مقال تحليلي

توظيف أزمات الهوية: تركيا بين أطلال العلمانية ومساعي الخلافة العثمانية

يعد صراع الهوية المستمر داخل الساحة التركية مدخلًا هامًّا لفهم طبيعة المشروع العثماني الجديد، وإخضاعه للتحليل العلمي والأكاديمي، هذا بالإضافة إلى أهميته في الإجابة عن عدد من التساؤلات التي تجعل من هذا الصراع والمشروع قابلًا للصدام أو التحالف أو التقاطع مع بقية المشروعات الإقليمية، ومهددًا لمصالح عدد غير قليل من الفاعلين على مسرح عمليات الشرق الأوسط. بدت هذه الأهمية بوضوح في الفترة التي أعقبت تولِّي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه ذي المرجعية الإسلاموية مقاليد الحكم على أطلال الجمهورية العلمانية ومؤسسها أتاتورك الذي بنى مشروعه السياسي على أطلال الخلافة العثمانية وتاريخها الممتد من الهيمنة والتوسع والاحتلال والغزو، وما نتج عنها…

جلال نصار

يعد صراع الهوية المستمر داخل الساحة التركية مدخلًا هامًّا لفهم طبيعة المشروع العثماني الجديد، وإخضاعه للتحليل العلمي والأكاديمي، هذا بالإضافة إلى أهميته في الإجابة عن عدد من التساؤلات التي تجعل من هذا الصراع والمشروع قابلًا للصدام أو التحالف أو التقاطع مع بقية المشروعات الإقليمية، ومهددًا لمصالح عدد غير قليل من الفاعلين على مسرح عمليات الشرق الأوسط. بدت هذه الأهمية بوضوح في الفترة التي أعقبت تولِّي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه ذي المرجعية الإسلاموية مقاليد الحكم على أطلال الجمهورية العلمانية ومؤسسها أتاتورك الذي بنى مشروعه السياسي على أطلال الخلافة العثمانية وتاريخها الممتد من الهيمنة والتوسع والاحتلال والغزو، وما نتج عنها من انكسارات وهزائم ومذابح واشتباك مع القوميات والأعراق وعمليات السلب والنهب والتدمير للثروات والهويات الأخرى بالإقليم.

ويعد صراع الهوية مدخلًا هامًّا لفهم كل القرارات والتحركات والسياسات الأخيرة لأردوغان ونظامه وإثارتها لما أطلق عليه في الغرب “الفوضى القانونية الدولية” في شمالي سوريا والعراق ومنطقة شرق المتوسط، بالإضافة إلى استفزاز أردوغان لليونان وقبرص وفرنسا وتحديه للاتحاد الأوروبي وإثارته للخلاف والجدل داخل حلف الناتو، واستخدامه ورقة الجماعات الإرهابية المسلحة وتحريكها على مسارح العمليات المختلفة وآخرها كان في الغرب الليبي والتمدد في دولتي مالي والنيجر ودول الساحل والصحراء، ومحاولات أنقرة التأثير والسيطرة على مسارح العمليات البحرية في المنطقة، ودول الأطراف في المنظومة العربية مثل الصومال وجيبوتي واليمن وموريتانيا، وبالتبعية صدامها مع كبريات الدول داخل المنطقة العربية، مثل: مصر، والسعودية، والإمارات، التي تتعارض السياسات التركية مع مصالحها المباشرة وغير المباشرة، بالإضافة إلى كونها تهدد الاستقرار الإقليمي لكل دول الجوار. وقد اعتمد الرئيس التركي بصورة متكررة على استخدام ما يُمكن أن نطلق عليه “حروب الهوية” كوقود لمشروعه السياسي القائم على استغلال جميع الأدوات المتاحة تحت تلك المظلة، وفي مقدمتها “جنود الخلافة” المتمثلة في عناصر جميع الجماعات الإرهابية المسلحة في المنطقة والعالم.

حتى الدراما التي ترتبط بالأمجاد والرموز العثمانية التاريخية يتم توظيفها داخليًّا وخارجيًّا لإحياء المشروع والترويج للفكرة وإدارة الحروب والصراعات المذهبية. ولعل التقرير الذي نشرته مجلة “فورين بوليسي” مؤخرًا عن التأثير الذي خلّفه مسلسل “أرطغرل” التركي في عدد من الدول الإسلامية يصب في هذا الاتجاه، حيث أشارت المجلة إلى غزو الدراما التركية لباكستان التي تحتلّ مكانة خاصة في الاستراتيجية الأمريكية لمحاربة الإرهاب ووجودها في بؤرة صراع واهتمام كل من الهند والصين. وأشارت المجلة إلى حرص أردوغان على زيارة أستديوهات تصوير المسلسل الذي تم توزيعه في 72 دولة حول العالم برعاية حزب العدالة والتنمية، واصفًا تأثير المسلسل بأنه “دخل قلب الأمة الإسلامية”.

معضلة التاريخ والجغرافيا

في الذكرى الثامنة والسبعين لوفاة مؤسس تركيا الحديثة كمال أتاتورك عام 2016، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام حشد من مؤيدي مشروعه: «نذكر بالرحمة قائد حرب الاستقلال وباني جمهوريتنا ورئيسها الأول الغازي مصطفى كمال»، واستدرك قائلًا: «نتصدى للذين يحاولون تحديد تاريخ دولتنا وأمتنا بتسعين سنة، ويجب أن نتخذ كل أنواع التدابير بما فيها مراجعة الكتب المدرسية بدءًا من الابتدائية». وأكد أنه “لا يمكننا أن نسجن في 780 ألف كلم، فحدودنا الطبيعية شيء وحدودنا العاطفية شيء آخر”، وهو توجه ينطبق تمامًا على تصريحاته الأخيرة بعد ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان ومن قبلها الترسيم بين مصر وقبرص. وأهمية هذا التقسيم المعترف به دوليًّا أن الجزر اليونانية القريبة فرضت حصارًا جغرافيًّا واقتصاديًّا على تركيا، ووضعتها أمام مساحات بحرية محدودة، وأصبحت بمثابة قضبان يقبع خلفها طموح وأحلام أردوغان في التوسع والسيطرة والاستحواذ على ثروات المنطقة.

هذا التصريح عن تاريخ الدولة وحدودها كان كاشفًا لملامح مشروع أردوغان، حيث أكد من خلاله على أمرين: ثقته بترسيخ أيديولوجيته في المجتمع، ورغبته في الانطلاق إلى المرحلة الثانية من الدولة التركية، وعودة الدور والحق التاريخي من وجهة نظره وقناعاته، واتساقًا مع مفهوم الخلافة لدى أجداده الذي يتناقض مع ميراث وفكر أتاتورك الذي عمق من مفهوم الطورانية عرقيًّا، حيث دأب حزب العدالة والتنمية على تغيير ديناميات المجتمع التركي، ونقله من مفهوم الطورانية الضيقة إلى مفهوم العثمانية الأوسع أو ما أطلق عليه حينذاك “العثمانية الجديدة”، فالدولة الكمالية تأسست على ترسيخ المفهوم الطوراني كشخصية للوطن الجديد، وعلى قطع الصلات مع العثمانية التي كانت تشكل الوعي العام. فالكمالية استطاعت أن تخلق هوية وطنية غيرت فيها الذاكرة الجمعية للأتراك، وأرست مفاهيم جديدة تعود إلى الإرث الطوراني (العرق)، ومن خلاله عملت على إعطاء المشروعية لمشروعها الوطني، بهذه الهوية الكمالية تحول الإسلام من جامع للأعراق إلى دين شعائري لا غير في وطن طوراني تجتمع فيه الأعراق على حب وطن جديد، حدوده ثابتة، وعلاقاته تتأسس على البعد عن الصراعات، والتقارب مع الغرب، والنأي عن مشكلات الشرق الأوسط المجاور. هذه الهوية الوطنية ثبتها أتاتورك بالحديد والنار وبدماء الأكراد، والأرمن، وكل من عارضه حتى ولو كان طورانيًّا.

كلمات الرئيس التركي لم تكن جديدة على الساحة التركية، بل نادى بها قبله إسلاميون تعاقبوا على حكم تركيا، ومنهم عدنان مندريس وبعده بشكل لافت نجم الدين أربكان الذي كان ينادي بالهوية الإسلامية الجامعة، وبإزالة الحدود المصطنعة، واستعادة الإمبراطورية العثمانية، لكن الجديد في كلمات أردوغان أنه ليس مثل أربكان على الإطلاق، بل هو يبني هوية وطنية تختلف عن النظرية الإسلامية التقليدية التي لا تؤمن بالحدود التي أقامها الاستعمار، ولا تؤمن بالهوية الوطنية، بل تطمح للإمبراطورية أو الخلافة الإسلامية اتساقًا مع مفهوم التنظيم الدولي للإخوان المسلمين الذي يعد أردوغان وحزبه أحد أهم أركانه و”كل رجال نظامه” المحيطين به ينتمون فكريًّا وتنظيميًّا لهذا التيار والفكر، وما تم من إعادة هيكلة للجيش وقياداته بعد محاولة الانقلاب الفاشل في 2016 تم وفقًا لهذا المفهوم؛ وهو فكر في جوهره يتناقض مع مفهوم “الدولة الوطنية”، ولا يعترف بالحدود والسيادة الوطنية، ويرفع راية عودة الخلافة والخليفة، وهو أيضًا ما يفسر لماذا ينتفض الرئيس التركي كلما لاح له في الآفق أن هناك من يهدد هذا الحلم وهذا الوعد، ويرى فيه انقلابًا على الفكرة والمشروع، وأن الأمر يوجه له بشكل شخصي ويهدد المصالح التركية لأنه لا يرى فارقًا بين طموحه الشخصي ومصالح دولته وشعبها. وفي هذا الإطار يمكننا أن نفسر موقفه من ثورة 30 يونيو 2013 في مصر التي أوقفت عجلة دوران وتمدد وانتشار الفكرة والمشروع الإخواني العثماني.

محركات الصراع

استنادًا إلى ما سبق، يثار تساؤل هام، وهو: كيف يمكن تفسير هذا التحول السريع في مجتمع عاش فترة طويلة تحت المظلة العلمانية طبيعة الصراع الذي يعيشه هذا المجتمع ويؤثر على تماسكه وسياساته؟ ففي الوقت الذي اختار فيه الناخب التركي حزب العدالة والتنمية ليقود التوجهات السياسية والتنموية التركية، سعت قوى معارضة -حينذاك- لدى المحكمة الدستورية العليا التركية لحظر هذا الحزب ومنع قياداته من العمل العام، بدعوى أن العلمانية هي جوهر وأساس الدستور التركي، في حين أن حزب العدالة والتنمية يرفع شعارات إسلامية، ولم يقتصر الأمر على اللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا، بل إن المحاولات امتدت إلى تدبير انقلاب عسكري على الحكومة، والسعي إلى استخدام العنف وإثارة القلاقل وزعزعة الاستقرار السياسي، وهي المحاولات التي تمكنت أجهزة أردوغان الأمنية من اكتشافها وإحباطها. وتعكس كل هذه الأمور حقيقة الصراع والجدل بين الشرعية السياسية التي تجسدت في التأييد الانتخابي الذي حصل عليه حزب العدالة والتنمية من جانب، والشرعية الدستورية والقانونية التي تتجسد في أن العلمانية هي أساس الدولة التركية التي أنشأها كمال أتاتورك على غرار النموذج الفرنسي.

وكان لذلك الجدل تداعيات هائلة على الداخل التركي وعلى الاختيارات الإقليمية للدولة التركية؛ فالقوى التي اختارت حزب العدالة والتنمية تفضل الاحتماء بالهوية الإسلامية وإحياء ذلك المكون في الهوية التركية الذي ظل كامنًا منذ أن أطاح أتاتورك بالخلافة الإسلامية، وحاول محو الهوية الإسلامية، لكنه لم يستطع أن يمحوها، بل ظلت كامنة تنتظر من يوقظها. وقد حاولت قيادات وقوى سياسية قبل حزب العدالة والتنمية أن تتحدى القوى الحامية للعلمانية في تركيا، لكنها فشلت في ذلك التحدي، حيث تدخلت المؤسسة العسكرية لتمنع ظهور الهوية الإسلامية مرة أخرى، وتؤكد انتماء تركيا الغربي وهويتها الأوروبية خاصة بعد سنوات من المحاولات المتكررة والفاشلة لأن تصبح تركيا عضوًا في الاتحاد الأوروبي وما ترتّب على تلك المحاولات من تعديلات في القوانين والتشريعات وتجميل للصورة الذهنية للدولة، وهو الأمر الذي عمّق الصراع الداخلي بين الجسد الإسلاموي والزي والمظاهر الغربية الأوروبية.

في مايو 2005 وخلال مقابلة معه في إسطنبول، أكد صمويل هنتنجتون أن فرص قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي غير موجودة “بما أن الأمم الأوروبية مستمرة في الاعتقاد بأن الشعب التركي ليس أوروبيا ثقافيًّا، لذا لن يسمحوا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي”. وقد أدى هذا التصريح إلى جدال بين الأتراك: هل الأتراك جزء من الثقافة الأوروبية أم لا؟ وإن كان لا فمن نحن؟ ولكن الأتراك أدركوا حينذاك وربما قبلها حجم الفجوة والفراغ وصراع الشكل والمضمون.

المسألة الكردية والعلوية

يتوزع ويتنوع الأكراد الذين يبلغ عددهم حوالي 40 مليون نسمة على امتداد تركيا وإيران والعراق وسوريا، من حيث اللغة والثقافة والدين والسياسة، ومع ذلك تجمع غالبيتهم تجربة المعاناة من الاستبعاد والقمع المنهجي في تركيا وإيران، وتشير التقديرات إلى أن عدد أكراد تركيا يتجاوز 15 مليونًا، أي ما يقرب من 20% من سكان البلاد. هم أيضًا عانوا من القمع المنهجي بطرق مختلفة. كافح الأكراد الأتراك من أجل الاعتراف الرسمي بحقوقهم الثقافية والسياسية منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، وبحلول الثمانينيات أصبح الوضع غير مقبول إلى درجة أنه شهد صعود “حزب العمال الكردستاني” الذي قاد تمردًا مسلحًا ضد الدولة التركية، وأودى الصراع لاحقًا بحياة أكثر من 40 ألف شخص. إن الاندفاع نحو العنف تجاه الأكراد من قبل الدولة التركية يثبت أن أحقاد التاريخ يمكن أن تؤثر في الواقع، حين تعجز الأنظمة السياسية عن إعادة تعريف هويتها الجامعة، في ظل تغيرات دولية كبرى.

لا يُمكن فهم هذا العنف التركي المبالغ فيه تجاه أكراد سوريا والعراق، واندفاع تركيا لاحتلال أجزاء كبيرة من الدولتين السورية والعراقية، إلا باستحضار معضلة تركية قديمة، وهي الهلع التركي من التنوع العرقي أو الديني أو المذهبي للشعب التركي، والسعي التاريخي الدائم لجعل القومية التركية هي الحاكم المطلق الذي يُشكل هوية الدولة التركية. ما يقوله التاريخ هو أن الدولة التي تعتمد هويتها القومية على معاداة شريحة مهمة من شعبها ومواطنيها ستظل تعيش قلقًا مستمرًّا، واستقرارًا مهددًا على الدوام. والقومية التركية التي تُعد مرتكزًا أساسيًّا للدولة التركية الحديثة تعبر عن نفسها بشكل كبير عبر معاداة الأكراد، أو القومية الكردية. وهي لا تعترف أبدًا بوجود غير المسلمين أو غير السنة من شعبها، مثل العلويين، وبالتالي بقيت هويتها القومية عنصر تفريقٍ لا عنصر جمعٍ وتوحيدٍ.

دفع هذا العداء المستحكم والحقد التاريخي التركي ضد الأكراد الجيش التركي إلى درجة استخدام الأسلحة المحرمة دوليًّا في مهاجمة الأكراد السوريين داخل حدود الدولة السورية، والسعي بالقوة العسكرية إلى تغيير التركيبة الديموجرافية لمواطني شمال شرقي سوريا. إن ما تخشاه تركيا حقيقة ليس الأكراد في العراق وسوريا، بل الأكراد داخل تركيا، إذ تعتبر أي صعودٍ لقوة الأكراد في البلدين تهديدًا داخليًّا لها، لأنه قد يوقظ الطموح الكردي داخل تركيا للمطالبة بحقوق مواطنة كاملة، وهي تعتقد أن هذا يُشكل تهديدًا للهوية القومية التركية.

أما العلويون فتتضارب تقديرات أعدادهم، بحسب جهة الإحصاء، في رئاسة الشئون الدينية في تركيا تقدر عددهم بسبعة ملايين، لكن العلويين أنفسهم يقولون إن تعدادهم يصل إلى أكثر من 20 مليونًا؛ لكن هذا العدد الكبير لا يشفع لهم بحماية أنفسهم، فالعلويون في تركيا يشتكون من أنهم يتعرضون لاعتداءات ممنهجة تستهدف بيوتهم ودور عبادتهم. وإمعانًا في الاضطهاد لهذا العدد الكبير من سكان البلاد، يتم تعريف العلوية بشكل يوصف بالتمييز في بعض الكتب الدراسية في تركيا. ففي كتاب صادر في عام 2016 أرسلته وزارة التربية والتعليم إلى جميع المعلمين، جرت الإشارة إلى العقيدة العلوية بأنها مذمومة وفاسدة، ويستخدم مصطلح العلوية أو العلويين في تركيا للإشارة إلى طوائف الشيعة كافة، مثل: “العلوية” وهم علويو الشام والإسكندرونة، والجعفرية، والإسماعيلية، والنزارية، والكيسانية، والقرامطة، والقزلباش، والباميرية، بينما العلوية الأناضولية تختلف عن الشيعة، خاصة عن الطائفة العلوية المنتشرة والمعروفة في بلاد الشام.

يقول أوزجان أوغوت، وهو مؤلف كتاب “العلوية المقبولة”، وكتاب “مجزرة العقيدة العلوية”: “لم يتم الاعتراف بالعلويين قط على أنهم مواطنون يتمتعون بالمساواة في هذا البلد. ولكن في السنوات الأخيرة، كانت هناك زيادة هائلة لم يسبق لها مثيل في الضغوط والهجمات التي يتعرض لها العلويون”، ولطالما كان العلويون من أشد المعارضين لحكومة الإسلاميين تحت قيادة أردوغان. وعندما خرج مئات الآلاف إلى الشوارع في أنحاء البلاد في عام 2013 فيما عُرف باسم “احتجاجات متنزه غيزي”، كان الكثير من العلويين يتصدرون المظاهرات، وقالت صحيفة “ملييت” نقلًا عن تقرير للسلطات الأمنية والاستخباراتية التركية حينذاك: “ما يقرب من 80% من المحتجين الذين اعتقلوا في إطار احتجاجات متنزه غيزي كانوا علويين”.

الهجمات باتت شائعة في أنحاء تركيا ضد العلويين. وقد طالب كمال بلبل -عضو حزب الشعب الجمهوري المعارض في البرلمان- بإجابات من وزير الداخلية سليمان صويلو، وقال بلبل في سؤال برلماني للوزير: “في كثير من المناطق على مستوى تركيا، تتعرض البيوت التي تخص العلويين منذ سنوات للتمييز بعلامات (×) ورسومات وكتابات على الجدران تنم عن الكراهية من قبل أشخاص مجهولين. إزمير واحدة من تلك المدن. ووفقًا للسجلات الرسمية، للفترة بين العامين 2012 و2019، ثمة 16 منزلًا يخص العلويين في ثماني مناطق في إزمير جرى تمييزها بعلامات (×) وتهديدات بالقتل، وتعرض 62 شاهدًا من شواهد قبور العلويين للهجوم والتدمير في منطقتين”.

وفي عام 2016، قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن العلويين في تركيا محرومون من الحق في حرية الدين ويتعرضون للتمييز، ورأت هيئة قضاة المحكمة أن العلويين “تعرضوا للتفرقة في المعاملة دون أي مبرر موضوعي أو معقول”.

على امتداد الإمبراطورية العثمانية، لا يبدو أن الدولة التركية تمتلك قدرة على التعامل مع الاختلاف إلا بالعنف، والاستعداد الدائم لارتكاب المجازر والمذابح، فمن يستحضر تعامل العثمانيين ومذابحهم للأرمن ومذابحهم لليونانيين وغيرهم، ويقارن ذلك بتعامل الدولة التركية الحديثة مع أقلياتها، لا يكاد يجد فوارق تذكر ولا فرق بين أتاتورك وبين أردوغان وجدوده العثمانيين في التعامل مع الأكراد والعلويين والأقليات.

الاستغلال السياسي لآيا صوفيا

كان لقرار أردوغان بتحويل متحف “آيا صوفيا” الشهير إلى جامع وهو المكان الذي كان مقرًّا لكنيسة أرثوذكسية يونانية أثر كبير في اللعب على الوتر العاطفي الإسلاموي، ومداعبة مشاعر المتطرفين وتدعيم الصورة الذهنية للخليفة الذي يحاول أن يستعيد أمجاد الخلافة في مواجهة الأعداء والخصوم الدينيين واستخدام واضح لفكرة الهوية كأداة للصراع مع الآخر.

القواعد الاجتماعية التركية المحافظة، القومية المتدينة، هي أولى الجهات والقوى الداخلية التي يخاطبها أردوغان عبر سياساته هذه؛ فهذه الكتلة الاجتماعية والانتخابية هي الأكثر تأثرًا بمثل هذه التوجهات والألاعيب الرمزية المتمثلة في حروب الهوية وسياسات الصراع الثقافي، وخاصة الكتل الاجتماعية الأقل تعليمًا وحداثة ومدنية، من سكان مناطق الأناضول الوسطى، التي يعتبرها أردوغان خزانه البشري والانتخابي والسياسي، الذين صاروا كثيري التذمر خلال السنوات الخمسة الماضية، بسبب آثار الأزمات الاقتصادية على تفاصيل حياتهم اليومية.

كذلك فإن حروب الهوية هي بمثابة خطاب سياسي يهديه أردوغان لامتداداته السياسية في دول المنطقة، وخاصة جماعات الإخوان المسلمين وما شابههم من قوى سياسية. تلك التنظيمات التي تحمل خطابًا مركزيًّا عموميًّا، يعتبرونه البرنامج السياسي لتوجههم السياسي إقليميًّا؛ ففي كل من تونس وسوريا وفلسطين، وحتى في مصر ولبنان والأردن والعديد من الدول الأخرى، يستلهم الإسلاميون من جماعات الإخوان دومًا قضية ما، مهما كانت مختلقة ومزيفة، ويسعون جاهدين للإيحاء وكأنها “قضية الإقليم”، تساعدهم في ذلك شبكة ضخمة من الأجهزة الدعائية والإعلامية، حروب الهوية والرموز هي أكثر الأدوات التي تستخدمها في ذلك السياق، لأنها الأكثر قابلية على تغطية طبيعة مساوماتهم وتوافقاتهم السياسية مع القوى التي يدعون محاربتها.

إن توجهات الرئيس التركي في هذا المنحى تستهدف توجيه رسائل مبطنة إلى القوى الغربية، وخاصة الأوروبية، شبيهة باستخدامه لملف النازحين السوريين والإيغور والأفغان، فهو يعتبر الحروب والصراعات الثقافية والدينية أداة بيده، يستطيع تسعيرها في مواجهة الغرب وقتما يرغب، وأنها أداة لتصعيد القوى اليمينية الأوروبية غير الديمقراطية، التي تناقض أردوغان ظاهرًا، وتتكامل معه جوهرًا، حيث يسعى للحصول على تنازلات من هذه الدول الأوروبية، فقط للتخفيف من مستويات هذا التصعيد الديني والرمزي.

انعكاس الصراع على وسائل الإعلام والصحافة

انعكست صراعات الهوية أيضًا على خريطة وتوجهات وسائل الإعلام التركية، وكذلك على طبيعة الممارسات الديكتاتورية التي تقودها حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حتى إنها احتلت المراكز الأولى في معظم التقارير الدولية التي تهتم بحرية التعبير والصحافة والإعلام في تركيا.

تشكل وسائل إعلام التيار الإسلامي أهمية كبرى للطرق الدينية في تركيا، سواء كوسيلة للتأثير أو قناة للتعبير عن الرؤى التي تطرحها بشأن تصوراتها لمستقبل المجتمع التركي في ظل سعيها لتقويض محددات النظام العلماني تجاهها. أما وسائل الإعلام العلمانية فتنتهج سياسة إعلامية تركز على دعم النظام العلماني في تركيا الذي أرسى دعائمه أتاتورك، ومواجهة التيار الإسلامي ومحاربة أفكاره ودعواته المستمرة لإعادة الهوية الإسلامية لتركيا.

ويُعد الاتجاه اليميني العلماني؛ الاتجاه السائد والمسيطر على الصحف ووسائل الإعلام التركية الأخرى، لأن مؤسساته هي الأكثر عددًا، وصحفه إجمالًا هي الأكثر توزيعًا وتأثيرًا من الاتجاهات الأخرى، ويبلغ حجم احتكاراته نحو 60% من اجمالي قطاع الإعلام التركي. وغالبًا ما تكون وسائل الإعلام التركية ميدانًا للصراع بين تيارين متضادين؛ التيار الإسلامي المناوئ للعلمنة من جهة، والتيار العلماني الذي يسعى إلى فرض هيمنته بالقوة على كل مناحي الحياة من جهة أخرى، حيث كانت وسائل الإعلام لكلا التيارين أدوات صراع الهوية البارزة بين العثمنة والعلمنة، وقد ساعد تراجع سيطرة قيادة الجيش في السنوات القليلة الماضية على التحكم في المشهد السياسي في زيادة انتشار وسائل الإعلام الإسلامي، وتنامي تأثيرها على الرأي العام التركي كمنافس، قياسًا بالمرحلة الماضية التي كانت تفرض فيها وسائل الإعلام العلمانية هيمنتها على الرأي العام التركي دون منافس. ورغم تنامي دور وسائل الإعلام الإسلامي بشكل غير مسبوق، إلا أنها ما تزال تواجه منافسًا قويًّا يمتلك من عناصر القوة الكثير، خاصة على صعيد الحرفية وامتلاك المهارات والكوادر والتقاليد، ما ينبئ بأن صراع الهوية في تركيا بين التيارين العلماني والإسلامي، الذي تشكل وسائل الإعلام سلاحه الفاعل، سيستمر طويلًا.

جلال نصار