قراءات وعروض

لا وقت للاسترخاء: رؤية استخباراتية لأنماط التهديدات الرئيسية التي تواجه أوكرانيا

استعرض رئيس جهاز المخابرات الخارجية الأوكرانية “فاليري كوندراتيوك”، في مقال له بعنوان “لا وقت للاسترخاء”، نشر في موقع صحيفة “المرآة” الأوكرانية، في الأول من أغسطس 2020، أهم التهديدات الخارجية الرئيسية التي تواجه أوكرانيا، والتي حددها في مجموعة من الأنماط الرئيسية التي شملت: الحرب الهجينة، والصراع المسلح، وسياسة روسيا العدوانية حيال التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل أوكرانيا، فضلًا عن محاولات الكرملين تقويض وهدم أسس الدعم الدولي لأوكرانيا. أنماط التهديد وعلى الرغم من تنوع أنماط التهديد التي طرحها “كوندراتيوك”، إلا أن مصدرها واحد وهو روسيا، والتي يرى أنها لا تزال ترغب في عودة أوكرانيا إلى دائرة نفوذها، من خلال القضاء على هويتها…

آية عبدالعزيز
باحثة بوحدة الدراسات الأوروبية

استعرض رئيس جهاز المخابرات الخارجية الأوكرانية “فاليري كوندراتيوك”، في مقال له بعنوان “لا وقت للاسترخاء”، نشر في موقع صحيفة “المرآة” الأوكرانية، في الأول من أغسطس 2020، أهم التهديدات الخارجية الرئيسية التي تواجه أوكرانيا، والتي حددها في مجموعة من الأنماط الرئيسية التي شملت: الحرب الهجينة، والصراع المسلح، وسياسة روسيا العدوانية حيال التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل أوكرانيا، فضلًا عن محاولات الكرملين تقويض وهدم أسس الدعم الدولي لأوكرانيا.

أنماط التهديد

وعلى الرغم من تنوع أنماط التهديد التي طرحها “كوندراتيوك”، إلا أن مصدرها واحد وهو روسيا، والتي يرى أنها لا تزال ترغب في عودة أوكرانيا إلى دائرة نفوذها، من خلال القضاء على هويتها الوطنية واستقلالها داخليًّا وخارجيًّا. 

1- تهديدات عسكرية

يشير “كوندراتيوك” إلى العدوان المسلح المباشر على أوكرانيا الذي أدى إلى احتلال شبه جزيرة القرم ذات الحكم الذاتي، بجانب بعض مناطق دونيتسك ولوجانسك، حيث ألقى الضوء على ضعف أنظمة الأمن الجماعي والذي استغل البيئة المواتية التي نشأت في أوكرانيا نتيجة لأنشطة “الطابور الخامس” من أنصار الاتحاد الروسي منذ الاستقلال. ويقول “كوندراتيوك” إن هذا العدوان، وممارسات أخرى لحكم “بوتين”، ساهم في تدمير نظام الأمن الدولي والقانون الدولي بأكمله، فخلال المرحلة الحالية من الحرب الهجينة، نشرت روسيا مجموعة عسكرية حول أوكرانيا، تضم جيشين جديدين وفيلقًا عسكريًا؛ حيث تم تشكيل الجيش العشرين من فرقتين بقوة إجمالية تبلغ حوالي 24 ألف فرد، والجيش الثامن الذي يتكون من حوالي 45 ألف شخص، بما فيهم فيلقا الجيش الأول والثاني في أراضي دونباس المحتلة مؤقتًا، وفيما يتعلق بالفيلق 22 فهو تشكيل ضمن القوات الساحلية للبحرية الروسية لديه 9000 جندي، وستعمل هذه الوحدات بكامل طاقتها في المستقبل القريب.

ووفقًا للكاتب ينظر الكرملين إلى جيشه على أنه أداة لتحقيق طموحات روسيا الخارجية، وقرار غزو دولة أخرى يتوقف فقط على ملاءمة التوقيت وإتاحة الفرصة. كما أوضح أن نسبة أحدث الأسلحة من إجمالي التسليح المتاح في القوات النووية الاستراتيجية للاتحاد الروسي قد بلغت 83٪، وفي القوات الجوية والفضائية 75٪، أما القوات المحمولة جوًا والبحرية فتجاوز 63٪، وفي القوات البرية 50٪، فيما وصلت نسبة مد الوحدات بالتسهيلات والآليات الحديثة للقيادة والسيطرة إلى 67٪. لذا تشكل موسكو تهديدًا طويل الأمد خاصة مع قيامها بتطوير قاعدة عسكرية جديدة بالقرب من حدود أوكرانيا (في روستوف، على بعد 60 كم من الحدود) من أجل النشر الدائم لوحدات فرقة البنادق الآلية رقم 150 التي تم تشكيلها حديثًا في القوات المسلحة الروسية.

يرجح الكاتب أن الكرملين يعتزم استخدام التدريبات العسكرية الاستراتيجية “القوقاز 2020″، والتي ستعمل على وضع سيناريو للهجوم على الدول المجاورة، في الضغط السياسي على أوكرانيا والغرب، وسيصل العدد الإجمالي للقوات المشاركة في المناورات التي ستُجرَى في سبتمبر من هذا العام إلى 120 ألف عسكري على الأقل، بجانب 3 آلاف مركبة قتالية مدرعة، وحوالي 300 طائرة، و250 طائرة هليكوبتر، و50 سفينة، وما يقرب من 5 غواصات. ومن السيناريوهات المحتملة لهذه التدريبات استخدام القوات لحل مشكلة عجزت موسكو إلى الآن عن حلها وهي إمدادات المياه لشبه جزيرة القرم؛ فقبل الغزو كان البر الرئيسي لأوكرانيا يقدم ما يقرب من 85 ٪ من احتياجات شبه جزيرة القرم من المياه العذبة، لذلك ليس من المستبعد أن تتوغل القوات المسلحة في عمق أراضي منطقة “خيرسون” من أجل السيطرة على سد قناة شمال القرم.

وبشكل عام، حولت روسيا بالفعل شبه الجزيرة إلى قاعدة عسكرية دائمة، لديها بنية تحتية جاهزة لتخزين الأسلحة النووية. وذلك بعد استعادة البنية التحتية السوفيتية لتخزين وتشغيل الأسلحة النووية بنشاط بالقرب من فيودوسيا (منشأة فيودوسيا -13) وبالاكلافا (سوبكا) منذ 2016، وفقًا لما تقتضيه الأهداف العسكرية الروسية. 

ويرى الكاتب أن قرار روسيا القيام بأي عملية هجومية ضد أوكرانيا -لا سيما في منطقة قناة شمال القرم- ما زال مُقيدًا ببعض العوامل التي تتمثل في: 

  • هبوط أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية مما أدى إلى تراجع عائدات الميزانية الروسية.
  • رغبة موسكو في توظيف أزمة الفيروس التاجي “كوفيد-19” لتحسين علاقاتها مع الغرب. 
  • اقتراب مواعيد الانتخابات المحلية في أوكرانيا والتي تأمل موسكو في أن تسفر عن تزايد وزن العناصر الموالية أو المنحازة لها في الحياة السياسية الأوكرانية.
  •  وجود جبهات أخرى مثل: المواجهة التركية الروسية في سوريا، والصراع الأرمني الأذربيجاني.
  • اقتراب موعد الانتخابات المحلية في روسيا المُقرر انعقادها في سبتمبر 2020 مع تراجع معدلات الثقة في الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” إلى 23٪، بالإضافة إلى تصاعد الاحتجاجات داخل روسيا.
  •  إضافة إلى ما سبق يضيف الكاتب عددًا من العوامل الأخرى التي تحول دون اتخاذ الكرملين قرار الهجوم، منها: تقلبات موسم الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وتطور عملية المفاوضات لحل الوضع في شرق أوكرانيا في صيغتي “مينسك” و”نورماندي”، ولكنه يرجح أن تركيز الولايات المتحدة المُتوقَّع على مشاكلها الداخلية قد يزيد بشكل كبير من استعداد موسكو لعبور “الخط الأحمر” مرة أخرى، لا سيما إن لم تكن راضية عن مسار مينسك/نورماندي.

وفقًا لتقدير الكاتب، فإن التأثير المعقد لهذه العوامل يعني أن الوقت غير مناسب لسيناريو عدوان عسكري على أوكرانيا في خريف عام ٢٠٢٠، ولكنه يضيف أن التاريخ يؤكد أن روسيا لم تحترم أبدًا الحقوق السيادية للدول الأخرى، وأن حدود الدول بالنسبة لها مجرد خط على الخريطة. فعلى سبيل المثال، وقعت روسيا معاهدة سلام أولية مع الدولة الأوكرانية عام 1918، وأطلقت في الوقت نفسه العنان لحرب “أهلية” في أوكرانيا شنتها فصائل بلشفية زعمت موسكو كذبًا أنها لم تطيعها.

ووفقًا لتحليل الكاتب، قد يتحول نشاط روسيا فيما يتعلق بأوكرانيا إلى عملية عسكرية واسعة النطاق في المستقبل، فضلًا عن إمكانية الاستيلاء على أراضٍ أوكرانية جديدة، ويرجع ذلك إلى: 

  • رغبة موسكو في صرف الانتباه عن عدد من المشاكل الداخلية التي تتجسد في (خفض تصنيف الحكومة بسبب تدهور حياة السكان، والتراجع السريع للاقتصاد، وجبهة النخب الإقليمية).
  • الحاجة إلى معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية لشبه جزيرة القرم المحتلة مؤقتًا مثل (إمدادات المياه، فشل سياحة موسم الأعياد).
  •  تركيز اهتمام القوى الدولية الداعمة لكييف على مشاكلها الداخلية التي تتمثل في: صعوبة تأمين العمليات الانتخابية، والتفاقم الجذري للمسائل الاجتماعية والديموجرافية والاقتصادية، علاوة على أزمة اللاجئين، والإرهاب.

ومن الأبعاد المهمة الأخرى للعدوان الروسي الهجيني على أوكرانيا، محاولات إحداث الفتن في المجتمع الأوكراني، وتقويض أسس الدولة من خلال التشويه المنهجي لفكرة القومية الأوكرانية، والتي تزعم موسكو أنها فاشية التوجه والممارسات، وشيطنة الاختيار الحضاري الذي يمثله التوجه إلى الغرب، وإثبات “اصطناع الهوية والدولة الأوكرانية”. كما تتلاعب موسكو بعامل الأراضي المحتلة مؤقتًا، في محاولة للوقيعة بين شعب أوكرانيا و”سلطات كييف”، فتقول إن هذه السلطات خانت وعودها الانتخابية من أجل السلام الذي طال انتظاره في دونباس. ويتحدث الكاتب عن محاولات للتحريض وإشعال “حرب الكل ضد الكل” في أوكرانيا لتبرير التدخل الروسي تحت ستار الإغاثة والأغراض الإنسانية، وحرب تُحدث تخريبًا سياسيًا و/أو تؤدي إلى تغيير قيادة الدولة على المدى المتوسط.

وفيما يتعلق بالآليات التي توظفها موسكو من أجل تنفيذ أهدافها للسيطرة على كييف فإنها أصبحت تجمع في أغلب الأحيان ما بين الأعمال الاستفزازية، واستخدام موالين لها للقيام ببعض الأعمال الإرهابية بالوكالة، بجانب الاغتيالات السياسية؛ حيت تم قتل ضابط المخابرات م. شابوفال والسياسي الروسي د. فورونينكوف في كييف. كان آخر مثال على ذلك ما حدث في ألمانيا والنمسا من مقتل المهاجرين السياسيين الروس “زليمخان خانغوشفيلي” في برلين و”ماميخان عمروف” في ضواحي فيينا، الأمر الذي جعل العالم يتساءل عما إذا كانت روسيا قد تحولت إلى دولة ترعى الإرهاب.

ويبدو أن موسكو تريد أن تطيل أمد المفاوضات لتخلق أو لتصل إلى وضع تكون الدومباس فيه اسميًّا وقانونيًّا جزءًا من أوكرانيا وفعليًّا وواقعيًّا مستقلة عنها وقادرة على التأثير فيها وعليها، وتأمل أن يمل الأمريكيون وأن يفقد القوميون الأوكرانيون مصداقيتهم المحلية والدولية.

٢- تهديدات اقتصادية

كشف الكاتب أن الاتحاد الروسي يستغل كل فرصة لشن حرب تجارية واقتصادية ضد أوكرانيا. وذلك للضغط عليها وابتزازها في مجال الطاقة، وحصارها تجاريًا، بالإضافة إلى سعيه الدائم لإخراج المنتجين الأوكرانيين من الأسواق التقليدية وتشويه سمعة شركاتهم في الأسواق الدولية. كما أن المخابرات الأوكرانية لديها معلومات عن أن الاتحاد الروسي قد أعد بالفعل “سجلًّا” لما يسمى “النقاط المؤلمة لأوكرانيا”، والتي من المزمع أن توجه لها روسيا ضربات موجعة تُلحق أضرارًا جسيمة بالاقتصاد الأوكراني؛ وتحتل الشركات الرائدة في الصناعة المحلية، والموانئ الأوكرانية والبنية التحتية للنقل، ومؤسسات مجمع الوقود والطاقة، وشركات المجمع الصناعي العسكري، مكانة مركزية في هذا السجل.

تحاول روسيا تعطيل حوار أوكرانيا مع المؤسسات المالية الدولية، وتشن حملات إعلامية في دول الاتحاد الأوروبي لترويج رواية عدم موثوقية نظام نقل الطاقة في أوكرانيا، وذلك لمنع نمو الاستثمار الأجنبي المباشر في كييف. لذلك، عشية المفاوضات القادمة بين أوكرانيا وصندوق النقد الدولي، تقوم روسيا من خلال القنوات الدبلوماسية وغيرها بإبلاغ الممثلين المعتمدين من البنوك الأجنبية ودوائر الأعمال عن سوء الاستخدام المزعوم لصناديق الائتمان من قبل أوكرانيا، شأنها شأن المساعدات الفنية والإنسانية. وتعمل موسكو جاهدة على نشر معلومات خاطئة حول “التدهور الاقتصادي لأوكرانيا بسبب الفساد” خلال الاتصالات الرسمية للقيادة الروسية العليا مع القادة الغربيين، كما تعمل روسيا بنشاط على تكريس حظر الطاقة على أوكرانيا من خلال تنفيذ طرق غاز تلتف حول أوكرانيا ولا تمر من خلالها، ويجب فهم استكمال بناء مشروع “نورد ستريم-2” في هذا الإطار، حيث يؤدي إلى إغلاق طرق إمداد الغاز الطبيعي من الاتحاد الروسي عبر أوكرانيا.

٣- تهديدات معلوماتية

يعتبر الكاتب أن محاولات روسيا السيطرة على الفضاء الإعلامي الأوكراني أحد الشروط المسبقة للعدوان على أوكرانيا؛ إذ يخطط الكرملين لتكثيف الحرب الإعلامية والنفسية. ويتم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر المعلومات المُزيفة والمضللة لهذا الغرض، مثل اتهام أوكرانيا بإعداد الإرهابيين لداعش، ونشر معلومات كاذبة حول الاستخدام المزعوم للأراضي الأوكرانية لإجراء أبحاث مختبرية سرية للأسلحة البيولوجية. علاوة على الملاحقة الجنائية في الاتحاد الروسي لأي شخص يتحدث عن انتماء شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا وفقًا للدستور الروسي المُحدث.

وتهدف روسيا بصورة رئيسية إلى زعزعة المجتمع الأوكراني من الداخل، وذلك من خلال التلاعب بالمشاعر الوطنية المُتعلقة بالقضايا اللغوية والدينية، ونشر المعلومات الكاذبة عن المرتزقة الأوكرانيين في مناطق الصراع، وعن مشاركة الأوكرانيين في الاضطرابات الجماعية في دول أخرى، والتي تجلت في نشر الكرملين أنباء كاذبة عن تورط “مرتزقة من أوكرانيا” في احتجاجات بلغراد بسبب عدم الرضا عن فرض حظر تجول بسبب زيادة عدد مرضى فيروس كورونا.

٤- تهديدات ناشئة عن مساعي الهيمنة الدينية

يرى الكاتب أن الكرملين يقوم بتوظيف البعد الديني في محاولته الهيمنة والضغط على أوكرانيا من خلال الترويج لفكرة “الكنيسة الأرثوذكسية الروسية”، والتي تعني أن السلطة الروحية على أرثوذكس أوكرانيا للكنيسة الروسية؛ وتستغل أجهزة المخابرات الروسية الكنيسة كإحدى آليات القوة “الصلبة” باعتبارها مصدر إلهام للاحتجاجات التي يمكن أن تتصاعد بسهولة إلى اشتباكات مع جهات إنفاذ القانون أو المحرضين، والقوة “الناعمة” عبر تأثيرها على عقول المؤمنين. في هذا الاتجاه، تستخدم روسيا جميع التقنيات المتاحة للاعتراض على عملية تشكيل كنيسة أرثوذكسية مستقلة في أوكرانيا (تم الإعلان عنها في ٢٠١٨/٢٠١٩)، والتلاعب بمشاعر المؤمنين الأوكرانيين ومحاولة الحفاظ على تأثيرها عليهم.

هذا بجانب محاولات إنشاء وإضفاء الشرعية على تشكيلات شبه عسكرية لها مرجعية طائفية في مناطق أوكرانية يوكل لها مهام إنفاذ القانون، وتسعى إلى تكثيف أنشطة منظمات “القوزاق” الموالية لروسيا، التي تحاول تكرار مهام الشرطة في حماية النظام العام على المستوى المحلي، وقد تم تسجيل مثل هذه الحالات، خاصة في كييف وفينيتسا وزابوروجي. 

٥- تأجيج الخلافات الإقليمية

يحاول الاتحاد الروسي الاستفادة من الصراعات التاريخية بين أوكرانيا وجيرانها من أجل تأجيج العداء بين الشعوب والاستفادة من نتائجها، وهو ما بدا بوضوح في الدور الروسي حيال العلاقات التاريخية مع المجر وبولندا؛ حيث سعت كييف إلى التوصل لاتفاق حول القضايا الخلافية بينهم إلا أن موسكو تدخلت من خلال تغذية المشاعر الشوفينية الموجهة ضد أوكرانيا.

أما الوضع مع بيلاروسيا فله طابع خاص نتيجة محاولات موسكو المستمرة للسيطرة عليها وإضعافها قدر الإمكان، يدلل “كوندراتشوك” على صحة حديثه بذكر واقعة اعتقال ٣٢ عنصرًا من منظمة “فاغنر” الروسية، الذين وصلوا وفقًا لسلطات بيلاروسيا إلى مينسك للقيام بعمليات إرهابية ومجازر لزعزعة الوضع خلال حملة الانتخابات الرئاسية في بيلاروسيا، والتي قد تتحول في حال إخضاعها إلى نقطة انطلاق لموسكو تجاه كييف.

تحلل الاستخبارات أيضًا العمليات التي تجري في مولدوفا (ترانسنيستريا) وجورجيا (أبخازيا ومنطقة تسخينفالي)، التي يستخدمها الكرملين كأرضية لضمان وصول القيادات السياسية الموالية لروسيا إلى السلطة. على سبيل المثال، في جورجيا، تستخدم روسيا جميع الأدوات الهجينة الموجودة، من “الطابور الخامس” ووسائل الإعلام الموالية إلى الابتزاز الاقتصادي، لصد محاولات السلطات الجورجية إعادة دمج الأراضي ومنع ظهور البنى التحتية للناتو على ساحل البحر الأسود الجورجي، ومع تطور الوضع في جنوب القوقاز والنزاع الحدودي بين أرمينيا وأذربيجان تواصل روسيا التلاعب بالصراعات الإقليمية، وفي الوقت نفسه تعرض خدماتها زاعمة أنها صانعة سلام وفاعل خير.

٦- تهديدات سيبرانية

ينوه الكاتب إلى الاهتمام الخاص الذي توليه المخابرات الأوكرانية لمواجهة التهديدات السيبرانية، ومحاولات القرصنة التي تتعرض لها البنى التحتية الحيوية لأوكرانيا بإيعاز من موسكو، مثل الهجمات الإلكترونية على شركات الطاقة الأوكرانية، كالهجوم السيبراني الذي تم شنه في عام 2015 على شركة “بلاك إنرجي تروجان” Black Energy Trojan، والهجوم على شركة أوكرنرجو الوطنية للطاقة Ukrenergo National Power Company في عام 2016، والهجوم الإلكتروني على مكتب الرئيس الأوكراني في جمهورية القرم ذاتية الحكم (2020).

وبالنظر إلى التهديدات السيبرانية وعسكرة الفضاء الإلكتروني والتلاعب بالرأي العام من خلال حملات التضليل على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن تأثير روسيا لا يقتصر على أوكرانيا فحسب، بل يمتد إلى الدول الأخرى التي تعتبرها أعداء أو منافسين لها، حيث تم كشف التدخلات الروسية عبر الفضاء الإلكتروني في الانتخابات الرئاسية الأمريكية السابقة، بالإضافة إلى تدخلها في عمليات التصويت في دول أوروبية، مثل: المملكة المتحدة، وهولندا. كما اتهمت بريطانيا المتسللين الذين يسيطر عليهم الاتحاد الروسي بالتدخل في الانتخابات البرلمانية لعام 2019 عبر الإنترنت، وتسريب وثائق الحكومة البريطانية. بالإضافة إلى ذلك، اتهمت بريطانيا والولايات المتحدة وكندا روسيا بمحاولة سرقة بيانات حول لقاح “كوفيد-19″، حيث تم استخدام أدوات وتقنيات مختلفة، بما في ذلك البرامج الضارة مثل “ويلميس” WellMess و”ويلميل” WellMail، أثناء هجمات القرصنة على مؤسسات اللقاحات، وهو الأمر الذي أثار حالة من القلق في الغرب، ودفع الاتحاد الأوروبي مؤخرًا لتطبيق نظام للعقوبات على الهجمات الإلكترونية لأول مرة، وفرضه على أربعة ضباط ومرافق استخبارات عسكرية روسية متورطة في هجمات “نوتبتيا” NotPetya الإلكترونية ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

وفي هذا السياق، لا شك أن أوكرانيا مهتمة بالتجربة البريطانية، حيث نشر البرلمان تقرير لجنة المخابرات والأمن المسماة “روسيا”، والذي يتناول حقائق تدخل الاتحاد الروسي في العمليات السياسية للمملكة، ويحتوي على توصيات محددة للحكومة لمواجهة الأنشطة العدائية للاتحاد الروسي، من خلال منح الخدمات الخاصة صلاحيات أوسع لمراقبة أصول وأنشطة الروس في البلاد، وإنشاء سجل لوكلاء النفوذ الأجانب والاستخدام المرن لأدوات العقوبات.

٧- تهديدات إرهابية

أشار الكاتب إلى أن الإرهاب يتجسد في “داعش” و”طالبان” و”القاعدة”. أو على سبيل المثال، في الدول التي تم تحديدها كراعية للإرهاب في نسخة وزارة الخارجية الأمريكية، وهي: إيران، وكوريا الشمالية، وجنوب السودان. أما بالنسبة لأوكرانيا، التي تخوض روسيا ضدها حربًا هجينة، بما في ذلك الأساليب الإرهابية، فإن الكرملين هو الإرهابي الأول، الذي قُتل من خلاله أكثر من 13 ألف أوكراني في دونباس. ومن الأمثلة على الهجمات الإرهابية إسقاط الرحلة MH-17 بصاروخ روسي، وقصف ماريوبول وكراماتورسك، والهجمات الإرهابية ضد قوات الأمن الأوكرانية. 

يمثل النظام السياسي الروسي التهديد الخارجي الرئيسي لأوكرانيا، ويرجع ذلك لعدم قبول حكومة الكرملين الحالية أبدًا وجود أوكرانيا المستقلة ذات التوجه الغربي، وبالتالي ستستمر في شن حرب هجينة ضد الدولة الأوكرانية. فيما تُشير الأحداث الأخيرة إلى تبني القوى الغربية حزمة سياسات جماعية لردع الاتحاد الروسي. كما ستهيمن مسألة الكشف عن التهديدات الجديدة وعن مرتكبي الهجمات الإلكترونية في الوقت المناسب والاستجابة المناسبة للتهديدات من الاتحاد الروسي على جدول أعمال أجهزة الاستخبارات والسياسيين الأوروبيين والأوكرانيين.

تطورات محتملة

تخطط روسيا لمواصلة زعزعة استقرار أوكرانيا من أجل تحقيق عودة كييف إلى منطقة النفوذ الروسي، ومن المتوقع أن تعاود روسيا نشاطها للضغط على كييف مع اقتراب الانتخابات المحلية. ولن يقتصر هدفها على زرع الفوضى وتقويض ثقة الجمهور في مؤسسات الدولة فحسب، بل ستسعى إلى إقناع الغرب بأن أوكرانيا “دولة فاشلة”، للتأثير على دعمهم ومساندتهم لها ضد موسكو.

وتتمثل إحدى الآليات -في هذا السياق- في غرس فكرة فيدرالية أوكرانيا، باعتبارها الإمكانية الحقيقية الوحيدة لحل النزاع بالوسائل السياسية السلمية، وذلك نتيجة اقتناع الكرملين بـ”عدم التجانس الحضاري والوطني لأوكرانيا والتأثير المحدود للحكومة المركزية”، هذه هي التعريفات المستخدمة في موسكو، لذا فإن الانتقال إلى شكل حكومي فيدرالي يكثف عملية تفكك أوكرانيا إلى أجزاء صغيرة، وهو ما يُسهل عملية دمجها في المستقبل في “العالم الروسي”، باستثناء إقليم واحد يسمونه “جاليسيا”.

وعليه، تصر روسيا على إجراء الانتخابات في الأراضي المحتلة مؤقتًا في شرق أوكرانيا دون أي شروط مسبقة، أي دون استعادة السيطرة الأوكرانية على القسم ذي الصلة من الحدود الأوكرانية الروسية ودون سحب جميع الوحدات المسلحة التي تسيطر عليها موسكو. ويحاول مبعوثو الكرملين الآن دفع هذا النهج في جميع منصات التفاوض. لأن الخيارات الأخرى لا تلبي مصالح روسيا في تأمين السيطرة السياسية الكاملة على منطقتي لوهانسك ودونيتسك في فترة ما بعد الصراع.

ووفقًا لتوقعات الكاتب، على الرغم من استعداد أوكرانيا لعملية تسوية سلمية، على المدى القريب والمتوسط​​، فسيكون هناك احتمال كبير لاستفزازات العدو على طول خط التماس. ويختتم قائلًا: “تشير بياناتنا إلى أن التشكيلات المسلحة التي يسيطر عليها الاتحاد الروسي قد تلقت بالفعل تعليمات من المشرفين عليها من روسيا لاستخدام اتفاقيات وقف إطلاق النار لإثارة الاستفزازات والبحث عن طرق لتصوير أوكرانيا بصفتها الطرف الذي انتهكها أولًا”.

آية عبدالعزيز
باحثة بوحدة الدراسات الأوروبية