الإجراءات الضريبية ومناخ الاستثمار

وافق مجلس النواب في جلسته الأخيرة على العديد من مشروعات القوانين المهمة يأتي على رأسها قانون الإجراءات الضريبية الموحد، الهادف إلى توحيد الإجراءات على جميع أنواع الضرائب (الدخل والقيمة المضافة والدمغة ورسوم التنمية.. إلخ) وذلك سعيا لتبسيط النظام الضريبي وتسهيلا للإجراءات وتجنبا للتكرار، الأمر الذى يسهم في رفع كفاءة الإدارة الضريبية ويساعد على حل العديد من المشكلات التي تؤثر بالسلب في العلاقة بين الممول والمصلحة، وتحد كثيرا من التهرب الضريبي، خاصة أن الوضع الحالي يعانى الكثير من أوجه الخلل والتعقيدات والإفتقار إلى المرونة، وكلها أمور أدت إلى الانخفاض الكبير في مساهمة الضرائب في الاقتصاد القومي والضعف الشديد في الطاقة الضريبة…

عبد الفتاح الجبالي

وافق مجلس النواب في جلسته الأخيرة على العديد من مشروعات القوانين المهمة يأتي على رأسها قانون الإجراءات الضريبية الموحد، الهادف إلى توحيد الإجراءات على جميع أنواع الضرائب (الدخل والقيمة المضافة والدمغة ورسوم التنمية.. إلخ) وذلك سعيا لتبسيط النظام الضريبي وتسهيلا للإجراءات وتجنبا للتكرار، الأمر الذى يسهم في رفع كفاءة الإدارة الضريبية ويساعد على حل العديد من المشكلات التي تؤثر بالسلب في العلاقة بين الممول والمصلحة، وتحد كثيرا من التهرب الضريبي، خاصة أن الوضع الحالي يعانى الكثير من أوجه الخلل والتعقيدات والإفتقار إلى المرونة، وكلها أمور أدت إلى الانخفاض الكبير في مساهمة الضرائب في الاقتصاد القومي والضعف الشديد في الطاقة الضريبة إذ لا تزيد نسبة الحصيلة الضريبية من الناتج المحلى عن 14%، وهى نسبة ضئيلة للغاية لا تتناسب مع الأوضاع السائدة. ويتميز النظام الضريبي المصري بارتفاع نسبة التخلص من الضريبة إما عن طريق التهرب أو عن طريق التجنب. والثاني هو الذى يتم وفقا للقانون، بينما يتمثل التهرب في مخالفة القانون وعدم التقدم بالإقرار الضريبي رغبة في إخفاء النشاط، وهنا نلحظ انه بينما بلغ عدد الممولين بضرائب الدخل 5.325 مليون إلا أن الإقرارات الضريبية لم تتجاوز 2.408 مليون بنسبة 45%، فيما يعتبر جريمة في حق المجتمع يجب محاربتها بقوة، وهو ما حاول مشروع قانون الإجراءات الضريبية التعامل معها عن طريق تشديد العقوبات على عدم تقديم الإقرارات في مواعيدها القانونية وتنظيم عملية الكشف عن سرية الحسابات، خاصة مع المحاولات العديدة لحل المنازعات الضريبية والتي بلغ وعاؤها نحو 900 مليار جنيه، فصدر العديد من القوانين لإنهاء هذه المنازعات منذ 2016 وحتى الآن وتم الانتهاء من تسوية منازعات على وعاء ضريبة على الدخل بنحو 162 مليار جنيه، وكانت الضريبة المتنازع عليها 42.6 مليار وتم الاتفاق على ضريبة بنحو 13.8 مليار.

ومع تسليمنا الكامل بأن الإصلاح الضريبي الكفء هو الذي يساعد على إيجاد مناخ جيد للاستثمار، مع ضمان تحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة، ويوفر الموارد المالية اللازمة لتمويل الإنفاق الاجتماعي في آن واحد، شريطة أن يتحقق ذلك في إطار من التنسيق والتناغم، بحيث لا يطغى هدف على آخر. وبالتالي يجب بذل المزيد من الجهود لتوسيع المجتمع الضريبي، بحيث يشمل جميع أصحاب الدخول والأرباح، إلا ما يراه المشرع في غير صالح الاقتصاد القومي، وذلك بدلا من السياسة الحالية التي تركز على زيادة الأعباء على الممولين الفعليين، خاصة متحصلي الأجور. فعلى سبيل المثال بلغت الضرائب على الأجور والرواتب 59 مليار جنيه في ختامي 2018/2019 وفى مقابل ذلك لم تحقق الضريبة على المهن الحرة إلا 2506 ملايين جنيه فقط، وهو مبلغ ضئيل للغاية لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع ما تقوم به هذه الفئات من نشاط داخل الاقتصاد القومي، ومازال هناك العديد من الأنشطة والقطاعات التي لا تخضع للنظام الضريبي المصري يقع معظمها لدى أصحاب الدخول العليا وأصحاب الثروات.

وعلى الجانب الآخر فإن معدل الاستثمار الحالي مازال دون المستوى المأمول، بل ومن المنتظر تراجعه، في ظل الآثار السلبية لفيروس كورونا، إلى نحو 11% فقط مما سيؤدى إلى تراجع معدل النمو المستهدف إلى 3.5% في خطة عام 2020/2021. من هنا تأتى أهمية وضرورة العمل على جذب الاستثمارات الخاصة.  

من هذا المنطلق يمكننا مناقشة ما طرحه البعض فيما يتعلق بالإجراءات الضريبية، والذين يرون أنها المعوق الأساسي لهذه الاستثمارات، وهو غير صحيح على الإطلاق. فالضرائب لا تشكل عائقا أساسيا أمام القرار الاستثماري، وهو ما أكده تقرير الاستثمار العالمي والذي أشار إلى عشرة مسارات للإصلاح من ضمنها الشفافية في صنع القرار الاقتصادي، والقدرة على التنبؤ بالسياسات الاقتصادية ومدى اتساقها وتناغمها، وتحسين كفاءة وفعالية الإجراءات الإدارية، بالإضافة إلى ضرورة إيجاد جهة واحدة تعمل في مجال تسهيل الاستثمار والحصول على التراخيص وحل المنازعات وغيرها.

وعلى نفس المنوال سار تقرير البنك الدولي عن معوقات القطاع الخاص في المنطقة، مشيرا إلى أنها تكمن في عدم الاستقرار السياسي، وصعوبة الحصول على التمويل، بالإضافة إلى مشكلات الفساد والتراخيص والتصاريح واتساع نطاق القطاع غير الرسمي وتزايد الجريمة، وهو نفس ما خلص إليه تقرير ممارسة الأعمال مع الأخذ بالحسبان أنه يأخذ بتعريف أوسع للضرائب يشمل جميع ما تلتزم به المنشآت من رسوم وأعباء مثل التأمينات والضرائب وغيرهما. 

أما فيما يتعلق بسرية الحسابات فقد أجمعت الدراسات على أنها تمثل إحدى الآليات الأساسية للتهرب الضريبي، حيث يتم إخفاء الدخل الحقيقي عن الإدارة الضريبية مستغلين في ذلك عدم قدرة الجهاز الضريبي على الاطلاع على هذه الحسابات ومعرفة الدخول الحقيقية للشركات والأفراد، ولهذا السبب قامت 158 دولة و15 منظمة دولية بإنشاء منتدى عالمي لتطبيق معايير الشفافية المالية وتبادل المعلومات لأغراض الضرائب، وأصبحت البلدان معرضة لتطبيق بعض الإجراءات التحفظية إذا لم تنضم لهذا المنتدى. كما يأخذ العديد من المنظمات الدولية في اعتباره هذا الوضع كأحد المؤشرات في التعامل مع الدولة، مما يؤثر في قدرتها على الاقتراض والحصول على المساعدات الفنية والمالية، وهو ما يتطلب تطوير تعديل الوضع القائم في مصر بما يسمح باستخدام هذه الآلية مع وضع جميع الضوابط والأطر المناسبة لحسن استخدام هذه الأداة.

كل هذه الأمور وغيرها تؤكد ضرورة إعادة النظر من جديد في الفلسفة التي تحكم الاستثمار الخاص في المستقبل مع تأكيد مبدأ الشفافية، وكذلك الالتزام بالاتفاقيات الدولية، وهو ما يؤدى في النهاية إلى تحسن المناخ الاستثماري. 

نقلا عن جريدة الأهرام، 2 سبتمبر 2020.

عبد الفتاح الجبالي

مقالات أخرى للكاتب