وحدة الدراسات العربية والإقليمية

العلاقات التركية-الصينية: فرص للتطور رغم خلافات عديدة

تشهد العلاقات التركية الصينية منذ تدشين علاقتهما الدبلوماسية رسميًّا عام 1971 موجات من الصعود والهبوط. وعلى الرغم مما تشهده السنوات الأخيرة من طموح ورغبة متزايدة لدى الإدارة التركية لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين، والاستفادة من الحوافز التي تقدمها؛ إلا أن العلاقات تسير بوتيرة متواضعة ودون المستوى المتوقع، الأمر الذي يبرهن على وجود تحفظات صينية على السياسة التركية تلجم رغبة بكين في تعزيز التقارب مع أنقرة.  في هذا السياق، قال الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” في مقال نشرته صحيفة “جلوبال تايمز” الصينية، في يوليو 2019، إن تركيا والصين تتشاركان نفس الرؤية في مجالات مثل الحفاظ على السلام والأمن والاستقرار العالمي، وتشجيع…

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية

تشهد العلاقات التركية الصينية منذ تدشين علاقتهما الدبلوماسية رسميًّا عام 1971 موجات من الصعود والهبوط. وعلى الرغم مما تشهده السنوات الأخيرة من طموح ورغبة متزايدة لدى الإدارة التركية لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين، والاستفادة من الحوافز التي تقدمها؛ إلا أن العلاقات تسير بوتيرة متواضعة ودون المستوى المتوقع، الأمر الذي يبرهن على وجود تحفظات صينية على السياسة التركية تلجم رغبة بكين في تعزيز التقارب مع أنقرة. 

في هذا السياق، قال الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” في مقال نشرته صحيفة “جلوبال تايمز” الصينية، في يوليو 2019، إن تركيا والصين تتشاركان نفس الرؤية في مجالات مثل الحفاظ على السلام والأمن والاستقرار العالمي، وتشجيع التعددية، والحفاظ على التجارة الحرة. الأمر الذي بدا كمحاولة تركية لإقالة الاقتصاد التركي من عثرته عبر الانفتاح مع الصين. لذا، تثور التساؤلات بشأن حدود التقارب في العلاقات بين أنقرة وبكين، وكذا قدرة المدخل الاقتصادي على لعب دور مؤثر في هذا الصدد.

أولًا- العلاقات الاقتصادية

قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في عام 2002 كانت تركيا تواجه أسوأ أزمة اقتصادية، فقد ارتفعت معدلات التضخم والبطالة، حيث تراكمت الديون الخارجية والداخلية، وانهارت العملة التركية. وفي خضم هذه الظروف الصعبة، تولى حزب العدالة والتنمية الحكم، وتمكن من تحقيق بعض النجاحات الاقتصادية، إلا أن الاقتصاد التركي بدأ يشهد حالة جديدة من التراجع منذ عام 2012، خاصةً بعد قمع انتفاضة “غزي بارك” في إسطنبول عام 2013. وتعاني أنقرة حاليًا من أزمة اقتصادية خانقة بفعل عدد من الأسباب، أبرزها: تراجع حجم الاستثمار الخارجي، وتزايد التواترات الخارجية، سواء مع الشركاء الأوروبيين، أو في منطقة شرق المتوسط، أو مع روسيا على الساحتين السورية والليبية، أو مع الولايات المتحدة بسبب مشكلة القس “أندرو برونسون” ومنظومة الصواريخ الروسية S-400. 

ونظرًا لقلة الموارد الطبيعية في تركيا، تحتاج أنقرة -بشكل كبير- إلى ضخ رأس المال الأجنبي، ودعم علاقات قوية مع الأسواق الدولية لتحقيق النمو. لذا، فإن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تشهدها أنقرة تدفعها إلى البحث عن شريك اقتصادي جديد، لا سيما مع توتر العلاقات التركية-الغربية. وانطلاقًا من الحجم الكبير للاقتصاد التركي يصبح إنقاذه رهنًا لفاعلَيْن أساسيين هما صندوق النقد الدولي والصين. ومن ثم، تدرك تركيا جيدًا أهمية العلاقات بين أنقرة وبكين. 

في يونيو 2018، زار وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أوغلو” بكين، معربًا عن أمله في أن تطلق الدولتان العنان لإمكانياتهما الخاصة عبر الجهود المشتركة من أجل تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية، وكذا التفاعلات الثقافية والسياحية. ومع ذلك، يبدو أن “أوغلو” قد عاد إلى أنقرة دون وعد من الصينيين بإنقاذ الاقتصاد التركي المتأرجح. وفي يونيو 2019، أفادت بعض التقارير بأن البنك المركزي الصيني قام بتحويل مليار دولار إلى تركيا كجزء من اتفاقية لتبادل العملات يعود تاريخها إلى عام 2012. وعلى الرغم من أن هذا التدفق النقدي يشكّل أكبر تحويل للأموال وفرته بكين لأنقرة، إلا أن أقصى ما يمكن أن يسفر عنه هو إقراض مبلغ بسيط قصير الأجل لاحتياطيات النقد الأجنبي المتناقصة في تركيا.

على الجانب الآخر، وعلى الرغم من أهمية الشراكة الاقتصادية بين بكين وأنقرة، وأهمية المضي قدمًا في مبادرة “الحزام والطريق”؛ إلا أنه لا يمكن لبكين أن تكون البديل المناسب عن الشريك الغربي. بعبارة أخرى، يبدو أن أنقرة تتعامل مع بكين باعتبارها منقذًا مؤقتًا سيتم الاستناد إليه لحين ترميم العلاقات مع الشركاء الغربيين. فعلى الرغم من قيام “أردوغان” بتنويع شركاء تركيا التجاريين، إلا أنه لا يمكن اعتبار أي منهم بديلًا قويًّا لأسواق البلاد التقليدية في الغرب. فصادرات تركيا إلى الصين لا تشكل سوى جزء صغير من صادراتها إلى أوروبا وأمريكا، كما أن عجزها التجاري معها كبير نسبيًا. ففي عام 2019، بلغت قيمة الواردات التركية من الصين 18.3 مليار دولار، بينما بلغت صادراتها إليها 2.5 مليار دولار فقط (ITC Trade map). وفي عام 2018، كان أبرز الشركاء التجاريين لتركيا –في مجال الصادرات- ألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا والعراق والولايات المتحدة، وبالنسبة للواردات جاءت روسيا ثم الصين وألمانيا والولايات المتحدة، وفقًا لصندوق النقد الدولي.

وبالمثل، بينما تنوع شركاء الاستثمار في تركيا، إلا أن الحصة الأمريكية والأوروبية من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر احتلت النسبة الأكبر. ففي عام 2018، بلغت نسبة الاستثمارات الغربية المباشرة في تركيا حوالي 71%. ومع تزايد التوترات التركية الغربية شهدت هذه النسبة تراجعًا ضئيلًا خلال عام 2019، إذ وصلت إلى ما يقرب من 67%. وفي المقابل، ظلت تدفقات الاستثمار الصيني دون 1% (وفقًا لإحصائيات البنك المركزي التركي). ومع ذلك، واجهت الشركات التركية مؤخرًا صعوبات في الحصول على ائتمانات من مستثمرين أوروبيين وأمريكيين، مما خلق فراغًا قد يقرر المستثمرون الصينيون استغلاله عبر توفير مبالغ ائتمان أكبر من تلك التي يوفرها المستثمرون الغربيون. لكن ليست هناك مؤشرات على رغبة الصين في المضيّ قدمًا في هذا المنحى. ويتضح ذلك جليًّا في العراقيل التي تفرضها سلطات بكين أمام دخول المنتجات التركية إلى أسواقها. وتُعد المشكلة الأكبر التي يعاني منها المصدّرون الأتراك هي الحصول على تراخيص وشهادات تصدير إلى الصين، حيث تماطل حكومة بكين في إجراءات قبول المنتجات التركية، الأمر الذي يقلل من حجم الصادرات التركية إلى الصين، ويفرض قيودًا على علاقتهما الاقتصادية.

ثانيًا- الخلافات السياسية

بشكل عام، يمكن القول إن المحاولات المتكررة لتعزيز العلاقات بين أنقرة وبكين عبر المدخل الاقتصادي لم تحقق نتائجها المتوقعة. ورغم توقيع اتفاقية (التعاون الاستراتيجي) بين الجانبين في عام 2010، إلا أنه لا يمكن القول إن العلاقات التركية-الصينية تسير في اتجاه بناء علاقات استراتيجية. فقد اتبعت الصين سياسة تختلف –بقدر كبير- عن السياسة التي اتبعتها تركيا في قضايا قبرص وكوسوفو والبوسنة والهرسك والنزاع الأرميني-الأذربيجاني. لذا، يبدو أنه ليس من السهولة أن يجد الطرفان أرضية تقوم على رؤى مشتركة. وتُرجع أغلب التحليلات هذا التأرجح في العلاقات إلى التصدعات السياسية بين الجانبين، ويمكن الإشارة إلى أسباب هذه التصدعات فيما يلي: 

1- التعامل مع الصين كورقة ضغط

تشعر الصين أن رغبة تركيا في تعزيز العلاقات معها لا تعبر عن رغبة حقيقية لدى أنقرة، وإنما هي مجرد ورقة ضغط تستدعيها أنقرة كلما اقتضت الضرورة. بعبارة أوضح، تلجأ أنقرة إلى تعزيز علاقاتها مع بكين بالتزامن مع توتر علاقاتها مع الغرب، سواء الولايات المتحدة أو أوروبا. وفي المقابل، تبدي أنقرة حالة من الفتور في علاقاتها مع بكين كلما تحسنت علاقاتها مع الغرب. أي إن علاقاتها مع بكين ليست هدفًا في حد ذاته، وإنما هي مجرد “ورقة” لمساومة الشركاء الغربيين على تقديم مزيد من الحوافز لأنقرة. لذا، تبدو بكين متشككة من موقف الإدارة التركية، انطلاقًا من كونه مجرد رد فعل لعلاقة تركيا المتردية مع الغرب. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك، قيام تركيا بوضع حدٍّ للمفاوضات التي استمرت عامين حول نظام الدفاع الجوي والصاروخي طويل المدى (T-Loramids) الذي قدمته الصين.

2- أزمة الإيجور

لا تزال بكين تشعر بقلق عميق حيال علاقات أنقرة التاريخية الوثيقة مع الإيجور في شينجيانج. الإيجور يتهمون السلطات الصينية بممارسة التمييز ضدهم، بينما تقول الصين إن ميليشيات الإيجور تقوم بأعمال عنيفة تشمل التآمر للقيام بعمليات تفجير وتخريب وعصيان مدني من أجل إعلان دولة مستقلة. وفي عهد “أردوغان”، حافظت أنقرة على دعمها القوي للإيجور. وفي عام 2009 وصفت أنقرة السياسات الصينية في شينجيانج بــــ”الإبادة جماعية”. وحاليًا، لا يزال كبار نشطاء الإيجور يجتمعون بانتظام مع المسئولين الأتراك، ويظل مجتمعهم في تركيا مركز الشتات الإيجوري العالمي.

3- ملفات الشرق الأوسط

يأتي تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط ضمن أولويات السياسة الصينية في المنطقة؛ فالعلاقات الصينية مع الشرق الأوسط تعتمد –بشكل كبير- على الطاقة والعلاقات الاقتصادية منذ زمنٍ طويل. لذا، يبدو أن أنقرة تعمل بالمخالفة للرؤية الصينية التي تدعم الاستقرار في الشرق الأوسط، إذ باتت أنقرة فاعلًا محفزًا للخلافات والتوترات في أكثر من ساحة مثل سوريا والعراق وليبيا وكذا منطقة شرق المتوسط. وعلى الجانب الآخر، يبدو ملف إعادة إعمار الدول التي أنهكتها الصراعات كمجال جديد للمنافسة بين الطرفين، حيث سيسعى كل طرف للاستحواذ على أقصى قدر ممكن من التدخل والتأثير سياسيًّا واقتصاديًّا. إضافة إلى رغبة الصين في تعزيز علاقاتها بدول الخليج التي تجمعها بأنقرة علاقات متوترة بقدر ما.

4- ملف الإرهاب

يُمكن القول بشكل عام، إن قضية الإرهاب تقع ضمن أكثر القضايا التي تُقلق الدولة الصينية، ليس فقط في الداخل الصيني، ولكن في الدول التي تجمعها مع الصين علاقات اقتصادية موسعة. وبالنظر إلى حالة الربط -التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة- بين النظام التركي وعلاقاته المتشابكة مع التنظيمات الإرهابية، يتضح أن حالة التوجس الصيني من السياسات التركية في هذا الصدد ستظل قائمة. إذ شاركت الصين هي الأخرى في الهجمات التي يشنها الإعلام الإقليمي والعالمي على تركيا بشأن علاقاتها بتنظيم “داعش”. ويرتبط بهذا الأمر وجود تقارير تفيد بقيام أنقرة بتجنيد إرهابيي الإيجور في الساحات التي تتدخل فيها، الأمر الذي يمثل خطرًا كبيرًا على أمن الدولة الصينية حال عودتهم لها. 

ثالثًا- آفاق التعاون

على الرغم من أن التوسع في العلاقات الاقتصادية بين أنقرة وبكين لا يزال دون المستوى المتوقع بسبب الكثير من التصدعات السياسية السابق الإشارة إليها؛ إلا أن مستقبل التعاون بين الطرفين لا يزال يحمل آفاقًا رحبة. أنقرة تدرك جيدًا المصالح الضخمة التي ستعود عليها من الانضمام إلى مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، كما تدرك بكين أهمية التقارب مع تركيا –بوصفها عضوًا في الناتو– وكذا الاستفادة من موقعها المتميز. وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى بعض الملفات التي تشهد تقاربًا في وجهات النظر بين الجانبين، والتي قد تعمل كمحفز على تعزيز العلاقات وتجاوز التصدعات السياسية.

1- التفاهم بشأن الإيجور

على الرغم من أن أزمة الإيجور من أبرز ملفات الخلاف بين أنقرة وبكين؛ إلا أن أنقرة بدت براجماتية في هذا الملف بغرض التقارب مع الصين وكسر الجمود الذي تسببت فيه حالة التشكك التي تستشعرها بكين حيال أنقرة. خلال عام 2019، وافقت السلطات التركية على رد الآلاف من المهاجرين الإيجور إلى بلادهم. إذ تحولت تركيا من المساندة المطلقة والموقف التاريخي الداعم لهم إلى البراجماتية. كما كشفت صحيفة “صنداي تليجراف” البريطانية، عن تعاون الرئيس “أردوغان” مع الصين في عمليات ترحيل الإيجور الموجودين على الأراضي التركية عبر دولة ثالثة كطاجيكستان. كما أفادت الإذاعة العامة الوطنية الأمريكية، في مارس 2020، بأن لاجئًا من الإيجور يدعى “عبدالرحيم أمين باراش” تعرض للاعتقال في إسطنبول على يد الشرطة التركية التي حثته على “عدم التحدث علنًا ضد الصين”.

2- كسر الهيمنة الروسية على آسيا الوسطى

يمكن الادّعاء بأن لدى أنقرة وبكين مصلحة مشتركة في كسر الهيمنة الروسية على آسيا الوسطى بطريقة تسمح لهما بالتمدد لتعظيم مصالحهما في هذه المنطقة المهمة بالنسبة لهما. بعبارة أخرى، تجمع أنقرة وبكين الرغبة في كسر هيمنة روسيا على آسيا الوسطى، التي تحاول روسيا تعزيزها عبر إقامة اتحاد جمركي قد يساهم في العزل النسبي لتلك المنطقة عن السوق العالمية، ويصعّب من قدرة الشركات الصينية والتركية على النفاذ إليها. وبحسب ما أفاد به السفير الصيني لدى أنقرة، لوكالة “الأناضول” يوم 13 من مايو الماضي، فإن بكين رحبت بفكرة انضمام تركيا إلى “منظمة شنغهاي للتعاون”، وأبدت استعدادها للتعاون مع المسئولين الأتراك في هذا الإطار.

3- تشابه الموقف إزاء مشكلة كشمير

يجمع أنقرة وبكين موقف متقارب تجاه مشكلة كشمير، بل وفيما يتعلق بالتوازن في جنوب آسيا بين الهند وباكستان، فالصين بحكم منافستها للهند تميل لدعم دور باكستان الإقليمي، وترغب في تحجيم الدور الهندي في القارة، وهو ما استتبع دعم الصين لباكستان في ملف كشمير. أما تركيا، ونتيجة للتنافس بينها وبين إيران على كسب ود مسلمي آسيا الوسطى، فإنها تميل هي الأخرى لتعزيز دور باكستان في المنطقة كقوة سنية توازن النفوذ الشيعي لطهران. ونتيجة لذلك، تزداد فرص التنسيق بين الصين وباكستان وتركيا. 

إجمالًا، واستنادًا إلى العرض السابق، يمكن القول إن علاقات أنقرة وبكين تشهد حالة من التأرجح بسبب عدد من المشكلات. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من الفرص لتوسيع آفاق هذه العلاقات من خلال العمل على تجاوز الخلافات السياسية، وتوسيع رقعة التفاهم بين الجانبين. بعبارة أخرى، فإن تعزيز العلاقات بين أنقرة وبكين يتطلب إرادة سياسية من الجانبين مؤداها تعظيم التفاهمات وتجاوز الخلافات. ولن يكون الاقتصاد هو المحرك الأساسي للعلاقات بينهما، وإنما ستظل السياسة رقمًا مؤثرًا في معادلة العلاقات بين الطرفين.

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية