تنمية ومجتمع

ما زالت كثافات الفصول في زيادة

ما زال ارتفاع كثافة الفصول الدراسية في المدارس المصرية يمثل عائقًا أمام تحقيق الأهداف التعليمية المنشودة. وقد تفاقمت هذه المشكلة إلى أن بلغت معدلات الكثافة أعلى مستوياتها في العام الدراسي الماضي، حيث اقترب متوسط كثافة الفصول من 47 طالبًا لكل فصل.  ووفقًا لكتاب الإحصاء السنوي لوزارة التربية والتعليم، فإن متوسط كثافة الفصول في جميع المراحل التعليمية ارتفع بشكل ملحوظ إذا ما قورن بالمتوسط منذ خمس سنوات؛ ما يعني أن عدد الفصول التي تبنيها الحكومة المصرية سنويًّا لم يكن كافيًا للحفاظ على مستويات الكثافة كما كانت منذ خمس سنوات. جدول رقم (1): التطور في متوسط كثافة الفصول بين عامي 2015 و2020…

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة

ما زال ارتفاع كثافة الفصول الدراسية في المدارس المصرية يمثل عائقًا أمام تحقيق الأهداف التعليمية المنشودة. وقد تفاقمت هذه المشكلة إلى أن بلغت معدلات الكثافة أعلى مستوياتها في العام الدراسي الماضي، حيث اقترب متوسط كثافة الفصول من 47 طالبًا لكل فصل. 

ووفقًا لكتاب الإحصاء السنوي لوزارة التربية والتعليم، فإن متوسط كثافة الفصول في جميع المراحل التعليمية ارتفع بشكل ملحوظ إذا ما قورن بالمتوسط منذ خمس سنوات؛ ما يعني أن عدد الفصول التي تبنيها الحكومة المصرية سنويًّا لم يكن كافيًا للحفاظ على مستويات الكثافة كما كانت منذ خمس سنوات.

جدول رقم (1): التطور في متوسط كثافة الفصول بين عامي 2015 و2020

المصدر: كتاب الإحصاء السنوي لوزارة التربية والتعليم. 

من الجدول السابق، يتضح أن متوسط كثافة الفصول ارتفع في كل مراحل التعليم، خاصة في مرحلتي التعليم الابتدائي والإعدادي. فقد ارتفع متوسط كثافة الفصول بمعدل أكثر من ستة طلاب في فصول المرحلة الابتدائية، وخمسة طلاب في المرحلة الإعدادية على مدار السنوات الخمس الماضية، لتتسع الفجوة بين واقع المدارس المصرية من حيث الكثافة وبين الأهداف التعليمية التي تسعى الدولة لتحقيقها. 

لقد ارتفعت كثافة الفصول في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة بناء وإضافة المزيد من الفصول؛ فعلى مدار السنوات الخمس الماضية ارتفع العدد الإجمالي للفصول من 467334 فصلًا في العام الدراسي 2014/2015 إلى 509471 فصلًا في العام الدراسي 2019/2020 بزيادة بلغت 42137 فصلًا على مدار خمس سنوات، أي بمعدل 8427 فصلًا في العام لجميع المراحل التعليمية. 

جدول رقم (2): تطور أعداد الفصول بين عامي 2015 و2020

المصدر: كتاب الإحصاء السنوي لوزارة التربية والتعليم. 

ويتضح من الجدول رقم (2) أن النصيب الأكبر من الفصول الدراسية كان للمدارس الابتدائية، ولكن تلك الزيادة لم تكن كافية لتفي بالغرض، حيث ظلت كثافة الفصول في التعليم الابتدائي عند أعلى مستوى بين جميع المراحل التعليمية، بل واستمر متوسط الكثافة في هذه المرحلة في الزيادة، الأمر الذي يعني أن الحكومة المصرية ما زالت في حاجة ماسّة إلى زيادة عدد الفصول الدراسية التي يتم إنشاؤها سنويًّا لتثبيت الكثافة عند المستوى الحالي، ناهيك عن تخفيض متوسط كثافات التلاميذ في الفصول.

ومن خلال تتبع الزيادات في أعداد الطلاب في مراحل التعليم المختلفة على مدار السنوات الخمس الماضية، يتضح أن معدل الزيادة السنوية في ارتفاع مستمر، حيث ارتفع عدد طلاب التعليم قبل الجامعي بمعدل 650 ألف طالب تقريبًا في العام الدراسي 2015/2016، وبمعدل مليون و100 ألف طالب في العام الدراسي 2019/2020، ليصل إجمالي الزيادة في أعداد الطلاب على مدار خمس سنوات 4 ملايين و286 ألفًا و972 طالبًا، في حين بلغ إجمالي عدد الفصول الجديدة التي أنشأتها الدولة على مدار السنوات الخمس 35 ألفًا و903 فصول فقط، أي إن متوسط ما أنشأته الدولة المصرية على مدار السنوات الخمس الماضية هو فصل لكل 101 طالبا.

جدول رقم (3): الزيادة السنوية في أعداد الطلاب في المدارس المصرية

المصدر: كتاب الإحصاء السنوي لوزارة التربية والتعليم.

يتضح من الجدولين السابقين أن الزيادة في أعداد الطلاب على مدار السنوات الخمس الماضية كانت أكبر بكثير من الزيادة في أعداد الفصول، حيث بلغ إجمالي نسبة الزيادة في أعداد الفصول 9% فقط بين عامي 2015/2016، 2019/2020. على الجانب الآخر، بلغ إجمالي نسبة الزيادة في أعداد الطلاب للفترة نفسها 22.24%، الأمر الذي أدى في النهاية إلى ارتفاع متوسط كثافات الفصول إلى ما هي عليه الآن، ويتطلب مضاعفة الجهود المبذولة من أجل التغلب على هذه المشكلة.

وتُعد مشكلة الكثافة المرتفعة للتلاميذ مشكلة عامة في كل محافظات مصر، ومع هذا فإن هذه المشكلة تبلغ مستوى بالغ الحدة يحتاج إلى تدخل سريع وفعال في محافظات الجيزة والإسكندرية والقليوبية والغربية والفيوم، وهي المحافظات التي تعاني من المستوى الأعلى لكثافة التلاميذ في الفصول. 

ويتضح من الشكل السابق أن متوسط الكثافة في المحافظات الخمس المذكورة تخطى المتوسط الإجمالي في المدارس الابتدائية والإعدادية على وجه الخصوص، حيث بلغ المتوسط العام في المدارس الابتدائية على مستوى الجمهورية 50.61، ولكنه تخطى 52 طالبًا في محافظتي الفيوم والإسكندرية، وبلغ أعلى قيمة له في الجيزة بمتوسط 56 طالبًا لكل فصل.

أما فيما يتعلق بالمدارس الإعدادية، فقد بلغ المتوسط العام على مستوى الجمهورية 46.62 طالبًا، ولكنه تخطى 49 طالبًا في محافظات الفيوم والغربية والقليوبية، في حين بلغ أعلى قيمة له في محافظة الجيزة بمتوسط أكثر من 51 طالبًا لكل فصل من فصول المرحلة الإعدادية. 

الحفاظ على الكثافات بمستواها الحالي الذي يقترب من 47 طالبًا/ فصل، واستيعاب مليون و200 ألف طالب (مقدار الزيادة المتوقعة للعام الدراسي القادم)، أن تقوم الدولة بإنشاء 22 ألف فصل، أي أكثر من ضعف ما تم إنشاؤه في العام الماضي تقريبًا، لكن وفقًا لما أعلنته وزارة التخطيط في مايو 2020، فإن الحكومة المصرية تعتزم بناء 27500 فصل دراسي للعام الدراسي 2020/2021 من أجل الوصول بمتوسط كثافة الفصول إلى 46 طالبًا. وقدرت الوزارة تكلفة إنشاء هذا العدد من الفصول بما يعادل 6.8 مليارات جنيه، أي إن تكلفة الفصل الواحد ستتخطى 247 ألف جنيه. 

وبالنظر إلى تكلفة إنشاء فصول لاستيعاب الزيادة السنوية في أعداد الطلاب وخفض الكثافات الكبيرة في الفصول، فإن توفير قيمة بناء الفصول وتجهيزها ليس المشكلة الوحيدة، فالأمر يتعلق أيضًا بإمكانية توفير أراضٍ ملائمة لإقامة مدارس جديدة في المواقع الأكثر احتياجًا، وإعادة توزيع المعلمين الحاليين الذين تخطى عددهم المليون معلم على المدارس، وتعيين معلمين جدد للوفاء باحتياجات المدارس الجديدة. لقد بلغ العجز في أعداد المعلمين إلى 300 ألف معلم، وفقًا لتصريحات الوزير طارق شوقي. وفي حالة تعيين كل هذا العدد فإن الوزارة ستضطر إلى زيادة مخصصات الرواتب من ميزانية الوزارة السنوية بمقدار 30% على الأقل، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الرواتب في ميزانية وزارة التربية والتعليم تبلغ 90 مليار جنيه سنويًّا.

ترتيبًا على ما سبق، يمكن القول إن مشكلة ارتفاع كثافات الفصول ما زالت تمثل عقبة في طريق تطوير التعليم في ظل استمرار زيادة أعداد الطلاب سنويًّا بسبب الزيادة السكانية، وإن اللجوء إلى الحل التقليدي المتمثل في بناء فصول جديدة لاستيعاب الزيادات سوف يكون مكلفًا جدًّا، سواء فيما يتعلق بتكلفة توفير الأراضي وبناء الفصول وتجهيزها، أو تعيين معلمين جدد للوفاء باحتياجات هذه الفصول الجديدة. وقد بات من الضروري فتح حوار في المجتمع بين المتخصصين حول قضية تمويل التعليم من ناحية، وقضية إبداع أساليب جديدة في التعليم تكون أكثر فعالية وأقل تكلفة من ناحية أخرى.

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة