دورها في لبنان وأيضا قطع الطريق امام تركيا التي لم تعد تخفي اطماعها وتحاول جاهدة اجتياح المنطقة بدءا من العراق وسوريا وليبيا ولبنان. وهذا الامر يهدد المصالح الأوروبية في شرق المتوسط، ويهدد الامن الأوروبي، خاصة وأن تركيا تلعب دائما بورقة الإرهابيين والمهاجرين غير الشرعيين.

ومن خلال بوابة بغداد، تحاول فرنسا إعادة ترتيب أوراق سياستها الخارجية والخروج من عباءة السياسة الخارجية الامريكية. وقد وصفت العلاقات الفرنسية-العراقية دائما بالجيدة الى حين اجتياح العراق للكويت، حيث وقفت فرنسا ضد العراق. وفي السنوات التي أعقبت عام 2003، كانت فرنسا أول بلد يمنح العراق إعفاءات عن 80 في المائة من الديون التي عليها. ومع ذلك، وبسبب تأثير الولايات المتحدة، لم تتمكن فرنسا من الحصول على مكانة خاصة في العراق. ومع خروج القوات الامريكية من العراق، أبدت فرنسا اهتمامها بتأسيس حقبة جديدة من العلاقات مع بغداد، وهذا تحديدا ما تمهد له زيارة ماكرون الأخيرة.

بعد اخفاقها في ليبيا وسوريا، فرنسا تسعى لتدارك مصالحها في الشرق الأوسط، وتسعى لمد نفوذها إلى مناطق تعاني من فراغ السلطة (لبنان) وفشل الدولة (العراق) لكن هل ستنجح فيما تصبو إليه؟ 

الإجابة فقط في يد الأمريكيين ولا بد من انتظار نتائج الانتخابات القادمة.

نقلا عن جريدة الأهرام، 17 سبتمبر 2020

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب