loader

الشمال اللبناني.. وهواجس أمنية مشروعة!

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

السيارة المجهولة التي ظهرت دون مقدمات في بلدة «كفتون»، الواقعة بالشمال اللبناني، كان يستقلها 4 أشخاص مسلحين يبدو أنهم ضلوا طريقهم المرسوم مما أوقعهم في مواجهة ثلاثة من عناصر الشرطة المحلية، بسبب عدم حمل السيارة للوحات معدنية، فاضطر من فيها إلى فتح النار عليهم جميعاً ليسقطوا على الفور ضحايا لتلك المفاجأة غير المحسوبة من جانب هذه العناصر الغريبة عن المنطقة. هذه الحادثة وقعت في 21 أغسطس الماضي، ومثلت حينها لاستخبارات الجيش اللبناني جرس إنذار بأن هناك في الشمال والبقاع الأوسط اختراقات من نوع جديد بعد فترة طويلة من الهدوء النسبي، خاصة فيما يخص النشاط الإرهابي المسلح. بعد تكثيف عمليات جمع…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

السيارة المجهولة التي ظهرت دون مقدمات في بلدة «كفتون»، الواقعة بالشمال اللبناني، كان يستقلها 4 أشخاص مسلحين يبدو أنهم ضلوا طريقهم المرسوم مما أوقعهم في مواجهة ثلاثة من عناصر الشرطة المحلية، بسبب عدم حمل السيارة للوحات معدنية، فاضطر من فيها إلى فتح النار عليهم جميعاً ليسقطوا على الفور ضحايا لتلك المفاجأة غير المحسوبة من جانب هذه العناصر الغريبة عن المنطقة. هذه الحادثة وقعت في 21 أغسطس الماضي، ومثلت حينها لاستخبارات الجيش اللبناني جرس إنذار بأن هناك في الشمال والبقاع الأوسط اختراقات من نوع جديد بعد فترة طويلة من الهدوء النسبي، خاصة فيما يخص النشاط الإرهابي المسلح. بعد تكثيف عمليات جمع وتحليل المعلومات في نطاق تلك الدائرة الجغرافية، تبين أن السيارة المستخدمة في جريمة «كفتون» تخص إرهابياً لبنانياً كامناً يدعى «خالد التلاوى»، وأن «التلاوى» بدأ من داخل أحد الملاذات الآمنة بالقرب من تلك المنطقة، يدير خلية إرهابية جميع عناصرها لها ارتباط بتنظيم “داعش”. 

السبت الماضي؛ تمكنت مديرية المخابرات التابعة للجيش اللبناني من الوصول إلى أعضاء تلك الخلية، وتمكنت بنجاح من إلقاء القبض على عناصرها، وبدا أنها تمكنت أيضاً، وفق المعلومات التي توافرت لها، من الوصول إلى أماكن إخفاء الأسلحة والذخائر التي كانت الخلية قد استطاعت تهريبها، استباقاً لتنفيذ مخطط يقضى بتنفيذ سلسلة من الهجمات الإرهابية على أهداف بالداخل اللبناني. هذا الإعداد الذي قامت به الخلية شمل تنفيذ بعض من جرائم السرقة، بهدف تمويل نشاط وعمل تلك الخلية، التي تلقى أعضاؤها تدريبات عسكرية سابقة في سوريا بالنظر إلى جنسية عدد من عناصرها، وبطبيعة الانتماء إلى التنظيم الذي اضطر عدد ليس بالقليل من عناصره للانتقال خارج سوريا بعد تلقيه لهزيمته الكبرى هناك. هنا يبدو أن الشمال اللبناني صار منذ فترة محط أنظار ومسار يجرى اختباره، ليس للتسلل وحده بل للارتكاز والبحث عن مصادر التمويل، ومن ثم التخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية قد تبدأ محدودة لكنها لن تلبث أن تدفع الشمال اللبناني إلى دوامة من الفوضى والتهديد الجسيم في حال نجح التنظيم في تنفيذ مخططه، باستغلال انشغال الداخل اللبناني بالحراك الشعبي الواسع والمتجدد، وأزمة تشكيل الحكومات ومعضلة النظام السياسي الذي بات في وضع لا يحسد عليه، خاصة بعد حادث انفجار مرفأ بيروت والتوابع التي ضربت عصب النظام مثلما هو الحال في الوضع الاقتصادي.

منطقة شمال لبنان والبقاع بأقسامه، والشمالي منها بالأخص، من أكثر المناطق المهددة في الوقت الراهن لتكون ساحة بديلة لتنظيم «داعش»، ولعديد من التنظيمات الأصغر التي تنتهج جميعها منهج «السلفية الجهادية»، بعد أن صار الداخل السوري مزدحماً بالقوات العسكرية الموجودة على نحو واسع، في مناطق ظلت لسنوات تمثل فضاءً حيوياً لتلك التنظيمات. الدوريات العسكرية المشتركة الروسية والتركية، ساهمت إلى حد كبير في تضييق مساحات الحركة أمام عناصر التنظيمات الإرهابية، في الوقت الذي تتعرض فيه هذه الأخيرة إلى ضغط آخر من القوات الكردية، التي تسعى بدورها إلى تنظيف مناطق سيطرتها من الوجود المسلح للتنظيمات، بغرض محاولة الوصول إلى صفقة سياسية تضمن لها مقعداً في صناعة المستقبل المأمول. فما بين شقي تلك الرحى وغيره من الضغوط بالداخل السوري، صار البحث عن بدائل للعيش هو الجهد الرئيسي للتنظيمات التي أصبح أعضاؤها يمثلون عبئاً كبيراً لا يملك أحد من مشغليهم أفكاراً متكاملة حول مصيرهم المستقبلي. لذلك على سبيل المثال لجأت تركيا لمحاولة تنظيف مناطقها منهم، عبر إرسالهم إلى ليبيا من أجل دفعهم للانخراط في جبهة جديدة تتكفل بالإنفاق عليهم، والأهم ضمانة تشغيلهم واستهلاكهم حتى لا يرتد نشاطهم عليها.

جهاز الاستخبارات العسكرية اللبنانية تعامل بحسم وسرعة منذ وقعت حادثة «كفتون» وحتى وصوله لجميع الخيوط، ما أسهم في الإيقاع بالخلية وإجهاض مخططها. فهو يدرك أن معادلة الشمال اللبناني الأكثر معاناة اقتصادياً، تمر بحالة ضغط منذ شهور وأن ما جرى السبت الماضي هو مشهد واحد من اختلال أمنى يزحف على هامش الوضع العام الذي تمر به الدولة اللبنانية، فالسيولة الأمنية بمناطق البقاع هي حديث يومي متداول، وعمليات التهريب والسرقات تشهد صعوداً غير مسبوق أمام فرص التوظيف والتجارة المنضبطة القانونية التي تقبع في أدنى مستوياتها منذ سنوات. ثمة جرائم مستحدثة بدأت تطل برأسها أمام أجهزة الأمن اللبناني، التي باتت تواجه خطراً حقيقياً من تنامى ظاهرة السلاح غير الشرعي الحاضر حتى في الجرائم الجنائية. لذلك لم يكن هناك بد من تكثيف نشاط الاستخبارات حتى يمكن مجابهة هذا التطور، مثلما حدث في يونيو الماضي عندما وجد الجيش اللبناني نفسه أمام جريمة اختطاف لرهائن من السوريين، نفذتها عصابة لبنانية سورية مسلحة حيث قامت باحتجاز 23 شخصاً بينهم نساء وأطفال، في بلدة «بريتال» بالبقاع الشمالي، استلزم مداهمة قامت بها وحدات من الجيش اللبناني تعرضت حينها لإطلاق نيران كثيف قبل أن تتمكن من السيطرة على الوضع وتحرير الرهائن من مكانين مختلفين، بعد أن قضوا ما يزيد على 15 يوماً في الاحتجاز.

هذا نموذج لأشكال مستحدثة ومركبة من الجرائم التي باتت تجرى بدافع الحصول على الأموال، حتى وإن كانت للحد الذي لا يتصور قدرة المجني عليهم توفيره، فهم نازحون بالأساس ولا يملكون أسباب الحياة الطبيعية، لكن حتى هذا لم يكبح المجرمين المشتركين من جانبي الحدود أن يجربوا حظهم، فربما ظهر من لديه القدرة على دفع الفدية بصورة أو بأخرى. هذه الفوضى يدخل عليها اليوم التهديد الإرهابي، فالنسيج المثقل بالهموم من الأساس معرض لأن يشهد اليوم كمثيله من المناطق الأخرى في بلدان عدة التحالف غير المقدس بين التنظيمات الإرهابية ونشاط الجريمة المنظمة. وهو ما يجعل ضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة، القادرة على خوض معارك الأمن المهددة، أمراً حيوياً لا يحتمل التأخير وفق صيغة التجاذبات اللبنانية الراهنة.

نقلا عن جريدة الوطن، 7 سبتمبر 2020. 

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب