وحدة الدراسات الأوروبية

الإخوان والمتطرفون والمسلمون في فرنسا: عمدة في مواجهة العاصفة

يبدو لي أن دراسة التمدد المتأسلم في دول أوروبا الغربية بصفة عامة، وفي فرنسا بصفة خاصة؛ تقتضي ألا يقتصر العرض على تحليل خطاب واستراتيجيات وأساليب عمل وكذلك الجمهور المساند إن وُجد لهذه القوى، بل عليه أن يمتد ليشمل إشارات إلى مسارات تلك المجتمعات وأحوال المسلمين فيها. ولكن السبيل إلى هذا تعترضه صعوبات. لست مطلعًا على كل ما يُنتجه الأكاديميون الفرنسيون، ولكنني أميل إلى تصديق ما قاله أحد أقطابهم في مجلس خاص من أن الدراسات السائدة تميل إلى تناول قضية وأحوال وخطاب ومشروعات المتأسلمين دون غيرهم، وأننا لا نعرف الكثير عن أحوال ومدركات وخطاب المسلمين الفرنسيين الذي لا ينتمون إلى فصيل…

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

يبدو لي أن دراسة التمدد المتأسلم في دول أوروبا الغربية بصفة عامة، وفي فرنسا بصفة خاصة؛ تقتضي ألا يقتصر العرض على تحليل خطاب واستراتيجيات وأساليب عمل وكذلك الجمهور المساند إن وُجد لهذه القوى، بل عليه أن يمتد ليشمل إشارات إلى مسارات تلك المجتمعات وأحوال المسلمين فيها. ولكن السبيل إلى هذا تعترضه صعوبات.

لست مطلعًا على كل ما يُنتجه الأكاديميون الفرنسيون، ولكنني أميل إلى تصديق ما قاله أحد أقطابهم في مجلس خاص من أن الدراسات السائدة تميل إلى تناول قضية وأحوال وخطاب ومشروعات المتأسلمين دون غيرهم، وأننا لا نعرف الكثير عن أحوال ومدركات وخطاب المسلمين الفرنسيين الذي لا ينتمون إلى فصيل من فصائل المتأسلمين. ما نعرفه -بصفة عامة- مصدره أبحاث المتخصصين في دراسة الرأي العام واستطلاعات هذا الرأي والجغرافيا الانتخابية، وهم ليسوا من الخبراء في الشأن الإسلامي. نعلم طبعًا أن علماء الاجتماع لا يحبون ما ينتجه خبراء الجغرافيا الانتخابية، ولكن يبقى أن بضاعة الفريق الثاني هي التي تسمح حاليًّا بتشكيل تصورٍ عن مسارات المجتمع ومكوناته.

نحن بصدد العرض لثلاثة كتب تحدثت عن تمدد المتأسلمين، وبداية تنفيذ مشروعهم القائم على التحكم في أحياء ومدن، وعلى بسط نفوذهم، وعلى دفع أكبر عددٍ من المسلمين إلى القطيعة مع باقي المجتمع ومعاداته، وسنعلق عليها من جوانب مختلفة أهمها إلقاء الضوء على البيئة التي يتم فيها هذا التمدد. وسنستعين في هذا بكتاب بالغ الأهمية هو “الجزر الفرنسية” لجيروم فوركيه، وهو كتاب صدر السنة الماضية، واعتبره عددٌ كبير من الأكاديميين أهم كتاب صدر عن فرنسا في السنوات الخمس الماضية.

يقول فوركيه عن هذا الكتاب، إنه اختبار (وتأكيد) لمقولات الفيلسوف مارسيل جوشيه. الفكرة الرئيسية له هو أن فرنسا شاهدت في آخر خمسين سنة انهيارًا تامًّا للمنظومة الفكرية/الثقافية/الاجتماعية التي شكلت لمئات من السنين عمودها الفقري، والتي كانت تضمن تضامن وانسجام وتماسك المجتمع، وهي المنظومة الكاثوليكية، وانهارت بعدها بقليل المنظومة المضادة التي كانت تحارب الأولى وهي المنظومة الشيوعية. ويقول فوركيه إن المجتمع ينقسم الآن إلى جُزر، ويتشرذم بانتظام. يقيس هذا الانهيار لاجئًا إلى أدوات منها: تغير نسب وأعداد المواليد الحاملة لأسماء تشير إلى تاريخ المسيحية أهمها “ماري”، ومنها انخفاض عدد القساوسة، وتراجع نسبة الممارسين للعبادات ونسب التعميد، وتراجع اختيار الدفن وارتفاع نسبة حرق الجثث، وتغير موقف الرأي العام من الطلاق ومن المثليين ومن العذرية ومن الإجهاض ومن الوشم(!!) وما إلى ذلك. ويشير إلى عوامل سهلت التشرذم، منها: نجاح النخبة في عزل نفسها عن المجتمع، وانهيار قدرتها على أن تكون قدوة، وانهيار الصحف الكبرى وتشرذم المنظومة الإعلامية وتعدد المواقع الاجتماعية.. إلخ. 

وفي الكتاب دراسة لأحوال المسلمين الفرنسيين مبنية أساسًا على إحصائيات واستطلاعات رأي. نكتفي مؤقتًا بالقول إن تطور أحوالهم يُشبه في بعض المجالات تطور باقي الجماعة الوطنية ويناقضه. ارتفاع نسب الممارسين للعبادات، والممتنعين عن شرب الخمر، والمشترطين لعذرية العروس، شأنهم شأن نسبة المتحفظين تجاه الزواج من غير المسلمين وتجاه المثليين. وسنعرض لبعض خلاصات هذه الدراسة التي تسمح بإلقاء الضوء على الكتب التي نعرض لها.

نبدأ بكتاب “إمارات الجمهورية” لـ”فرانسوا بوبوني” Pupponi، كادر يساري نشأ وترعرع في إحدى أفقر مدن فرنسا، وكان عمدة لمدة عشرين سنة لها. هذه المدينة الصغيرة القريبة نسبيًّا من باريس مدينة مهاجرين (مسلمون مغاربيون وأفارقة، وانضم إليهم مؤخرًا باكستانيون وأتراك ويهود من شمال إفريقيا ومسيحيون من المشرق العربي) ونازحين فرنسيين (من الريف إلى ضواحي باريس). شاهد بوبوني “انقضاض” المتطرفين (الفصيل الأول كان تركيًّا) عليها وعلى فصائل من شبابها المسلم ومقاومة الأهالي لهم ورعبهم منهم. قرر أن يكون المتحدث باسم الأّهالي قائلًا إن وجهة نظرهم لا تصل إلى النخب اليسارية القاطنة في الأحياء الراقية، والتي تُنَظّر وتوجّه ولا تعلم أي شيء. ولا يدعوهم الإعلام لأنهم لا يجيدون الفرنسية، ولا يجدون المفردات المناسبة للتعبير عن رأيهم. ويقول لنا إن هذا ما دفعه إلى كتابة “إمارات الجمهورية”.

يصف بوبوني “الحالة الدينية” للمسلمين أبناء مدينته قبل وصول المتطرفين سنة ٢٠١٤. يقول إن نصفهم متدين.. يقصد بهذا شأنه شأن التصنيف الفرنسي بأنهم منتظمون مواظبون في العبادات، الكل يختار أسماء إسلامية لأبنائه، الكل يحتفل بالأعياد الإسلامية كما يحتفل الفرنسيون من أصول مسيحية بكريسماس. أغلبهم يصفون أنفسهم بأنهم “فرنسيون ذوو ثقافة إسلامية”، ولا يحبون اختزال هويتهم في الإسلام. هم يرون في الإسلام دين التسامح ودين الانفتاح، ويعتبرون أنفسهم جزءًا أصيلًا ولا يتجزأ من “العائلة الفرنسية”. نعم يحتفظون بحنين إلى الوطن الأصلي أو إلى قريتهم، ولكنّ ولاءهم لفرنسا ويعيشون ويتصرفون كفرنسيين.

وفي رواية بوبوني، ظهر المتطرفون فجأة وكأنهم نبت دخيل، ويقولها صراحة: “لا علاقة ولا صلة بين هؤلاء ومسلمي فرنسا”، هؤلاء “غير”. زيّهم العجيب من أدلة عدم انتمائهم إلى البيئة الفرنسية ورفضهم لها. في موضع آخر، يذكر بوبوني أنهم إما فرنسيون من مواليد فرنسا وأبناء أو أحفاد عاقون لمهاجرين، أو مهاجرون أتراك أو مغاربيون وصلوا إلى فرنسا بالسنوات الماضية. على عكس باقي المسلمين، يحرصون على ارتداء زي مختلف (القميص السلفي/ لحية/ عباية/ حجاب/ نقاب) اختلافًا صارخًا. في مدينته عددهم مائة وقد يصل إلى مائة وخمسين. في فرنسا هم بين 72 ألفًا و150 ألفًا، بحسب تعريف “التطرف”. ولو قارنا هذه الأرقام بعدد الأفراد الذين يعتبرهم الأمن خطرين سنصل إلى نتيجة أن ٢% أو ٣٪ من المتأسلمين قد يتحولون إلى إرهابيين، وهي نسبة مرتفعة فعلًا.

لسنا مضطرين إلى تبني كلام بوبوني على أهميته وصدقه. يلاحظ أولًا أن أغلب الدراسات تقول إن النشاط السلفي والمتأسلم بدأ في فرنسا بالنصف الثاني من التسعينيات في القرن الماضي، ولكن يبدو أن هذا النشاط أهمل بعض المناطق في أول الأمر. على العموم من المعروف أن الفرنسيين يمقتون أو على الأقل يتوجسون من الاختلاف، بينما يرحبون بالاندماج وبالفرنسة، على عكس البريطانيين الذي يقبلون الاختلاف ويفضلونه عن الاندماج. وهذا يفسر تركيز بوبوني على صدمة الزيّ. من ناحية أخرى، تبدو رواية بوبوني وكأنها تميل –لا نقول تتبنى- مقولات كيبل السابق عرضها في الجزء الأول من الدراسة، المشكّلة في خطاب وسلوك دخيل آتٍ من الخارج. 

قطعًا يمكن اتهام بوبوني بالتقليل من شأن الظلم الاجتماعي، ومن سوء معاملة السود والعرب، والتمييز الأهلي ضدهم، ومن تأثير الفقر. ونشير هنا إلى كون هذا الظلم وهذا التمييز أهم حجة يسوقها عرابو المتأسلمين. ولكنني لا أظن أن بوبوني -وهو عمدة يساري لمدينة فقيرة جدًّا- يجهل هذا الجانب المظلم للواقع. أعتقد أنه يراه ويدركه ويعيه، ولكنه يرى أن المتأسلمين لا يسعون إلى حله بل إلى استغلاله لإيجاد أو لتعميق قطيعة بين المسلمين وباقي الشعب. ويعتقد غالبًا أن الساعي فعلًا إلى حل مشكلات الفقراء هو اليسار، اليسار الحقيقي لا يسار الأحياء الراقية.

ما يقوله بوبوني أن المخرج من الفقر هو النجاح في الدراسة، وأن المشكلة في مدينته (وفي غيرها) أن من ينجح في الدراسة يصعد اجتماعيًّا ويغادرها، ويبقى فيها مَن فشل في سلك هذا الطريق. أكثرهم ذكاء يدخل حقل العمل السياسي (مع تفضيل أحزاب أقصى اليسار) والأهلي والثقافي، غيرهم يعمل في وظائف صغيرة أو يعرف البطالة، ويعيش على الإعانات الحكومية، بعضهم ينخرط في اقتصاد وسوق الحشيش، وبعضهم ينزلق إلى الجريمة. ويقول إن المتأسلمين من ناحية والراديكاليين اليساريين من ناحية أخرى يستهدفون هذه الفئات، لا سيما آخر ثلاثة. اليساريون يقولون لهم إن فرنسا دولة عنصرية تكره السود والعرب، ويتحدثون عن تمييز دولتي منهجي، والمتأسلمون يقولون إنها دولة كافرة تكره الإسلام. تهم الفريقين باطلة، ولكن هناك من يصدقهما. وأيًّا كان الأمر فإن أغلب الإرهابيين الآتين من الضواحي كانوا مجرمين ولصوصًا “تابوا” وتصوروا أنهم ساروا على درب الجهاد.

نكمل كلام بوبوني بتعليق سريع يشير إلى أن الفتيات أكثر توفيقًا من الرجال فيما يتعلق بالنجاح في الدراسة في المدرسة وفي الجامعة، مما يسمح لهن بمغادرة بؤر الفقر والسكن في أحياء أكثر رقيًّا، وأن هذا يساهم في سخط الأولاد والصبيان ضد المجتمع والمؤسسة التعليمية وضد أفراد عائلاتهم الذين يُعيّرونهم بعدم قدرتهم على تحقيق إنجازات الفتيات. تكلم الكثيرون عن تلك النقطة، وأكدت دراسات جيروم فوركيه هذه الإحصائية مسنودة بالأرقام. في مدن كثيرة وجد فوركيه أن الرجال يشكلون ٥٢٪ من المسلمين في الأحياء الفقيرة، بينما تمثل النساء ٥٦٪ من المسلمين في الأحياء الخاصة بالطبقات المستورة والميسورة.

وبصرف النظر عن مقارنة أداة النساء والرجال، تؤكد دراسة فوركيه الكثير مما قاله بوبوني. من الصعب الحديث عن “طائفة” مسلمة موحدة. هناك فوارق ضخمة ومتغيرات كثيرة سنعود إليها لاحقًا، على حسب الموطن الأصلي وتاريخ الهجرة إلى فرنسا والطبقة الاجتماعية.. إلخ. على سبيل المثال لا الحصر، ذاكرة الجزائريين تجاه فرنسا ليست كذاكرة المغاربة، الأتراك أقلهم انفتاحًا على المكونات الأخرى للمجتمع، ولكن يبقى أن الشاغل الرئيسي للأغلبية العظمى للمسلمين هو الصعود الاجتماعي (وليس القطيعة مع المجتمع الذي يمثل جوهر المشروع المتأسلم). والصعود الاجتماعي يقتضي تكملة الدراسة، والحصول على شهادة جامعية، ثم يسعى أغلبهم إلى العمل في أجهزة الدولة التي لا تمارس تمييزًا في التعيين والترقية (على عكس القطاع الخاص وبعض أجهزة الدولة الأخرى)، وأهم هذه الأجهزة المؤسسة العسكرية والشرطة ووزارة التربية والتعليم، فهي إلى جانب قدراتها على الاستيعاب تضمن عملًا ومرتبًا مدى الحياة. المشكلة طبعًا أن هناك من لا يُكمل تعليمه ومن يكمله، ولكنه يفشل في الحصول على وظيفة.

نعود إلى ما قاله بوبوني. طبعًا ليس كل المتطرفين إرهابيين، سيقولون عن أنفسهم دعاة. بوبوني يقول إنهم استغلوا الفراغ الذي تركه تراجع الحزب الشيوعي ولعبوا دور النشطاء يصولون ويجولون في المدينة. نجح ١٥٠ أو ٢٠٠ متأسلم في إخضاع أحياء بالكامل في مدينة تعداد سكانها ستون ألفًا، وبثّ الخوف فيها. يستهدفون أساسًا إخضاع وملاحقة المسلمات والمسلمين، ولكنهم يتحرشون بالكل ويضايقون الكل. مَن المسئول عن هذا الوضع؟ تميل الصحافة والإعلام إلى اتهام العُمَد -سواء على يمين أو يسار الطيف السياسي- بالسعي إلى التوصل إلى اتفاق انتخابي مع المتأسلمين يضمن لهؤلاء تواجدًا في المجالس المحلية أو في بعض اللجان، وهذا التواجد في المقابل يسمح لهم ببناء شبكات زبائنية، وبإحكام قبضتهم على قطاعات معينة من المسلمين. بوبوني يرفض هذا الاتهام تارة، ويقر بصحته تارة أخرى. يستخلص من كلامه أن السبب الرئيسي هو تقاعس مندوبي السلطة المركزية والمحافظين والشرطة الوطنية، يجد العُمَد أنفسهم بدون قوة تدعمهم، وبعضهم يسعى فعلًا إلى توافقٍ ما مع المتأسلمين.

ثانيًا يُندد ويدين بوبوني اليسار الراديكالي وبعض فصائل اليسار الذين أصبحوا عرّابي الإسلاميين. أسباب هذا الانحياز الصارخ تختلف من فصيل لآخر، فمنها من يكره ظلم المجتمع الفرنسي، ومنها من لم يتخلّ عن مشروع الثورة الشاملة، ومنها من يقول إنه لا يجوز نقد ديانة أقلية أغلب أعضائها من المستضعفين (كأن يكون نقد المتأسلمين هجومًا على الإسلام، وسنعود إلى تلك النقطة لاحقًا)، ومنها من يرى أن تراجع أعداد وأهمية الطبقة العاملة يجبر اليسار على البحث عن قاعدة انتخابية جديدة يكون المسلمون وأبناء المهاجرين عمودها الفقري. يرى بوبوني أن هؤلاء يرتكبون جريمة عندما يتصرفون كأن الـ١٥٠ ألف متطرف يمثلون ٨ ملايين ونصف فرنسي أو مقيم في فرنسا يحملون أسماء مسلمة، وكأن المتطرفين يمثلون (التفسير الصحيح للدين). ويلاحظ هنا أن فوركيه يرى أن هذا الرقم (الخاص بعدد المسلمين في فرنسا) مبالغ فيه جدًّا، وأن نسبة المسلمين أقل من هذا وإن ازدادت باضطراد.

وَصْف بوبوني للوضع وتقييمه له يحتاج إلى تدقيق ومراجعة. الرجل فعلًا سياسي متواجد في الشارع، ولكنه ليس خبيرًا في الشئون الإسلامية. يمكن تصديقه عندما يقول إن المتأسلمين أقلية لها فهمها الخاص للدين، ومشروع سياسي يقتضي بث الفتنة في فرنسا وعزل المسلمين عن باقي المجتمع وتطبيق الشريعة في بعض المناطق، ولهم تكتيك سياسي قائم على التواجد العدواني في الشارع، وعلى الضغط المتواصل على الجميع لا سيما المسلمات السافرات. ولكننا نرى أن الصواب يجانبه عندما يفترض أن المسلمين ليست لهم مشكلات حقيقية مع الثقافة السائدة في المجتمع، ومع القوانين التي تُبيح مثلًا الإجهاض وزواج المثليين وازدراء وتحقير الأديان. ونعتقد أيضًا أن المعايير التي تحكم تقييمه -وهي معايير يؤمن بها الكثير من الفرنسيين- لا تعين على فهم المسلمين وعلى مخاطباتهم. على سبيل المثال لا الحصر، يعتقد بوبوني أن المتأسلمين ينفردون بالإيمان بأن شريعة الله تضمنت الحدود، وبأنها أرفع مقامًا من القانون الوضعي. وهجوم بوبوني على مفهوم الحدود بدون فهم له يعطي حججًا لمن يريد إسكاته موجهًا إليه تهمة العداء للإسلام. وعلى العموم وبصفة عامة، فموضوع الحدود من شأنه إثارة التوتر والفتنة بصرف النظر عن حسن أو سوء نية من يخوض فيه. وفي الصدد نفسه، نلاحظ هنا وهناك في كتابه تعبيرات أو جملًا لن يقبلها مسلم مؤمن، منها على سبيل المثال (“دين آت من القرن السابع”.. قاصدًا أن الشريعة لا تصلح في العصر الحديث). 

وسنواصل عرضنا لكتاب بوبوني لنشير -مدعومين بكتاب فوركيه- إلى تعقيدات الصورة من ناحية، وإلى العمليات الميدانية للمتأسلمين لبسط نفوذهم كما عاصرها الكاتب. فهم إلى جانب بناء مساجد تسمح ببث خطابهم يسعون إلى اختراق الأنشطة الأهلية، وإلى التحالف مع أحزاب، وإلى إقناع الأهالي بتجنب إرسال أولادهم وبناتهم إلى المدارس الأهلية.

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية