وحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

من المواءمة إلى الصراع: تحولات العلاقة بين “القاعدة” و”داعش” في غرب إفريقيا

حتى نهاية عام 2019، كان مفهوم “استثناء الساحل” يُستخدم لوصف علاقة “التعايش المشترك” بين كل من “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، وتنظيم “داعش الصحراء الكبرى”؛ إلا أنه مع مطلع عام 2020، شهدت منطقة الساحل عدة معارك بين الطرفين، حيث وقعت اشتباكات في منطقتين مختلفتين هما: منطقة “دلتا النيجر الداخلية” في مالي، ومنطقة “جورما” على جانبي الحدود بين مالي وبوركينافاسو. ومن ثَمّ، تُثير تلك التطورات عددًا من الأسئلة حول طبيعية ذلك الصراع، ودوافعه، ودلالاته.  مشهد متشابك مع بداية عام 2020، بدأ تنظيم “داعش الصحراء الكبرى” في التوغل بمالي، حيث مناطق خاضعة لنفوذ “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة لتنظيم “القاعدة”. وقد استطاع التنظيم…

تقى النجار
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

حتى نهاية عام 2019، كان مفهوم “استثناء الساحل” يُستخدم لوصف علاقة “التعايش المشترك” بين كل من “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، وتنظيم “داعش الصحراء الكبرى”؛ إلا أنه مع مطلع عام 2020، شهدت منطقة الساحل عدة معارك بين الطرفين، حيث وقعت اشتباكات في منطقتين مختلفتين هما: منطقة “دلتا النيجر الداخلية” في مالي، ومنطقة “جورما” على جانبي الحدود بين مالي وبوركينافاسو. ومن ثَمّ، تُثير تلك التطورات عددًا من الأسئلة حول طبيعية ذلك الصراع، ودوافعه، ودلالاته. 

مشهد متشابك

مع بداية عام 2020، بدأ تنظيم “داعش الصحراء الكبرى” في التوغل بمالي، حيث مناطق خاضعة لنفوذ “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة لتنظيم “القاعدة”. وقد استطاع التنظيم تحقيق نجاحات أولية في منطقة “جورما”. وفي المقابل، جاء رد جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” على تحركات “داعش” في أواخر مارس وبشكل أقوى في أواخر إبريل، حيث شنت الأولى هجومًا مضادًا نجحت من خلاله في استعادة سيطرتها على مناطق نفوذها وطرد تنظيم “داعش” إلى جنوب شرق بوركينافاسو على الحدود مع بنين. 

وبالتوازي مع عمليات “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” ضد “داعش”، بدأ الأخير في شن هجوم إعلامي على الأولى، حيث سلطت صحيفة “النبأ” الداعشية في عددها 233 الصادر في 7 مايو 2020 الضوء على الهجمات التي شنتها الأولى ضد التنظيم في منطقة الساحل. وقد وجه “داعش” انتقادات مباشرة إلى اثنين من كبار قادة “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، هما “أمادو كوفا” (زعيم جبهة تحرير مآسينا)، و”إياد غالي” (زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين)؛ وذلك لسعيهما إلى شن حرب ضد مقاتلي التنظيم، على حد وصفه.

كما نشرت مؤسسة “الفرقان” (الجناح الإعلامي التابع لتنظيم “داعش”) في 28 مايو الماضي، مقطعًا صوتيًّا مدته حوالي 40 دقيقة للمتحدث الرسمي باسم التنظيم “أبو حمزة القرشي”، تحت عنوان “وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار”، حيث أكد المقطع الصوتي أن “ولاية غرب إفريقيا” قررت “تأجيل” المواجهة مع “القاعدة” هناك؛ إلا أن “مرتدي القاعدة” بادروا إلى قتال “داعش” نيابة عن دول وحكومات المنطقة، خاصة مالي، والنيجر، وبوركينافاسو، والجزائر.

وقد جاء رد فعل تنظيم “القاعدة” عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حيث نشر خريطة لمنطقة غرب إفريقيا يوضح فيها المناطق التي يسيطر عليها، وذلك بغرض إرسال رسالة لتنظيم “داعش” مفادها أن التمدد في تلك المناطق يسبب اندلاع المواجهات المباشرة بين الجماعتين.

وفي إطار تصاعد الصراع العملياتي والإعلامي بين الجماعتين، أشار العدد 238 من صحيفة “النبأ” الصادر في 11 يونيو 2020 إلى الاشتباكات التي وقعت بين “داعش” وجماعة “أنصار الإسلام” (التي أسست بدعم من الجماعات المكونة لحركة نصرة الإسلام والمسلمين). ولفتت الصحيفة إلى ما أفاد به “جعفر ديكو” (زعيم جماعة أنصار الإسلام) حول فقدان تنظيمه أكثر من 170 مقاتلًا في ضوء الاشتباكات التي حدثت أواخر مايو 2020 مع مقاتلي “داعش” في المنطقة الحدودية بين مالي وبوركينافاسو.

لكن أذرع “القاعدة” الإعلامية على تلجرام كانت لها رواية مختلفة للأحداث. إذ جادل المؤيدون لتنظيم “القاعدة” بأن رواية “النبأ” للأحداث كانت “كاذبة”، حيث نجحت “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” في قتل العديد من أعضاء تنظيم “داعش الصحراء الكبرى” في بوركينافاسو خلال الاشتباكات الأخيرة.

ومع استمرار الصراع بين الجماعتين، سلط العدد 246 من صحيفة “النبأ” الصادر في 6 أغسطس الجاري، الضوء على العمليات التي حدثت خلال “غزوة الاستنزاف 4″، إذ أشارت الصحيفة إلى سقوط عشرات القتلى من عناصر تنظيم “القاعدة” في مالي. في المقابل، نشرت وكالة “ثبات” التابعة لتنظيم “القاعدة” أن “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” أطلقت حملات واسعة لطرد تنظيم “داعش” من مناطق مختلفة في مالي، وأنهم قتلوا وأسروا أعدادًا كبيرة من “داعش”.

ويمكن القول إنه اعتبارًا من يوليو 2020، كان “لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين” اليد العليا في المواجهات. فلم يتمكن “داعش” من توسيع نطاقه في المناطق التابعة للأولى، حيث تم صد معظم هجماته ولم ينجح في تحقيق وجود دائم. كما نجحت الأولى في استعادة السيطرة على منطقة “جورما” في مالي، وتمكنت من طرد “داعش” من بعض معاقله التقليدية شمال بوركينافاسو.

دوافع متعددة

هناك جُملة من الدوافع التي تفُسر ذلك الصراع، ويمكن تناولها على النحو التالي:

1- الاختلافات العقائدية 

على الرغم من نجاح التنظيمين في تنحية الاختلافات العقائدية بينهما لفترة، إلا أن تلك الاختلافات بدأت في الظهور إلى السطح مرة أخرى. إذ أصدرت مؤسسة “الزلاقة للإنتاج الإعلامي” التابعة لتنظيم “القاعدة” كتيبًا في أواخر يناير الماضي تحت عنوان “الرد على شبهة أنكم لا تنهون عن المنكر”. وجاء الكتيب موجهًا إلى الذين انتقدوا تطبيق “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” للشريعة في إشارة ضمنية لتنظيم “داعش”، مستهدفًا تقديم تصور عن نهج “القاعدة” البطيء في تطبيق الشريعة من أجل حشد الدعم الشعبي باعتباره مضادًا لنهج “داعش” السريع والقاسي في كثيرٍ من الأحيان.

في الوقت نفسه تقريبًا، تم إصدار العديد من الرسائل الصوتية من قادة “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” باللغات المحلية التي ركزت على الاختلافات العقائدية بين “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، وتنظيم “داعش في الصحراء الكبرى”. وأوردت تلك الرسائل تحذيرات من وصول “الخوارج” مؤخرًا إلى منطقة الساحل، في إشارة إلى عناصر تنظيم “داعش”.

وفي السياق ذاته، نشرت “ولاية اليمن” التابعة لتنظيم “داعش”، في 30 إبريل الماضي، إصدارًا مرئيًّا بعنوان “معذرة إلى ربكم” مدته 52 دقيقة، ينقسم إلى جزأين؛ يتعلق أولهما بتعامل تنظيم “القاعدة” مع ثورات الربيع العربي. وينصرف ثانيهما إلى الهجوم على “القاعدة” في شبه جزيرة العرب. وفي ضوء ذلك الإصدار أكد التنظيم على تعارض مبادئ تنظيم “القاعدة” مع الإسلام.

2- توجه القيادة المركزية 

مع وصول “أبي إبراهيم الهاشمي القرشي” (القائد الجديد لداعش) تغيرت استراتيجية “التعايش المشترك” في منطقة الساحل، وأصبحت استراتيجية “الصراع” هي الاستراتيجية السائدة بهدف التمدد في المعاقل التقليدية لتنظيم “القاعدة”، ومنذ مارس 2019 أكدت القيادة المركزية لتنظيم “داعش” على إدراج فرع “داعش الصحراء الكبرى” ضمن ولاية “داعش غرب إفريقيا”، ومن ثَمّ أنتجت عملية إعادة الهيكلة اندماج الأول في الهيكل العام لتنظيم “داعش”.

وبعد إعادة الهيكلة الرسمية للفرع في مارس 2019، تم نشر معظم البيانات الإعلامية، بما في ذلك مقاطع الفيديو والصور التي أنتجتها “داعش الصحراء الكبرى”، من خلال الأجهزة الإعلامية الرسمية لتنظيم “داعش”. وقد سمح هذا التحرك للقيادة المركزية لتنظيم “داعش” بإرسال رسائل تستهدف “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” لتناسب الرواية الجديدة القائمة على الصراع مع “القاعدة “في منطقة الساحل.

3- الطموح الداعشي

يسعى “داعش الصحراء الكبرى” إلى تعزيز صورته الجهادية عبر التمدد الاستراتيجي والعملياتي في المنطقة. ويُمكن ملاحظة ذلك عبر أربعة تحركات رئيسية للتنظيم؛ يتعلق أولها بالاستفادة من الخلافات الداخلية بين “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، و”جبهة تحرير مآسينا”، وتجنيد أعضاء من الأخيرة. ويتصل ثانيها بتنفيذ عددٍ من الهجمات الكبيرة على مواقع عسكرية في منطقة الساحل، بهدف اغتنام الأسلحة والمركبات.

وينصرف ثالثها إلى الرغبة في السيطرة على المناطق الاستراتيجية الغنية بالمواد الطبيعية، كمناجم الذهب، والمراعي، حيث تقع تلك المناطق ضمن النفوذ التقليدي لجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”. ويأتي رابعها بإطلاق التنظيم صحيفة إلكترونية بلغة الهوسا تُسمى Wakiliar Labarai وتصدر كل أسبوعين. ويهدف التنظيم من هذه التحركات إلى استقطاب السكان الناطقين بلغة الهوسا الذين يبلغ عددهم حوالي 44 مليون شخص، ويعيشون في نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون.

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى “غزوة الاستنزاف 4” التي أطلقها التنظيم في الفترة من 2 أغسطس إلى 11 منه، تم خلالها تنفيذ حوالي 136 عملية، جاء معظمها في ولاية “خراسان”، و”ولاية غرب إفريقيا”، وجاء بعضها في ولايات أخرى. إذ شهدت “ولاية خراسان” حوالي 122 عملية. كما شهدت “ولاية غرب إفريقيا” حوالي 120 عملية. ومن ثَم، تعكس تلك التحركات رغبة “داعش الصحراء الكبرى” في التمدد وتعزيز نفوذه في منطقة الساحل الإفريقي حتى وإن تطلب الأمر الدخول في صراعات مع تنظيم “القاعدة” في المنطقة.

4- النهج التفاوضي 

أعلنت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” عن استعدادها للتفاوض مع الحكومة المالية. حيث نَشر التنظيم في مارس الماضي، بيانًا حول “قبول التفاوض مع الحكومة المالية نزولًا عند رغبة الشعب المظلوم”، لكنها اشترطت انسحاب القوات الفرنسية وبعثة الأمم المتحدة من مالي. 

وعليه، استغل “داعش” هذا التحرك من جانب “القاعدة” لكي يقدم نفسه كمتصدٍّ لمشاريع الغرب الاستعمارية، ويروج لأطروحاته باعتبارها الأكثر التزامًا من الناحية العقائدية. ومن ثَم، بدأ الأول بانتهاج استراتيجية إعلامية قائمة على انتقاد وفضح “الثاني” نتيجة لسعيه لعقد اتفاقيات مع العدو. وفي هذا الصدد، يمكن القول إن سيناريو مفاوضات “طالبان” مع الولايات المتحدة سيصبح نموذجًا يحتذى في الحالة الإفريقية، حيث عملت “ولاية خراسان” على شن هجمات جماعية بهدف تقويض المفاوضات، ما يُشير إلى احتمالية اتباع “داعش الصحراء الكبرى” النهج نفسه.

دلالات أساسية

بناءً على ما تقدم هناك جُملة من الدلالات يمكن استعراضها على النحو التالي:

أولًا: على الرغم من استمرار القتال بين التنظيمين في أجزاء مختلفة من مالي وبوركينافاسو، إلا أنهما لا يزالان قادرين على التعايش في مناطق أخرى من الساحل، مثل منطقة “ميناكا” الواقعة في أقصى الشمال الشرقي في مالي، ومنطقة “تيلابيري” الواقعة في شمال غرب النيجر، وكذلك مناطق شمال وسط بوركينافاسو. ويمكن القول إن هذه المناطق لم تشهد الصراع بين التنظيمين بفضل العلاقات الوثيقة بين الإرهابيين في كل من التنظيمين. لكن من المُرجح في حال استمرار هذا الصراع بين التنظيمين، أن تمتد المواجهات بينهما إلى تلك الملاذات الآمنة نسبيًّا. 

ثانيًا: يجادل البعض بأن الصراع بين التنظيمات الإرهابية يُعد مشهدًا إيجابيًّا لمكافحة الإرهاب، غير أن من الممكن أن ينخرط التنظيمان في عملية تسمى “المزايدة”، حيث يهدف كل منهما إلى إظهار قدرة أكبر على محاربة العدو من المنافسين عبر تصعيد الهجمات الإرهابية. بعبارة أخرى، يمكن أن يقود الصراع بين التنظيمين إلى محاولة التفوق على بعضهما بعضًا بهجمات مذهلة بشكل متزايد على المدنيين، الأمر الذي ستنصرف تداعياته إلى الوضع الأمني ​​المضطرب في منطقة الساحل من خلال زيادة مستويات العنف.

ثالثًا: من المُحتمل أن يتصاعد الضغط العسكري على تنظيم “داعش الصحراء الكبرى” على صعيدين مختلفين؛ يتعلق أولهما بصراعه مع “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، وينصرف ثانيهما لاستهداف القوات الفرنسية لعناصره. وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن مفاوضات الحكومة المالية مع “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” جاءت بموافقة فرنسية ضمنية، إذ إن فرنسا لديها هدفان لدعم تلك المفاوضات؛ يتعلق أولهما بالتركيز على استهداف تنظيم “داعش” بدلًا من استهداف جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”. ويتصل ثانيهما بتشجيع العناصر الأكثر تطرفًا في جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” للانضمام إلى “داعش”. 

حيث ترى فرنسا أن “داعش الصحراء الكبرى” أقل ترسخًا في الديناميكيات المحلية مقارنة بتنظيم “القاعدة”، وبالتالي يمكن تقويض نفوذه. ويمكن القول إن الضغط العسكري على التنظيم تبلور باستهداف القوات الفرنسية للقيادي الداعشي “عبدالحكيم صحراوي” في 17 أغسطس الجاري.

رابعًا: في ضوء حالة الحراك التي تشهدها مالي، من المُرجح انتشار عدوى ذلك الحراك إلى بعض من دول الساحل الإفريقي، في ضوء تشابه الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية. الأمر الذي يُنذر باحتمالية أن تشهد دول الساحل ما يسمى “بالربيع الساحلي”. ويمكن القول إن سيناريو الربيع العربي يُقدم تصورًا لما يمكن أن تشهده دول “الربيع الساحلي”، ولا سيما في ضوء رغبة التنظيمات الإرهابية في تعزيز نشاطها في منطقة الساحل، ناهيك عن انتقال أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب من منطقة الشرق الأوسط إلى إفريقيا في ضوء الهزائم التي تعرض لها تنظيم “داعش”.

مجمل القول، يُعد مشهد القتال بين كل من تنظيم “القاعدة” و”داعش” ليس بالجديد. فقد تكرر ذلك المشهد في اليمن وسوريا والصومال وأماكن أخرى. غير أن العلاقة بينهما في منطقة الساحل كانت تتميز بحالة من الاستثنائية القائمة على التعايش المشترك والتمدد بلا صراع، ومع وصول القائد الجديد لتنظيم “داعش” “أبي إبراهيم الهاشمي القرشي”، تحولت تلك الاستراتيجية إلى الصراع من أجل النفوذ، إذ يسعى الأخير لإثبات حضوره كمنافس قوي للقاعدة في الساحات الاستراتيجية المهمة.

تقى النجار
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة