loader

استئناف الحوار الليبي.. التخوفات والمآلات

انطلق يوم الأحد الماضي (6 سبتمبر 2020)، وعلى مدار يومين، الحوار الليبي في مدينة بوزنيقة، ضواحي العاصمة المغربية الرباط، حيث اجتمع خمسة أعضاء من كل من مجلسي النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة، من أجل الوصول إلى تفاهمات حول توزيع المناصب السيادية والتمهيد لحوار سياسي، برعاية أممية، ستحتضنه مدينة جنيف السويسرية. ومن المتوقع أن يستضيف المغرب في وقت لاحق لقاء بين رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، ورئيس برلمان طبرق، عقيلة صالح، عندما تنهي اللجان أعمالها. إذا كان الهدف من اجتماع بوزنيقة هو تثبيت وقف إطلاق النار وفتح مفاوضات لحل الخلافات بين الفرقاء الليبيين من أجل الوصول إلى تسوية سياسية، فلابد…

وفاء صندي

انطلق يوم الأحد الماضي (6 سبتمبر 2020)، وعلى مدار يومين، الحوار الليبي في مدينة بوزنيقة، ضواحي العاصمة المغربية الرباط، حيث اجتمع خمسة أعضاء من كل من مجلسي النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة، من أجل الوصول إلى تفاهمات حول توزيع المناصب السيادية والتمهيد لحوار سياسي، برعاية أممية، ستحتضنه مدينة جنيف السويسرية. ومن المتوقع أن يستضيف المغرب في وقت لاحق لقاء بين رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، ورئيس برلمان طبرق، عقيلة صالح، عندما تنهي اللجان أعمالها.

إذا كان الهدف من اجتماع بوزنيقة هو تثبيت وقف إطلاق النار وفتح مفاوضات لحل الخلافات بين الفرقاء الليبيين من أجل الوصول إلى تسوية سياسية، فلابد من الإشارة بداية إلى أن اختيار المغرب، الذي سبق واحتضن اتفاق الصخيرات 2015، لعقد هذا اللقاء نابع من كونه (المغرب) حليفا موثوقا من كل الأطراف الليبية، وهو يسعى لحل الأزمة الليبية عبر المسار السياسي. وقد أكد وزير الخارجية المغربي في أكثر من مناسبة أن لا أجندة للمغرب في ليبيا، وليس لديه حل مغربي للأزمة، بل لديه فقط إرادة صادقة لمساعدة الإخوة الليبيين من أجل الدخول في نقاش لإيجاد حل ليبي لأزمتهم، عبر مواكبة عمل الأمم المتحدة.

اللقاء الذي عُقد في المغرب؛ والذي أفسح المجال لحوار ليبي ليبي دون تدخل في جدول الأعمال ولا في المحادثات؛ لا يشكل مبادرة موازية لجهود الأمم المتحدة وإنما مكملة لدور الأخيرة في القضية الليبية. وتصب جهود الأمم المتحدة في استئناف محادثات جنيف، قريبا، ومناقشة تفعيل وتعديل المادة 15 من اتفاق الصخيرات فيما يخص المناصب السيادية وتقليص المجلس الرئاسي وفصل الحكومة عن المجلس الرئاسي إلى جانب تفعيل ملحق الترتيبات الأمنية الوارد في اتفاق 2015، والذي يقضي بحل الميليشيات المسلحة غير النظامية وتسليم أسلحتها إلى مؤسسات عسكرية نظامية. 

بعدما هدأت نسبيا ماكينة الحرب في ليبيا عقب إعلان وقف إطلاق النار، وتغير التموقعات الميدانية، وبعدما نجحت الجهود والمبادرات التي قادتها قوى إقليمية ودولية من أجل إقناع طرفي النزاع على الانخراط في الحوار، فإن هناك آمال كبيرة معقودة على نجاح المسار السياسي للأزمة، والاتفاق على خارطة طريق تنتج حكومة وحدة وطنية، يكون على رأس مهامها تنظيم انتخابات عامة، تنتهي معها المرحلة الانتقالية التي طال أمدها. لكن، ومع ذلك تبقى هناك تخوفات حقيقية تهدد هذا المسار. 

التخوف الأول، من عدم التوصل إلى توافق خاصة فيما يتعلق بالجوانب الأمنية التي سيتم معالجتها في اجتماعات جنيف. المسار الأمني هو المسار الأهم لأنه القادر على توحيد المؤسسة العسكرية، وإنهاء انقسامها، وإنهاء فوضى السلاح وانتشار المليشيات المسلحة. ومع عدم الحسم في هذا الجانب، يصعب الحديث عن نجاح أي حوار سياسي يذهب إليه الفرقاء في المغرب أو غيره. 

التخوف الثاني، مرتبط بخط سرت- الجفرة الذي تقف عنده قوات الجيش الوطني الليبي، وتعتبره مصر “خطّا أحمر”، فيما تسعى قوات الوفاق بدعم من تركيا لتجاوزه. وقد أدت الاتصالات الدولية، خاصة الأمريكية، إلى فرض واقع جديد، يقوم على إلزام الدول المعنيّة منع طرفي النزاع من القيام بتحركات أحادية تتجاوز هذا الخط، بما يتفادى إشعال معركة كبرى. ومع عدم توصل اللجنة العسكرية المشتركة (5 + 5) لتوافق واضح بخصوص هذه المنطقة الحيوية فهذا يعني فشل أي مبادرة سياسية لاحقة.

التخوف الثالث، مصدره الانقسامات الداخلية داخل المؤسسات الليبية؛ فمجلس النواب منقسم على نفسه، ولا يملك من أعضائه ما يحقق النصاب القانوني لاتخاذ أي قرار في المغرب أو جنيف. ما يعني ضرورة لم الشتات الداخلي قبل الحديث عن أي مبادرة لحل الأزمة والتي يجب أن تكون محط إجماع المؤسسة ككل وإلا ستكون مبادرة محكوم عليها مسبقا بالفشل. وذات الشيء بالنسبة لمجلس الدولة الذي يعاني هو الآخر حالة خلاف وانقسام. فقد فتحت التغييرات التي أجرتها حكومة الوفاق في مناصب مهمة من ضمنها وزيري الدفاع والداخلية، لمواجهة المظاهرات الشعبية التي خرجت احتجاجا على سوء الخدمات العامة، والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، فتحت الباب على مصراعيه للصراع بين الحلفاء، بما سيؤثر لا محالة على مآل المشاورات. 

التخوف الرابع، نابع من كون نجاح المشاورات وتنزيل مخرجاتها لا يتوقف على الأطراف الليبية وحدها، وإنما أيضا على القوى المؤثرة في الميدان خاصة تركيا. خروج هذه الأخيرة من عدمه من ليبيا هو ما سيحدد مآل المشاورات السياسية في بوزنيقة والعسكرية في جنيف. يتعين على جميع الأطراف الاقتناع بأن نجاح المشاورات مرهون بإبعاد انقرة التي يمكن أن تتسبب في انفجار الوضع عسكريا مرة أخرى في ليبيا.

في الختام، وعلى الرغم من كل هذه التخوفات، يبقى ضمان الهدنة الدائمة ضرورة قصوى، طالما الحسم العسكري بات غير مسموح به دوليا، وتبقى المساعي التفاوضية، على صعوبتها وتعقيداتها، هي السبيل الوحيد للدفع بالأزمة الليبية نحو الحل الدائم والنهائي المأمول. 

نقلا عن جريدة الأهرام، 10 سبتمبر 2020. 

وفاء صندي

مقالات أخرى للكاتب